المشاغب وحيد حامد… رومانسي أيضا!

هشام بن الشاوي
حجم الخط
0

الرباط : لأنه الشتاء، تبدو الحياة متجهمة أكثر مما نحتمل، ولا أنكر أن شتاء هذا العام يبدو قاسيا جدا، يمطرنا بتفاهات، تضاعف أحزاننا، وتعمق شرخنا الداخلي.. لم تعد تبكينا الأخبار غير السارة، التي تتهاطل علينا، من كل صوب وحدب..

من قبل، مات راهب القصة العربية سعيد الكفراوي، ذلك الشخص العذب إنسانا وكاتبا، ولم أستطع كتابة أي شيء عنه، رغم أنني قابلته، سنة 2012 في الخرطوم، وخلدت ذلك اللقاء بصورة تذكارية… لكنني عكفت على قراءة تراثه السردي الماتع، طيلة هذه المدة. وقد آثر العام الجديد أن يفجع عشاق الفن السابع برحيل واحد من أهم كتاب السيناريو في الوطن العربي.
لم أكن أتصور أن تصل الدناءة بالبعض إلى التهليل فرحا وابتهاجا، غب موت الإنسان وحيد حامد، أما ككاتب، ومبدع، فهو حي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. لقد عرّاكم حيا وميتا! لا تعنيني، تصريحاته السياسية، ولا حتى تلك الادعاءات، لأنني، ببساطة، أمقت السياسة، والأعمال الفنية، ذات النبرة السياسية الصاخبة؛ لهذا، لم أتحمس لمتابعة مسلسل «الجماعة» بغض النظر عن قيمته الفنية، التاريخية، الأيديولوجية… وكل هذا الهراء.
أعتقد أن مسلسل «الجماعة» سرق منا كاتبا دراميا مميزا.. من منكم شاهد مسلسل «الجوارح» لصفاء أبو السعود، وفيلم «آخر الرجال المحترمين» لنور الشريف؟ رغم أن القصة واحدة، لكنني كنت مشدودا إلى متابعة العمل بشغف، مستمتعا بتلك الروح الشفيفة الصافية لفنانة سرقت منا، وحرمنا من موهبتها، مثلما سرقوا الفرح من حياتنا اليومية. أعتقد أن وحيد حامد كتبه بروح القصاص، والأديب الشاب القروي، الذي يبحث عن جديد الكتب، مثلما يبحث بطلا العملين، عن تلك الطفلة البريئة المفقودة؟

هل كان يدرك وحيد حامد – مبكرا- أننا سوف نفتقد ذواتنا، وتسرق براءتنا يوما ما؟
شخصيا، كنت أفضل أن يكتب عملا دراميا، لا يقل روعة عن «بدون ذكر أسماء» «سفر الأحلام» «الدم والنار» «أحلام الفتى الطائر» «أوان الورد» و«البشاير»…
للأسف، لم أشاهد مسلسل «العائلة» ربما لتزامن عرضه مع أحد مسلسلات أسامة أنور عكاشة حينئذ، وكل مرة، أضيف رابط الموقع الأحمر إلى مفضلة متصفح الحاسوب، لكن سرعان ما يفتر حماسي، وأعزف عن مشاهدته.. أعتقد أنه بسبب تطرقه إلى ظاهرة التطرف الديني، الذي استفحل هذه المرة، وعرف كيف يتسلل إلى حياتنا اليومية… من الماء إلى الماء.
سبق أن نشرت في «القدس العربي» حواري مع الكاتب الراحل وحيد حامد، سألته : رغم التحفظ على جرأة أعمالك، وتعمدك اختراق الثالوث المحرم، فلك أعمال مميزة، وبدون توابل السينما. لماذا لا يكتب وحيد حامد مرة أخرى أعمالا في مستوى وعذوبة، وبعيدا عن الميلودراما أيضا : فيلم «أنا وأنت وساعات السفر» ومسلسل «البشاير»؟ ضحك بعذوبة، وقال: «حقيقة، أنا لا أخطط أنني سأكتب هكذا، العمل الفني الذي أكون محتفظا به في داخلي، وأكون مشحونا به، أفرزه على الورق كما هو، وكيفما ظهر» وضحك مرة أخرى. طبعا، كلنا نعرف فيلم «البريء» لأحمد زكي وعاطف الطيب.. لو كتب هذا الفيلم وحده، فلن ننساه أبدا، يكفي أن لا أحد استطاع فضح الأنظمة القمعية الديكتاتورية، مثلما فعل حامد، ومع ذلك، تم تشويه نهاية الفيلم، من طرف السيد الرقيب. من منا لم تدهشه النهاية البديعة لفيلم «الإرهاب والكباب»؟ شخصيا، وككاتب قصة، وجدتني أعيش في ذهول لأيام، وأسبه في سري؛ طبعا محبة! حتى أسامة الذي أدهشنا بنهايات أعماله الدرامية لن تخطر على باله مثل هذه القفلة السينمائية؟ من منا لم تأسره تلك العذوبة الرومانسية في فيلم «الإنسان يعيش مرة واحدة»؟
رغم حبي الكبير للراحل، كتبت نقدا قاسيا عن فيلم «الوعد» وفيلم «احكي يا شهرزاد» متمنيا – في سري – أن يعتزل الكتابة، ويحتفظ بذلك المجد القديم. لندع صورة الملتحي في أفلام وحيد حامد، وتلك العيون الجاحظة، والنبرة الوعيدية، و.. و.. لأنها لا تعنيني في شيء، ولنتذكر أنه يكتب عن البسطاء، وينحاز إليهم، كما يشي بذلك العديد من أعماله السينمائية، ويهجو أخلاق المدينة، التي تسحق الأرواح النقية، وتغتال البراءة البكر، ويرثي قيم الريف النبيلة.. تعالوا، نعيد مشاهدة مسلسل «سفر الأحلام» على أنغام الموسيقى التصويرية الرهيبة، الآسرة لبليغ حمدي، وبعد ذلك، نرى من يستحق أن ننعيه بكلمات من قبيل: «هلك» «نفق»… أيها الخفافيش!

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية