«المسيح الأندلسي» رواية السوري ـ الفلسطيني تيسير خلف: التاريخ المقموع بين سرد التحقيق ودراما الهوية

أياد شماسنة
حجم الخط
1

تأتي رواية «المسيح الأندلسي» للروائي السوري-الفلسطيني تيسير خلف عملاً روائياً طموحاً يشتبك مع واحدةٍ من أكثر مراحل التاريخ الأندلسي قتامةً: المرحلة الموريسكية بعد سقوط غرناطة، حين أُكره المسلمون على اعتناق المسيحية وتعرّضوا لرقابة محاكم التفتيش لقياس صدق مسيحيتهم. تنتهي الروايةُ التي تفتتح بسنة 1592بمحاكمةٍ مقتل امرأة موريسكية، تُنصِّب القارئَ شاهداً على ولادة سؤالٍ أخلاقيٍّ وفكريٍّ معاً: كيف يُعاد بناء الحقيقة في زمنٍ يُصادِر الذاكرة؟ ومن يملك شرعية السرد حين تتحوّل الوثيقة إلى سلاح؟
يمضي النص في ما يشبه روايةَ التحقيق إذ يدفع مقتل الأم ابنَها المسيحي الإسباني المتديّن إلى الارتياب في الرواية الرسمية للدولة، والبحث عن القاتل بين دهاليز الكنيسة ومحاكم التفتيش وأجهزة الدولة، في سردٍ يمزج المأساة بالفكاهة ويُجاور الواقعيَّ بالتخيّلي من غير أن يفقد اتزانه المرجعي. وتضعنا الرواية ــ منذ عنوانها وحتى ختامها ــ أمام توتّر خلاق بين مكوّنين: الرمز المسيحي بما يحمله من دلالات الفداء والافتداء، والمدوّنة الأندلسية بما تختزنه من سرديات الفقد والترحيل والتنازع على الذاكرة. هذا التوتّر ينتج أطروحة سردية ترى أن الهوية العربية الحديثة لا تُفهم إلا عبر عبورٍ مؤلم في معراج التاريخ، حيث يصبح الحمل الرمزي للصليب (الجرح/ الذاكرة) شرطًا لإمكان قيامة جديدة للمعنى (الأمل/ العدالة/ الاستمرار).
يرتكز خلف إلى مشروعٍ بحثيٍّ طويل في الوثائق والمخطوطات ذات الصلة بالعصر المتأخر من تاريخ الأندلس، ومنها نصوصٌ بالأعجمية القشتالية بحروف عربية، ومتونٌ نُسخت بخطوط أندلسية ومغربية ومشرقية. لا تعتبر هذه النصوص إحالاتٍ تزيينية؛ بل بنيةٌ معرفية توفِّر للرواية شرعيةَ الاشتغال على التاريخ من أسفل ــ أصوات الموريسكيين المطموسة تحت ثقل السرد الغالب ــ وتتيح تحويل الأرشيف إلى محرّكٍ درامي أكثر من مجرد حاشية أكاديمية. إنّ استدعاء الوثيقة ــ من حيث هي أثرُ حياةٍ وليس مجرد دليلٍ قضائي ــ يمنح العمل قوةً مضاعفة: حيث يواجه القارئ ببرودة المحاضر الرسمية، لكنه في الوقت نفسه يَمتح من دفء اليوميات والأغاني والصلوات السرية ليكتب تاريخاً مقابل التاريخ.

معمار السرد من المحكمة إلى المتاهة

تقوم البنية السردية للرواية على قوس تحقيق واضح: جريمة/فقدان،شكّ يفكِّك الروايةالرسمية، تشعُّب الخيوط بين مؤسّسات دينية/ مدنية، انكشاف طبقاتا لعنف الرمزي والمادي. لكنا لروايةلاتنغلق في قالب النوع، فلاتتخلى عن طبقاتٍ متزامنة كما يلي:
طبقة الوثيقة: إدراج مقاطع/ إشارات إلى نصوص أرشيفية (ومنها الأعجمية)، بما يُعيد سرد الواقع بلغة ضحاياه.
طبقة السرد الداخلي: صوت الابن السارد (خيسوس/ عيسى)، والضمائر الملتبسة بين الولاء الديني والنسب الدموي، بما يشيّد دراما هوية تتجاوز ثنائية الإسلام/ المسيحية إلى سؤال الذاكرة والعدالة.
طبقة المشهد الاجتماعي: اليوميُّ الموريسكي (الخوف، التقية، التهجير البارد)، في مواجهة جهازٍ مؤسسيٍّ يُدير العنف والقتل بمعايير القانون.

انحياز الرواية إلى اقتصاد الشرح ــ بأن تُسخِّر المعلومة التاريخية لتوليد الفعل وليس لمراكمة الصفحات ــ يجنّبها مأزق الروايات التاريخية التي تتحوّل فيها الخلفية إلى خطابة. ما يُسعف هذا الاقتصاد أنّ رواية «المسيح الأندلسي» محكومةٌ دائماً برهان التوتر: كل وثيقة تُضاء تولِّد سؤالاً، وكلُّ مشهدٍ يكشف آليةَ قمعٍ يولِّد مأزقاً أخلاقياً جديداً.
يُثقل العنوانُ النصَّ بمجازٍ مزدوج: المسيح بوصفه أيقونة خلاصٍ مسيحية، والأندلس بوصفها ذاكرةَ فقدٍ إسلامية ــ عربية؛ وبينهما تنشأ مسيانية دنيوية تطلب العدالة وليس المعجزة. فـالمسيح الأندلسي ليس بديلاً عقائدياً، بل أفق عدالة لشخصٍ مسيحيٍّ في أوراقه وموريسكيٍّ في جيناته، ما يوسع مدار القراءة من مأساة جماعةٍ تاريخية إلى سؤال الإنسان الممزَّق بين اسمٍ يُخلِّفه وسُلطةٍ تُمسكه.
الأسلوب السردي الذي اتبعه الروائي تيسير خلف مُقَنَّن: فصحى رشيقة تُطعَّم بأسماء الأمكنة والأعلام الإسبانية وبقايا المعجم الديني الكنسي، من دون ترخيمٍ لغويٍّ يُثقِّل الإيقاع. والنتيجة لغةٌ مؤرشفة، إن صح التعبير، تستوعب التقطيع الوثائقي وتحوله إلى نسيجٍ حكائي يتكون من: نبرة المحكمة، صرامة المحاضر، لهجة القسيس، وجلْدُ المحقق؛ تُصاغ كلها في خطابٍ تتعايش فيه الحيادية الموثِّقة والحميمية السردية.
هذه المزاوجة الذكية تتطلّب قوة أسلوبية دقيقة: فالإفراط في أثر الوثيقة كان سيجرّ اللغة إلى الحيز البارد، والإفراط في الحميمية قد يَسحق المرجعية التاريخية. وهكذا حافظت الرواية ـ في أغلب فصولها ـ على التوازن المحترف.

السياسة والمعرفة، محاكم التفتيش كآلةٍ سَرْدية

لا تُقارب الروايةُ محاكمَ التفتيش من حيث الموضوع فحسب، بل تستخدمه كآلة لإنتاج المعنى: جهازٌ يسنُد السردَ الوحيد الممكن، ويراقب صدق العقيدة كمقياس مواطَنة، ويحوّل الاختلاف الديني إلى جريمةٍ سياسية. لذا يصبح التحقيقُ في مقتل الأم تحقيقاً في بنية السلطة، حيث القاضي والراهب والشاهد والجلاد يتناوبون على صناعة الحقيقة واحتكارها. ما يُحسب للرواية  أنّها تكشف الفجوة بين شعارات العدالة الإجرائية والغاية العقابية للجهاز، بحيث يغدو كل إجراءــ حتى الأكثر نظاماً ــ مسرحاً للعنف الرمزي.
تُجاور الروايةُ حاضرَنا من غير مباشرة: فالمعركة على من يكتب الرواية الرسمية للأحداث ليست إرثاً أندلسياً صرفاً، إنها سؤالٌ راهن تعيشه مجتمعاتٌ عربية عدّة، كالمأساة الفلسطينية تخصيصا.
تشتغل الرواية على شخصية خيسوس باعتباره حالةً معرفية قبل أن يكون حالةً نفسية. فالشاب، بوصفه كاثوليكياً مؤمناً، لا يثور على الكنيسة انفعالاً بل يشكّ منهجياً في روايتها القضائية لمقتل والدته، ما يفتح مساراً للتأمّل في مفهوم الحقيقة: هل تقوم على ثبات العقيدة أم على صرامة الدليل؟ هذا الشكّ لا يُعادِل الإلحاد أو الخصومة الدينية، بل ميراثَ أمٍ موريسكية تستنطق ابنها من وراء الموت لتقول: اسمُك ليس قدرك. هكذا يلتقي الخاص بالعام، وفحص نَسَب الفرد إلى أمّه يقود إلى فحص نسب الجماعة إلى تاريخها.
تُحسن الروايةُ الإفادة من تعدّد الأصوات: شهادات، محاضر، مراسلات، وعتباتٌ سردية تُخفِّف من وطأة السارد العليم وتمنح النص تنفُّساً بوليفونيّاً. في المقابل، يجري توزيع الإيقاع على شكل موجات تتوسّط بين التوثيق والمشهدية: موجةٌ معرفية تُضيء سياقاً أو مصطلحاً؛ وموجةٌ درامية تُصعِّد الحدث وتحرِّك التحقيق.
يُراهن هذا التوزيع على قارئٍ خبير لا يتهيب من عبور المسافة بين الوثيقة والحكاية، ولا يُطالب الرواية التاريخية بأن تكون سهلةً كي تُقْرأ. هذا الرهان مشروع وحيوي ومهم؛ فالعمل موجَّهٌ إلى قارئٍ مُتعدّد الاختصاصات وعالمي الثقافة، وهو ما ينسجم مع تقاليد الرواية العربية المعرفية منذ «ثلاثية غرناطة» وما تفرّع عنها من أعمال موريسكية، مع اختلافٍ واضح في زاوية النظر، فالمسيح الأندلسي أقلُّ من حيث النوستالجيا وأكثر من حيث الطب الشرعي السردي.

