د. فايز رشيد
كتبنا في ‘القدس العربي’ منذ ما يزيد عن الشهر، عن انطلاق مارد الطائفية والمذهبية البغيض في العالم العربي، وتداعياته، وآثاره السلبية في الهيمنة على التناقضات الأخرى في المنطقة، الخارجية وأهمها الصراع العربي – الصهيوني، إضافة إلى الصراعات الداخلية وأبرزها الاجتماعي بمفهومه للعدل الاجتماعي (الطبقي)، والاستحقاقات الشعبية العربية، كالديمقراطية على سبيل المثال لا الحصر. وكتبنا عن تفتيت الدولة القطرية العربية إلى كيانات هزيلة، بهدف خلخلة النسيج الاجتماعي الداخلي للشعوب العربية في أقطارها، وبالتالي للأمة العربية بأسرها. مقالة اليوم هي استمرار للمقالتين المذكورتين، من خلال التطرق إلى استهداف المسيحيين العرب، على ضوء تفجيرات كنيسة سيدة النجاة في العراق، وتفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية، أو أية حوادث أخرى شبيهة حدثت، أو قد تحدث (لا سمح الله)، تأتي المقالة رغم الكره الشديد للخوض في القضايا الطائفية، لكن للواقع أحكامه. ومع كرهي الشديد أيضا، لإلقاء تبعة ما حصل على نظرية المؤامرة، التي يرى البعض فيها (أنها ليست نظرية من الأساس، بقدر ما هي مزاج سياسي خرافي عاجز عن التحليل السببي للحدث)، إلاّ أن جزءاً من الصحة ينطبق على هذه النظرية، والجزء الآخر يعود إلى التحليل السببي بالتأكيد. كان لافتاً للنظر، التصريح الذي أدلى به الرئيس جورج بوش الابن بعد أحداث 11 ايلول/سبتمبر 2001، بأن ما سيقوم به (هو حملة صليبية جديدة ضد ما أسماه الإرهاب الدولي)، بالمقابل فإن أسامة بن لادن، أعلن في تصريح قديم له (الجهاد ضد الصليبية والمسيحية). من جانب آخر، فإن كثيرين من سياسيي الغرب ومفكريه، بريجنسكي، هنتنغتون، كيسينجر وغيرهم يؤكدون في كتاباتهم على ارتباط المسيحية العربية بالغرب، لذا فمن وجهة نظرهم فإن المسيحية في المشرق العربي، هي ظاهرة غريبة على العرب، وينكرون عروبة المسيحية بتغريبها وادعاء غربيتها، أو يحاولون تصويرها وفقاً للكاتب اللبناني جورج حداد، بأنها دخيلة ومستوردة، في البلاد العربية. بالمقابل، فإن جزءاً لا يستهان به من بعض الكتّاب والمحللين والايديولوجيين العرب، وكذلك جزء من الاتجاهات الإسلامية، يرون مثل هذا الارتباط العضوي، ويؤكدون عليه. بعد حادثة كنيسة الإسكندرية سمعنا تصريحات حديثة للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، يتحدث فيه عن ‘مخطط تطهير ديني يستهدف مسيحيي الشرق’. في نفس السياق جاء تصريح وزير الخارجية الإيطالي في إقحام متعمد للدين بالسياسة، من خلال الدعوة (إلى ربط المساعدات التي تٌقدم للدول العربية بقوانين لحماية المسيحيين). في نفس الإطار يصب تصريح مؤسف للبابا أيضا على هذا الصعيد. هذه التصريحات تصب في مجرى الحرص على تغريب المسيحية العربية. بدايةً، فإن المسيحية هي إحدى الظواهر العربية كما تبين الأحداث التاريخية، وأبحاث كثيرة، نشأت في فلسطين والمشرق العربي، ويسميها البعض بــ(النبتة الوطنية العربية التي ظهرت ونشأت في التربة الوطنية العربية – جورج حداد)، وفي ما بعد تم نقل مركز القرار المسيحي إلى روما، في عهد الإمبراطورية الرومانية – البيزنطية. وبعيداً عن التسلسل التاريخي الممل للكثيرين، فلا يستطيع أحد إنكار دور المسيحيين العرب في النهضة العربية، منذ القرن التاسع عشر وحتى اللحظة، ولا دورهم الأساسي في الحركة القومية العربية، ولا في الثقافة العربية، المفهوم الأشمل من العقيدة الدينية، ولا في الحضارة العربية، التي تعتمد على البنية المؤسسة في حياة الشعوب. وأيضاً في حركة التحرر الوطني العربية، بمعنى أن المسيحية هي إحدى البوتقات الأولى لظهور حركة القومية العربية. وعلى الرغم من اتفاقي المطلق مع ما يصل إليه المفكر العربي جورج قرم في كتابه القيم (انفجار المشرق العربي)، عن استحالة كتابة التاريخ العربي من منظور الدولة القطرية، إلاّ أنني سأتطرق إلى لمحة موجزة (لا تفي الموضوع حقه، سوى من إشارات) إلى دور المسيحيين العرب في النضال الوطني الفلسطيني، باعتباره القضية الأبرز في القرنين الماضي والحالي، ولخصوصية الصراع، باعتباره انطباقاً على المشاركة النضالية للمسيحيين في كافة الأقطار العربية الأخرى. أيضاً في البداية، من الضروري التأكيد على أن بعض الاتجاهات الغربية وانطلاقاً من مبدأ (تغريب المسيحية في العالم العربي)، ترى أيضاً أن فلسطين هي قضية إسلامية، من خلال الترويج للصراع، بأنه صراع ديني، وفي الأساس إسلامي الوجه ضد القضية اليهودية المدعومة لأسباب عقيدية من المسيحية. وفي الرد على هذا الادعاء وإنصافاً للحقيقة نقول، لقد شكّل المسيحيون العرب ما يقارب الــ50′ من عدد سكان مدينة القدس، وفقاً لإحصائية 1922. استشعر المسيحيون الخطر الصهيوني منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين (كتابات الأب هنري لامنسي اليسوعي، كتاب نجيب العازوري بعنوان ‘يقظة الأمة العربية’، صدر في باريس في عام 1905، الذي بين بوضوح حقيقة الصراع العربي-الصهيوني، وهذا على سبيل المثال لا الحصر). لقد شارك المسيحيون العرب في جمعية الإخاء العربي، التي تشكلت في القدس في عام 1908، وكان في هيئتها العامة 7 أعضاء مسيحيين من 15عضوا. وعند دخول اللنبي إلى القدس وبداية ما يسمى الانتداب (الاحتلال) البريطاني لفلسطين، وللاختلاف الذي أبداه الفلسطينيون (مسلمون ومسيحيون) حول هذا الانتداب، فقسم منهم رأى فيه خطوة إيجابية تريحهم من الحكم العثماني، وقسم آخر أدرك حقيقة وأبعاد الأخطار المترتبة على هذا الانتداب (اقرأ مذكرات المناضل بهجت أبو غريبة، وأبحاثا كثيرة أخرى). لقد نسّق الوطنيون الفلسطينيون (مسلمون ومسيحيون) كافة المواقف التي اتخذت في مقاومة الاحتلال البريطاني لفلسطين، سواء من خلال مشاركة المسيحيين في الأحزاب الفلسطينية آنذاك، وأبرزها (حزب الاستقلال وحزب الدفاع)، أو في الصحافة الفلسطينية، ومن خلال إصدار صحف وطنية، قام بإصدارها مسيحيون (صليبا الجوزي، حنا حنانيا، وغيرهما كثيرون). لقد افتتح المسيحيون العرب آنذاك المدارس، النوادي (نادي الاتحاد الأرثوذركسي)، وأيضاً من خلال المشاركة في المؤسسات والوفود الوطنية العربية، للمؤتمرات الدولية التي جرى عقدها لبحث القضية الفلسطينية (وهي مؤتمرات كثيرة)، أو المشاركة في تعيين الحاج أمين الحسيني، مفتياً للقدس. لقد أدركت قوات الاحتلال البريطاني حقيقة التلاحم العضوي بين المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين، فعملت على تفريقهم، لذا قامت لجنة كنغ كرين البريطانية، وضمن السياسة الاستعمارية (فرق تسد)، بالانفراد بالمسلمين وحدهم وبالمسيحيين وحدهم، من خلال الاجتماع بكل طائفة على حدة، لكن المسيحيين أصروا على طرح القضايا التي توصل اليها الاجتماع بالمسلمين. ووصلت وحدة التناغم بين المسلمين والمسيحيين إلى حد أنه وبعد الفتوى الدينية الإسلامية في 7 آب/اغسطس 1934 بتكفير كل عربي يبيع أو يتوسط لبيع أراض للصهاينة.. قامت الطوائف المسيحية بإصدار نفس الفتوى للمسيحيين. هذا يذكر بمنع البابا شنودة منذ احتلال 1967 وحاليا للأقباط من الحج إلى فلسطين، ما بقيت تحت الاحتلال الإسرائيلي.. ويؤكد في تصريحاته على أن الأقباط لن يدخلوا القدس الا مع اخوانهم المسلمين (ظل هذا الموقف قائما رغم اتفاقيات كامب ديفيد). لقد شارك المسيحيون العرب في كل الثورات الفلسطينية بدءاً من المظاهرات وصولاً إلى المقاومة المسلحة (ثورة البراق، والثورة الفلسطينية الكبرى). لم تميز بريطانيا بين المناضلين المسلمين والمسيحيين، فبعد مقتل حاكم لواء الجليل اندروز في تشرين الاول/أكتوبر عام 1937، قامت بنفي بعض أعضاء اللجنة العربية (مسلمين ومسيحيين) إلى سيشيل. لقد شارك المسيحيون الفلسطينيون في مقاومة الاحتلال الصهيوني لفلسطين في عام 1948، ووقفوا وما يزالون ضد الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية وغزة وللأراضي العربية الأخرى في حرب عام 1967، وشاركوا وأسهموا بفعالية كبيرة في الثورات العربية، والثورة الفلسطينية المعاصرة (أنطون سعادة، قسطنطين زريق، ميشيل عفلق، جورج حبش، وديع حداد، نايف حواتمة، المطران كبوتشي، وغيرهم كثيرون.. وهذا أيضاً على سبيل المثال لا الحصر). المسيحيون العرب هم جزء رئيسي من مكونات أمتنا العربية، والتاريخ الإسلامي يدعو إلى الحفاظ على المسيحيين، وليس أدل على ذلك من العهدة العمرية، ورفض الخليفة عمر بن الخطاب الصلاة في كنيسة القيامة، خوفاً من استغلال الحادثة في ما بعد من قبل بعض المسلمين. وللعلم فإن مفاتيح الكنيسة مازالت مودعة منذ القدم لدى عائلة مسلمة. هذا هو التعايش الحقيقي بين المسيحية والإسلام، وليس كما تفهمه القوى الظلامية، التي يُطلق عليها خطأ الأصولية الإسلامية، فللإسلام تعاليم واحدة، إنسانية، تعايشية، عقيدية، تحترم خصوصيات الأديان الأخرى. الظلم الممارس على الشعوب العربية، أيّاً كان مصدره، لا يفرق بين مسيحي ومسلم. العنف المذهبي الطائفي لا يطال ديناً معيناً، بل يتناول كل الأديان، ويطال المذاهب المتعددة في الدين الواحد. كلنا يذكر الفتاوى الحاقدة ابّان العدوان الصهيوني على لبنان عام 2006، عندما جرى تصويرالخطر الشيعي، خطر ‘حزب الله’ بأنه الأكبر مقارنة بالخطر الإسرائيلي. الإرهاب لا يطال ديناً معيناً، وكلنا يذكر كم عانى ويعاني العراق على هذا الصعيد. لقد تم استهداف النجف الأشرف أكثر من مرّة. لقد لعبت إسرائيل ومنذ إنشائها وحتى اللحظة على الوتر الديني للفلسطينيين في منطقة 48، ففصلت في الحقوق بين الأديان، وبين الطوائف، وبين المذاهب داخل الدين الواحد، واعتبرت الدروز طائفة وحدها، واثنية مختلفة، رغم أنهم مسلمون عرب. الصراع المذهبي والطائفي في العالم العربي، يلتقي بالضرورة مع المخططات الصهيونية والغربية التي تستهدف وحدة المسلمين والمسيحيين. لقد حاولت بعض الحكومات العربية الاستفادة من الموازين الطائفية في أقطارها لصالح بقائها، من خلال اعتبار بعض الأديان والطوائف، كأقليات، مع أنها مكونات رئيسية في النسيج الشعبي العربي. من جانب آخر، لقد فشل النظام الرسمي العربي في حل أبسط الإشكاليات الحياتية للمواطنين العرب، مسلمين ومسيحيين، في الكثير من الأقطار العربية، فكيف بالقضايا الأساسية، كالديمقراطية ووحدة الشعب تجاه ما يواجهه من تحديات. ندرك أن هذا الفشل هو ملهاة ومأساة هذا النظام الذي يسيد كافة ما يعتقده مفيداً، من أجل بقائه. لقد ظهرت الشعوبية في مراحل مختلفة من التاريخ العربي، بحكم عوامل كثيرة، أججتها بين الفينة والأخرى، لكنها اختفت إلى حد كبير مع بروز الظاهرة الاستعمارية، التي وحدت الشعوب العربية وبالتالي الأمة العربية، بكل أديانها وطوائفها وإثنياتها ومذاهبها وأعراقها، في مراحل التحرر الوطني لهذه الشعوب، وفي عملية بناء الدولة الحديثة. إن ارتفاع منسوب الصراع الديني الطائفي المذهبي العرقي في العالم العربي، لن يلحق الأذى فقط بمذهب واحد أو بطائفة وحدها، ولا فقط بدين واحد أو عرق واحد، وإنما بكافة مكونات أمتنا الواحدة ونكون بذلك قد التقينا، شئنا أم أبينا، مع المخططات التآمرية الصهيونية، والأخرى الحليفة لها، ونكون قد قاربنا النهاية، ولكن بأيدينا هذه المرة. يشبه ابن خلدون في مقدمته، الدولة التي تريد الانبعاث بعد فقدان أسباب قوتها بــ (الذبال المشتعل) فإنه وعند مقاربة انطفائه، يومض قليلاً، بحيث يجري الوهم، أنه اشتعلن بينما في الحقيقة هو مطفأ. لنعزز من الوحدة الإسلامية – المسيحية لمواجهة كافة المخططات والمؤامرات التي تستهدف امتنا الواحدة. ‘ كاتب فلسطيني