القاهرة – «القدس العربي»:دخلت المسيحية مصر في نصف القرن الأول ميلادي مع القديس مرقس؛ وذلك خلال فترة الحاكم الروماني «نيرون»، أي بعد ما يقارب الـ20 عاما من صعود المسيح.
وبحسب ما أعلنه البابا تواضروس الثاني، فإن تعداد المسيحيين في مصر حاليا يبلغ نحو 15 مليونا، علاوة على مليونين خارجها يقيمون في نحو 60 دولة حول العالم، وبهذا فإن المسيحيين يشكلون قرابة 15 في المئة من الشعب المصري.
ورغم هذه الأعداد الكبيرة، إلا أن وجودهم في السينما المصرية كان ضعيفا، حيث تجاهلهم صناع السينما، ولم يتم التعبيرعنهم إلا بشكل هامشي وسطحي، فيما عدا عدد محدود جدا من الأفلام، التي تناولت مشاكلهم بشكل عميق يتناسب مع وجودهم كجزء من النسيج المصري، وذلك لأسباب مختلفة، منها الجهل بطبيعية المسيحية وطبيعة حياة المسيحيين الدينية، وعقيدتهم عكس العقيدة الإسلامية، التي يعرفها المسيحيون بفضل تدريسها في مراحل الدراسة المختلفة عبر مناهج اللغة العربية، وكذلك عبر القنوات التليفزيونية الرسمية من خلال نقل شعائر الصلوات والاحتفالات الدينية الإسلامية والبرامج الدينية المختلفة، في حين يكتنف الديانة المسيحية غموض يجعل البعض يخشى من الاقتراب منها، خاصة أن السينما المصرية تخشى دائما الاقتراب من التابوهات الثلاثة المعروفة وهي السياسة والجنس والدين.
واللافت للنظر أن التعبير عن المسيحيين كان يتم بشكل جريء وقوي في بدايات السينما المصرية، قبل أن يتحكم التشدد والتطرف والعنصرية في المجتمع المصري، منذ بداية السبعينيات.
حيث تناول أول فيلم مصري للمخرج محمد بيومي، وهو فيلم صامت بعنوان «برسوم يبحث عن وظيفة»، حياة شاب مسيحي ورحلة بحثه عن وظيفة، كما هو واضح من العنوان، وتظهر طيلة أحداث الفيلم صورة السيدة العذراء، التي يعلقها برسوم على حائط منزله، وله صديق مسلم يشاركة في كفاحة في البحث عن وظيفة، ويتعرضان للقهر معا من قبل أصحاب العمل.
وكان الفيلم بطولة بشارة واكيم، وفيكتوريا كوهين، وأنتج عام 1923 . ويقول المؤرخ محمود قاسم إنه لم يعرض بسبب وفاة ابن المخرج، الذي حزن عليه أبوه كثيرًا، فأغلق الاستوديو وباع أجهزته ومعداته لشركة مصر للتمثيل والسينما.
أما فيلم «حياة وآلام السيد المسيح»، فهو أجنبي تمت دبلجته، وعرضه في السينمات المصرية، في النصف الثاني من الخمسينيات، حيث قام أحمد علام بالأداء الصوتي لدور السيد المسيح، وشارك في الأداء الصوتي أيضا كل من عزيزة حلمي، وسميحة أيوب، وعفاف شاكر.
فيلم «فاطمة وماريكا وراشيل»
وفي عام 1949 عرض فيلم «فاطمة وماريكا وراشيل»، الذي اقتبسه أبو السعود الإبياري عن مسرحية «زواج فيغارو»، وصور فيه الشاب المسلم، الذي يستمتع بالعبث مع البنات ويعدهن بالزواج. منهن المسلمة فاطمة، والمسيحية ماريكا، واليهودية راشيل.
وفي عام 1954 أنتجت السينما الفيلم الكوميدي «حسن ومرقص وكوهين»، الذي اقتبسه المخرج فؤاد الجزايرلي من النص المسرحي الذي كتبه نجيب الريحاني وبديع خيري، وعرضاه سنة 1949، ويظهر الفيلم اتفاق المسلم والمسيحي واليهودي، أصحاب محل البقالة، من أجل مصلحتهم لاستغلال موظف صغير بعدما علموا أنه ورث مبلغًا كبيرًا من أحد أقاربه.