رهانات الموضوع، الهوية الدينية، اللغة، والعدالة

الهوية الدينية: لا تُقارب الرواية الإسلام والمسيحية في ثنائيةً صفريّة، بل تمس حقلاً من الالتباسات التي يولّدها التاريخ القسري: أسماء معمودية تقابلها أسماء خفية، صلوات علنية تُناظرها شعائر سرية. وهنا يلعب اختيار عام 1592 دوراً محورياً بوصفه زمناً نضجت فيه آلية التوفيق الإجباري بين المظهر والباطن، ما يجعل كل اختيارٍ مأزوماً.
اللغة: إدماج الأعجمية اعترافٌ باللسان الذي صمد. فإذا كانت هويةُ الجماعة تضيق في مؤسسات الدولة، فإن اللغة ــ حتى في صيغتها المهجّنة ــ تتّسع لتخزّن بقايا الطقوس والذكر والبيت. هذا الوعي يعيد طرح سؤال من يملك حق تهجئة العالم: السلطة أم الجماعة؟
العدالة: تُقارب الرواية العدالة معياراً يُنتَج اجتماعياً، وتؤكد أنّ الخلاص تاريخيٌّ وقابلٌ للتسييس، إذ لا يتحقق خلاص أي جماعة بقدوم مخلِّصٍ غيبي بل بإعادة فتح الملف وإعادة كتابة المحضر؛ أي بإرجاع حقّ السرد إلى أصحابه.

في حدود المشروع الروائي وإمكاناته، تبدو الرواية أحياناً أسيرةً لهيمنة التوثيق؛ فحرصها على ضبط الهامش التاريخي يدفع إلى تكاثف المقاطع التعريفية في مواضع بعينها. غير أنّ ذلك لا يرقى إلى خللٍ بنيويّ بقدر ما يُعدّ كلفةً طبيعية لطموح المزج بين الأرشفة والدراما. وفي تمثيل النساء، تُستحضر الأم بوصفها أيقونةً للفقد أكثر من حضورها كذاتٍ مكتملة الفاعلية؛ وهو خيارٌ درامي مفهوم لأنه يوقظ آلية التحقيق، لكنه يحرم النص فرصة توسيع المنظور النسويّ الموريسكي داخل  الحيز اليوميّ: في البيت والحِرفة والسِّر.
أمّا على مستوى تدويل المرجعيات، فكان يمكن تكثيف الإحالات إلى أوروبا الكاثوليكية بوصفها فضاءً متعدِّد الوجوه لا كتلةً صمّاء؛ غير أنّ الرواية تُعوِّض هذا النقص بتركيزها على بنية المؤسسة أكثر من تعويلها على هوية القارئ الغربي. وهكذا تتحدد حدود المشروع بين طموحٍ توثيقيّ مشروع، وحاجةٍ سرديةٍ إلى توسيع العدسة الجندرية وتفكيك الفضاء الأوروبي في تنوّعه.
تندرج المسيح الأندلسي ضمن تيار الرواية المعرفية العربية التي تُسائل التاريخ بوسائط الفنّ، فتُعيد تركيب الماضي كحقل أسئلة راهنة: من يملك السرد؟ من يعرِّف الصدق الديني؟ وما مصير العدالة حين تتحوّل الوثيقة إلى جدارٍ للصمت؟ ليس غريباً، إذن، أن تُقرأ الرواية بوصفها نصاً يُعانق الواقع العربي الراهن في نكبته المتجددة، كما في فلسطين المسلوبة، من دون أن يخلع لباسَه التاريخي. إنها تُحقِّق معادلة صعبة: أن تظل روايةً (لا أطروحةً)، وبحثاً (لا مزاجاً)، ومرآةً (لا خطبةً).
وهكذا، أيضا، بمعمارٍ مُحكَم، ولغةٍ لا تتنازل عن شاعرية الضرورة، وبحثٍ يتحوّل إلى دينامو سردي، تُقدّم رواية/ تُحفة المسيح الأندلسي مقترحاً فنياً وفكرياً في آن: كتابةُ العدالة عبر إعادة امتلاك حق السرد. وهي، بهذا، تستحق مكانتها في بحر السرد العربي، وذلك ليس لمجرد أنها تُعرِّف الأندلس الموريسكية فحسب، بل لأنها تختبر صلاحية الرواية كجهازٍ معرفي في مواجهة الأرشيف السلطوي.
إنّها روايةٌ تُعلِّمنا كيف نقرأ وثائق الضحايا بوصفها أفعالاً للمستقبل.

تيسير خلف: «المسيح الأندلسي»
منشورات المتوسط، ميلانو 2024
358 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية