بيروت ـ من مريم قرعوني: تراقب الأقلية المسيحية في سورية عن كثب الاحتجاجات التي تجتاح بلادهم بقدر من الخوف من احتمال ان تتهدد حريتهم الدينية في حالة الإطاحة بحكم الرئيس بشار الأسد العلماني.
ويمثل المسلمون السنة أغلبية السكان في سورية لكن خلال حكم الأقلية العلوية المستمر منذ أكثر من 40 عاما تمتعت الطوائف الدينية المختلفة بحق ممارسة شعائرها. وتتردد أصداء الأذان في الوقت الذي تقرع فيه الكنائس أجراسها في دمشق حيث ظل المسيحيون يمارسون شعائرهم الدينية طوال ألفي سنة.
لكن بالنسبة للكثير من المسيحيين السوريين فإن الاضطرابات الطائفية التي يعاني منها العراق المجاور والهجمات التي تعرض لها مسيحيون في مصر في الآونة الاخيرة أبرزت المخاطر التي يخشون منها في حالة إذعان الأسد لموجة من الانتفاضات التي تجتاح العالم العربي.
وقال المطران يوحنا ابراهيم مطران السريان الأرثوذكس في حلب ‘بالتأكيد المسيحيون بشكل عام هم مع الدكتور بشار الاسد ومع النظام ويتمنون ان لا تمتد هذه الزوبعة كثيرا’. واندلعت الاحتجاجات في سورية قبل شهرين بسبب الغضب والإحباط من الفساد المستشري والافتقار إلى الحرية في البلد الذي تحكمه عائلة الأسد بقبضة حديدية منذ نحو أربعة عقود. وعلى الرغم من أن بعض المسيحيين ربما شاركوا في الاحتجاجات فإن المؤسسات الكنسية لم تعلن تأييدها لها.
وقال مسيحيون اتصلت بهم رويترز إنهم يؤيدون مطالب الإصلاح لكنهم لا يؤيدون مطالب ‘تغيير النظام’ وهو ما قالوا إنه سيؤدي إلى تفتت سورية وربما يعطي اليد العليا لجماعات إسلامية تحرمهم من حرية العبادة.
وقال حبيب افرام رئيس الرابطة السريانية وأمين عام اتحاد الرابطات اللبنانية المسيحية ورئيس سابق للاتحاد السرياني العالمي ‘المسيحيون هم مع الحوار ودفع البلاد في طريق الاصلاح بدون استخدام العنف الذي يمكن ان يولد فعلا وردود افعال في كثير من الحالات. المشكلة مع الاضطرابات الاخيرة في سورية هو ان الامر يأخذ بصورة غير مباشرة الهوية الدينية اكثر من المدنية’. ومضى يقول ‘المسيحيون في سورية على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم او قومياتهم او لغاتهم يعتبرون أنفسهم أولا مواطنين.. ابناء الارض.. من روم أرثوذكس الى سريان الى أرمن الى موارنة الى انجيليين الى أشوريين الى روم كاثوليك’. وأضاف ‘نعم هناك خشية من سقوط النظام. ان اي انقسام طائفي أو مذهبي في اي وطن ليس في مصلحة المسيحي. ان المصلحة الاولى للمسيحي هو دولة قانون ومساواة وأمن واستقرار. أكيد يتمنى مزيدا من الحريات ومن الاصلاحات ومن النهضة ومن حقوق الانسان واحترام التنوع والتعدد وحقوق الجماعات بكل أبعادها.. لكنه يدرك ان هذا التطور مرهون بظروف معقدة’. ويعتقد أن المسيحيين يمثلون ستة في المئة من سكان سورية بعد ان كانت نسبتهم 10 في المئة في مطلع القرن. وللمسيحيين حقوق متساوية مثل المسلمين وكذلك يخضعون للقيود ذاتها المفروضة على المسلمين لكن هناك بندا في الدستور ينص على أن رئيس البلاد لا بد أن يكون مسلما.
وقال مصدر كنسي ‘ربما لا تكون المجموعة العرقية التي ننتمي لها أو لغتنا معترفا بها ولا يسمح لنا بتشكيل حزب لكن هذا هو حال كل السوريين’ مضيفا أن الاختيار المتاح أمام الأقليات في الشرق الأوسط ‘هو إما الخضوع لحكم الجيش أو العمائم’. وفي منطقة تواجه فيها الأقليات تحديات متزايدة وتتصاعد فيها التوترات بين المسلمين السنة والشيعة ما زالت سورية تبدو كملاذ للكثير من المسيحيين.
وتعرض المسيحيون العراقيون للاستهداف من حين لآخر بأعمال العنف التي أعقبت الغزو الأمريكي عام 2003 . وقتل 52 شخصا في هجوم استهدف كاتدرائية في بغداد في تشرين الأول (اكتوبر) الماضي. وفي مصر لقي 12 شخصا حتفهم في أحد أحياء القاهرة الأسبوع الماضي في اشتباكات أشعلتها شائعات عن أن مسيحيين خطفوا مسيحية اعتنقت الإسلام.
ومضى المصدر الكنسي يقول ‘التغيير الذي جاء على يد الجيش الامريكي في العراق لم يحم المسيحيين والتغيير الذي جاء على يد الشعب في مصر غير قادر على حماية المسيحيين’. وتابع ‘الأقليات هي التي تدفع ثمن تلك الثورات’. ويلمح بعض المسيحيين هذه النزعة الطائفية في هتافات أطلقها متظاهرون في سورية مؤخرا.
وقال سامر لحام مدير العلاقات المسكونية والتنمية في بطريركية الروم الأرثوذكس في دمشق إن مسألة انطلاق الاحتجاجات بعد صلاة الجمعة – التي تتيح ملتقى نادرا بين السوريين بشكل مشروع – أدى إلى إضفاء هوية دينية على المظاهرات.
وتابع أن المسيحيين لا يمكن ان يكونوا جزءا من مثل تلك الممارسات لكنهم يؤيدون إجراء إصلاحات ملموسة على مختلف المستويات وأن تكون تلك الإصلاحات ببطء ومتواصلة. وأضاف لحام أن المسيحيين يخشون من أن تكون الخطة هي تحويل سورية إلى نظام ديني يحكمه من ليس لديهم ثقافة احترام الآخر. وقضى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد والد الرئيس الحالي على انتفاضة مسلحة قام بها أعضاء في جماعة الاخوان المسلمين في أوائل الثمانيات. وامتد النفوذ الإسلامي منذ ذلك الحين في المجتمع في سورية وفي بلاد أخرى بالشرق الأوسط وتسعى الحكومة إلى استمالة الزعماء المسلمين المعتدلين.
وقال المطران إبراهيم إن الكنائس لا تشجع الناس على المشاركة في المظاهرات ولا المشاركة في ممارسات ينظر لها على أنها معادية لحكم الأسد.
وأضاف ‘في كل خطاب دائما نحكي ان المسيحي يجب ان يكون له موقع في سورية من خلال المواطنة وليس من خلال انه هو ينتمي الى الاقلية.. نحن لا نحب لغة الاقلية والاغلبية’. وأردف قائلا إن المسيحيين لهم نفس رأي المحتجين فيما يتعلق بمعارضة الفساد والرشوة وضرورة إجراء إصلاحات لكن كل تلك المطالب يجب ألا تجعل الناس يدمرون منازلهم وبلدهم بأيديهم. وقال إنه متأكد من أن 80 في المئة من المسيحيين يحضرون للكنيسة للاستماع إلى رأيها بشأن الاحتجاجات وهم يلتزمون بموقفها.