وفي عام 1952، ظهرت أول مشكلة رقابية مع فيلم «القدر» إخراج حسين صدقي، حيث اعترضت الكنيسة عليه، واتهمت صناعه بإساءتهم إلى المسيحيين. وتدور قصته حول زواج الشيخ حسن المسلم بلويزا المسيحية، الفيلم منع من العرض لمدة عامين قبل أن يأمر جمال عبد الناصر بعرضه في 1954، بعد إجراء بعض التعديلات وقاموا بتغيير إسمه إلى «الشيخ حسن»، وشارك في بطولته مع حسين صدقي ليلى فوزي وعبدالوارث عسر.
وفي عام 1959 عرض فيلم «حسن وماريكا» لحسن الصيفي من تأليف أبو السعود الابياري، وبطولة إسماعيل يس، ومها صبري، ويدور حول حسن، الذي يحب ماريكا المسيحية، إبنة الحلاق اليوناني.
وتناول فيلم «شفيقة القبطية»، الذي عرض عام 1963 للمخرج حسن الإمام حياة راقصة مسيحية من أشهر راقصات مصر في أوائل القرن العشرين، وهو من بطولة هند رستم وحسن يوسف.
فيلم «الناصر صلاح الدين»
وفي العام نفسه أخرج يوسف شاهين فيلم «الناصر صلاح الدين»، وكان من بين شخصياته الرئيسية، عيسى العوام المسيحي، أحد قادة جيش صلاح الدين، الذي حارب من أجل تحرير القدس من الصليبيين، ووقع في حب لويزا قائدة «الهوسبيتليين»، ورغم أن الثابت تاريخيا أن عيسى العوام كان مسلما، إلا أن يوسف شاهين قصد أن يجعله مسيحيا في الفيلم، حتى يؤكد تضامن المسيحيين والمسلمين العرب من أجل تحرير القدس.
في عام 1963 أيضا، عرض فيلم «أم العروسة»، حيث قام الصديق المسيحي بانقاذ صديقه المسلم المهدد بالسجن، لأنه اختلس خزنة العمل ليتمم زيجة ابنتة.
فى 28 إبريل/نيسان من سنة 1965 عرض فيلم «الراهبة» للمخرج حسن الإمام، بطولة هند رستم، وإيهاب نافع، تأليف محمد مصطفى سامي، وإنتاج شركة «صوت الفن»، ويدور حول أختين تمتلكان استراحة في جبل لبنان، ويتردد عليهما مرشد سياحي تقع في حبه هند رستم، ولكنه لا يشعر بها، بل ويقع في حب شقيقتها وفي يوم زفافهما تذهب هند للدير وتعتنق الرهبنة.
وفي هذه الفترة تناولت الأفلام الماخوذة عن روايات نجيب محفوظ، وجود المسيحيين في النضال ضد الاحتلال الإنكليزي، تنفيذا لشعار «يحيا الهلال مع الصليب»، ولكن بشكل سطحي عابر.
وهو الشكل نفسه الذي ظهر به المسيحيون في الأفلام التي صنعت عن حرب أكتوبر/تشرين الأول، حيث حرص صناع هذه الأفلام علي وجود أسماء مسيحية للجنود على الجبهة دون أي أثر درامي مثل أفلام «الرصاصة لا تزال في جيبي»، و«أبناء الصمت» و«أغنية ع الممر».
ثم يتطرق المخرج سعد عرفة لموضوع جديد ومختلف في فيلم «لقاء هناك» 1976، حيث يدور حول شاب ملحد يقع في غرام فتاة مسيحية تبادله الحب، وتذهب الفتاة للرهبنة بعد أن رفضت أسرتها هذه الزيجة، فيتزوج هو من قريبته.
ـ وفي فيلم «إسكندرية ليه؟»، الذي أخرجه يوسف شاهين، 1979 يذهب يحيى، إلى الشاطىء فيرى جثة في الماء تذكره بجسد المسيح المصلوب، وبأخيه الكبير الميت.
وبدأت التسعينيات بفيلم «المواطن مصري» 1991، ليظهر المسيحي في مشهد واحد عندما ذهب الجنود لصلاة المغرب ما عدا واحد وقف بعيدا ليؤدي صلاة المسيحيين.
أما «مرسيدس»، الذي أخرجه يسري نصر الله عام 1993، فقدم شخصية «نوبي» المسيحي، والذي قام بها زكي فطين عبدالوهاب، والذي يكتشف أن والده الحقيقي دبلوماسي أفريقي ويقع في غرام شبيهة لوالدته.
وفي العام نفسه عرض فيلم «أمريكا شيكا بيكا»، الذي يدور حول حلم مجموعة من الشباب في السفر إلي أمريكا، ويقعون ضحية لأحد النصابين، ويتوهون في البراري الأوروبية، وعندما يموت الفنان أحمد عقل يصلون عليه صلاة الجنازة عدا الطبيب الذي يصلي صلاة المسيحيين.
فيلم «الإرهابي»
وللمرة الأولى يتناول فيلم «الإرهابي» الذي عرض في 1994، التشدد بين المسيحيين من خلال أسرة تضم زوجة متعصبة وزوج متسامح عارضا علاقتهم بجيرانهم المسلمين.
وكان ذلك تماشيا مع محاولات الدولة للتصدي لموجات التطرف والإرهاب، التي زادت في هذه الفترة، حيث ظهرت مجموعة من الأفلام التي تتناول العلاقة القوية بين المسلمين والمسيحيين، منها فيلم «التحويلة»، من إخراج أمالي بهنسي، بطولة نجاح الموجي وفاروق الفيشاوي، وتدور قصته حول حلمي عبد السيد عامل التحويلة في السكة الحديد، الذي يسجنه أحد الضباط بعد أن هرب منه المتهم الحقيقي، وفي السجن يتعرف على الضابط عمر، الذي يصدق قصتة ويحاول مساعدته، فيتم حبس عمر في الزنزانة نفسها مع عبدالسيد، وينتهي الفيلم بمقتل حلمي وعمر ودمهما يختلط على شكل نهر النيل. وفي فيلم «أرض أرض» عام 1998 قدمت الفنانة جيهان فاضل شخصية فتاة مسيحية جميلة يحبها فاروق الفيشاوي، لكنه لا يسعى للزواج بها، حيث قال بوضوح «لو مكانتش مسيحية كنت اتجوزتها».
وجسد الفنان محمود حميدة، في فيلم «جنة الشياطين» دور قبطي يوضع في تابوت مسيحي وهو بكامل ملابسه ليصلى علية صلاة الجنازة في إحدى الكنائس. وفي عام 2000 عرض فيلم «كلام في الممنوع»، من تأليف ناجي جورج وإخرج عمر عبد العزيز، وفيه يقدم البطلان نور الشريف وماجد المصري نموذجين مصريين لرجل مسلم وآخر مسيحي تنشأ بينهما علاقة ودية، ويجسد ماجد المصري شخصية «رياض» الطبيب المسيحي الذي يتخفى في زي الشيخ «بخيت» بعد هروبه، ويتعاطف معه ضابط الشرطة الذي يحاول إثبات براءته، وينحج في تنفيذ وقف حكم الإعدام.
وفي العام نفسه عرض «فيلم ثقافي»، لتظهر أنعام سالوسة في مشهد كوميدي أثناء حضورها جنازة أبو بطرس، ونكتشف أنها أم محمود في ختام المشهد.
كما عرض «فيلم هندي» الذي دارت أحداثه حول صديقين، أحدهما مسلم والآخر مسيحي جسدهما أحمد آدم وصلاح عبد الله، يضحي كل منهما بشقته من أجل صديقه.
وفي عام «2004» كان الفيلم الأقوى، الذي تناول بواقعية وصدق مجتمع المسيحيين المصريين، من خلال يوميات عائلة تسكن شبرا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وهو فيلم «بحب السيما» إخراج أسامة فوزي، وتدور أحداثه حول حياة أسرة مسيحية تتكون من زوج متشدد ومتزمت دينيا، وزوجته فنانة تشيكلية تعاني من قسوة زوجها وعدم اشباعه لرغباتها، مما يوقعها في الخطيئة، وطفل يحلم بالذهاب للسينما، وهو ما يرفضه والده خوفا من دخول النار.
وسلط فيلم «عمارة يعقوبيان»، الذي عرض عام 2006 الضوء على نموذجين مسيحيين، وهما فانوس وملاك، الأول خادم زكي باشا الأعرج، الذي كان يسهل له إقامة علاقات نسائية مشبوهة في مكتبه، وملاك شقيقه الذي يعمل «ترزي حريمي» في سطوح العمارة، والذي لا يتورع عن عمل أي شيء.
وفي السنة ذاتها أخرجت ساندرا نشأت فيلم «الرهينة»، الذي أكد على وحدة مصير المسيحيين والمسلميين العرب في مواجهة المخاطر الخارجية. وفي فيلم «صايع بحر»، الذي عرض عام 2007، نجد مشهدا لبطل الفيلم أحمد حلمي عندما يذهب لفرح صديقة حبيبته، دون أن يعلم أنها مسيحية فيغني أغاني إسلامية في مشهد كوميدي.
وفي عام 2008، جسد أحمد عزمي دور «جرجس» شاب مسيحي، شبه متدين، تربطه علاقة إنسانية بشاب مسلم «آسر ياسين» ويساعده في تنفيذ وعده بدفن صديقه المسيحي «محمود ياسين» بالشكل الذي أوصى به.
وفي العام نفسه جسد عادل إمام في فيلم «حسن ومرقص» شخصية مدرس لاهوت مسيحي، يتعرض لمحاولة اغتيال من جانب متشددين فيقرر الهرب ويمنحه الأمن اسماً جديداً لإخفاء هويته، ليصبح حسن العطار، وفي المقابل نجد مسلما متدينا هو عمر الشريف يترك له أخوه قبل وفاته زعامة إحدى الجماعات المتطرفة، فيرفض ويتعرض أيضاً لمحاولة اغتيال فيهرب ويمنحه الأمن اسماً آخر هو مرقص عبد الشهيد، ويلتقي الرجلان بعد تغيير كلا منهما لهويتة وتربطهما صداقة قوية.
ثم كان الفيلم الجريء «واحد صفر» عام 2009 للكاتبة مريم نعوم والمخرجة كاملة أبو ذكرى، والذي تناول القضية المسكوت عنها، وهي قضية الطلاق، الذي تمنعه قوانين الكنيسة إلا في علة الزني، وهي مشكلة يعاني منها كثير من المسيحيين الذين يلجأون إلى تغييير ملتهم من أجل الحصول على حق الطلاق.
فيلم «الخروج من القاهرة»
وفي 2011 أخرج هشام عيسوي فيلم «الخروج من القاهرة»، وقد منع من العرض في مصر حيث يناقش الزواج المختلط بين المسلمين والمسيحيين في مصر، ويناقش بجرأة العلاقة الشائكة بين المسيحين والمسلمين، في مصر، الفيلم شارك في بطولته محمد رمضان وميريهان وأنتجه شريف مدكور.
ويدور فيلم «لامؤاخذة»، الذي عرض في 2014 ، حول طفل في المرحلة الابتدائية، يحمل اسم «هاني عبد الله» فيحسبه الجميع مسلمًا، رغم أنه مسيحي في الأصل، ومن ثم يتحدثون أمامه عن المسيحيين بلا خجل، ليكتشف أن المسلمين يطلقون عليهم ألقابًا ساخرة مثل «4 ريشة، عظمة زرقاء، كوفتس» وغيرها.
و فيلم «يوم الدين» الذي حصل على جائزة خاصة في مهرجان «كان» عام 2018، كان بطلة مسيحيا مُصابا بالجُذام يبحث عن أسرته في الصعيد، ويضطر لخوض رحلة صعبة على عربته المتهالكة بصُحبة صبي صغير مسلم رفض أن يتركه وحيدًا.
ويحكي فيلم «كارما»، الذي عرض عام 2018 في طريقة خيالية عن تحول المسيحي الفقير إلى مسلم شديد الثراء والعكس، فييثور المجتمع ويتحول الأمر إلى قضية قضية رأي عام. أما آخر ألافلام التي تناولت العلاقة بين المسلمين والمسيحيين فهو فيلم «لما بنتولد»، الذي كان عرضه الأول في مهرجان الجونة في سبتمبر/أيلول الماضي، حيث يعرض الفيلم لعدة نماذج منها امرأة مسيحية حالمة تقع في حب شاب مسلم.
الفيلم من إخراج تامر عزت، وتأليف نادين شمس، وإنتاج معتز عبد الوهاب، ومن بطولة أمير عيد، وعمرو عابد، وإبتهال الصريطي.
وما زلنا في انتظار أفلام تسلط الضوء بشكل أعمق وأصدق، ليس على المسيحيين فقط، بل عن فئات كثيرة تتعرض للتهميش في المجتمع المصري، مثل النساء والفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة، وأهالي الأقاليم، وغيرها من الملفات المسكوت عنها، لتلعب السينما دورها في مناقشة كل قضايا المجتمع.