تحسنت في الاشهر الاخيرة شرعية حزب الله في الساحتين السياسية والمدنية في لبنان، وكان لهذه المسألة صدى في الحوار الجماهيري في الدولة. وبمراعاة الوضع الحساس في لبنان في كل ما يتعلق بالانقسامات الطائفية فان أي تغيير في المزاج الجماهيري العام يقود الدولة عموما إلى اتجاه جديد، وحزب الله على وجه الخصوص – تغيير السياسة في أمور متعددة، بما فيها اسرائيل. في هذه المقالة سيتم تحليل هذا الواقع في محاولة لتقدير مغزاه وما سيحدث مستقبلا.
بدأت الاشاعات حول مشاركة حزب الله في الحرب في سوريا إلى جانب نظام الاسد، في نهاية 2011، لكن المنظمة نفت هذا الامر بالكامل، ومن المحتمل أن رجال حزب الله في حينه كانوا مشاركين على الأقل في تقديم الاستشارة والمساعدة لقوات النظام. وايضا يمكن بالمحاربة. وفي عام 2013 خرج موضوع حزب الله في سوريا للعلن، مع اعتراف زعيم المنظمة حسن نصر الله. إن رجاله بالفعل يحاربون في سوريا، في تلك الفترة اعتبر حزب الله كمن يؤجج الحرب ويتسبب بكارثة للدولة. وتلقى حزب الله انتقادات من خصومه في لبنان. وبعد العملية التي حدثت في بورغاس في بلغاريا في 2012 ضد مواطنين اسرائيليين حيث أعلن الاتحاد الاوروبي أن الذراع العسكري لحزب الله هو منظمة إرهابية.
في المقابل فان المحكمة الدولية الخاصة في لبنان ناقشت مقتل رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري حيث أن حزب الله هو المتهم الاساسي بهذا الامر. والمكانة الخاصة التي حظي بها حزب الله بفضل وقوفه في وجه اسرائيل في الحرب التي حدثت في صيف 2006، تراجعت وحل محلها تراجع في شرعية المنظمة داخل لبنان وخارجه. والانتقاد الاساسي الذي تم الحديث عنه هو أن حزب الله يساهم في انتقال الحرب الاهلية في سوريا إلى لبنان ايضا.
لكن حزب الله استطاع من خلال الحرب في سوريا الحصول على نجاحات وانجازات في ارض المعركة. في أيار – حزيران 2013 وبعد أن اعترف نصر الله علنا بأن رجاله يحاربون في سوريا، حظي حزب الله إلى جانب قوات الاسد بالفوز على المتمردين في منطقة القصير في مقاطعة حمص، وهو مكان له أهميته الاستراتيجية. وقد عزز هذا الانتصار الخط الإيراني السوري الذي يحارب من اجل بقاء نظام الاسد، وشارك حزب الله في الحرب في جبال القلمون في دمشق وفي جبهات اخرى. مع تحقيق نجاحات كبيرة أعطت المنظمة مكانة وتجربة عسكرية، وما زال حزب الله منذ ذلك الحين يحصل على انجازات رمزية لصالح الشيعة فوق الاراضي السورية.
رغم المكاسب العسكرية والتنظيمية التي حظي بها حزب الله في سوريا، كان من الصعب على مبادرة المنظمة اقناع الجمهور في لبنان أن هذه المشاركة ضرورية لأمن الدولة اللبنانية، ولكن مساعدة غير متوقعة وصلت على شكل الإسلام السلفي السيء من سوريا مباشرة، التي بدأ فيها التمرد المدني باتخاذ اشكال جهادية سلفية والابتعاد عن التيار المعتدل. وظهر في لبنان مؤيدون كثيرون لمنظمات الإرهاب السنية التي تعمل في سوريا. وبرزت الظاهرة أكثر في مخيمات اللاجئين في الشمال والجنوب – وفي المدينة المتوترة وصاحبة تاريخ من العنف، وهي طرابلس، وسجلت في لبنان على هذه الخلفية مجموعة من الاحداث الأمنية الخطيرة من بينها عمليات السيارات المفخخة التي أدت إلى مخاوف كبيرة في بيروت وازدادت الظاهرة تطرفا مع انتشار وتوسع الدولة الإسلامية في العراق وسوريا في صيف 2014، حيث بدأت الدولة الجهادية الإسلامية بكسب تأييد وتشجيع الكثير من السكان السنيين في لبنان اضافة إلى اتساع التأييد لمنظمة جبهة النصرة، وهي فرع من القاعدة في سوريا.
قضية خطف رجال الأمن اللبنانيين في منطقة الحدود عرسال في آب 2014 لم تنته بعد، هذا بالاضافة إلى المواجهات التي اندلعت في طرابلس في تشرين الاول والتي أكدت بشكل واضح التحدي والخطر على الأمن العام. وجاء ذلك في ظل الشلل الذي تشهده الساحة السياسية بسبب عدم وجود رئيس وبرلمان انتهت مدته والفراغ في السلطة، الامر الذي يناسب حزب الله. ولكن الجيش اللبناني يحاول لعب دور الموحد والمدافع عن اللبنانيين، لكنه كان وما زال محدود القوة. وهنا وقف حزب الله في وجه التهديدات الخارجية رغم أنه جزءً من المشكلة، إلا أنه أصبح العامل الاساسي في مواجهتها.
يعمل حزب الله حاليا كوسيط في الاتصالات مع الدولة الإسلامية وجبهة النصرة لاطلاق سراح المخطوفين، وساعد ايضا في اعادة الهدوء – مؤقتا على الاقل – إلى طرابلس. يتطلع الكثير من اللبنانيين اليه بيأس ويأملون أن ينقذ الدولة من المخاطر الحقيقية التي تهدد بعدم الاستقرار الذي هو موجود أصلا.
على هذه الخلفية يظهر حزب الله ثقة زائدة بالنفس ويبرز هذا الامر علنا، ومنذ بداية تدخله في الحرب الاهلية في سوريا قال متحدثوه إن واجب التنظيم أن يدافع عن الدولة في وجه المخاطر الخارجية، وفي الآونة الاخيرة ازدادت هذه الادعاءات كرد ساحق على الانتقادات ضد التنظيم الذي يستمر في الحرب في سوريا، وفي المقابل لا يهمل دوره الاساسي – الدفاع عن لبنان وقيادة المقاومة. في خطاب ألقاه نصر الله في يوم عاشوراء والذي تم في بيروت في بداية تشرين الثاني 2014، شدد على أهمية الحرب في سوريا والدفاع في وجه التكفيريين وعلى رأسهم المنظمات الإسلامية السلفية وعلى رأسها الدولة الإسلامية.
على خلفية التصعيد الذي حدث في الصيف الاخير بين حماس واسرائيل وزيادة التوتر بين اليهود والفلسطينيين في القدس، قدم نصر الله رؤيته حول المواجهة المتوقعة مع اسرائيل. الرسالة الواضحة التي نقلها هي أن حزب الله هو جزء من الدفاع القومي إلى جانب قوات الأمن اللبنانية. وحسب اقوال أحد زعماء حزب الله، نبيل قواق: «بفضل الصيغة الشاملة للجيش والشعب والمقاومة فقد تحول لبنان إلى دولة ذات حصانة في المنطقة في وجه تهديدين، التكفير واسرائيل». اضافة لهذه التصريحات حدث ايضا تغيير معين حيث نفذ حزب الله نشاطا ضد قوات الجيش الاسرائيلي في شبعا في تشرين الثاني 2014 – عمل نادر منذ حرب 2006، وهذه الخطوة لا تشير إلى تصعيد مقصود، رغم أن الحديث هنا عن نوايا معلنة من التنظيم حول قدراته. يمكن أن الهجوم على مخازن السلاح في دمشق الذي حدث في بداية كانون الاول 2014 وتم اتهام اسرائيل به، سيضيف لبنة اخرى إلى الاعتبارات التي ستشجع حزب الله على التصعيد في الحدود مع اسرائيل.
الخلاصة: من المهم أن نفهم أن حزب الله هو مرآة للاحداث التي يمر بها الشرق الاوسط في سوريا والعراق، السلطة العلوية والشيعية، هما اللتان تم استهدافهما في بداية الصراعات التي اندلعت في هذه الدول كمصدر المشكلة وضرورة انهائها من اجل اعادة الهدوء. ولكن عندما ظهر تهديد أكبر خطر، فان هذه الانظمة ليست الهدف للسكان وليست الهدف لدول الغرب وانما شركاء محتملين، حتى وإن كان الامر ليس علنيا، للقضاء على التهديد.
الوضع في لبنان مختلف من عدة جوانب عما يحدث في الدول المحيطة، لذلك لا يمكن الآن القول إن حزب الله استطاع تجنيد تأييد واسع في اوساط الجمهور وفي الساحة السياسية في لبنان. يجب أن يحدث الكثير من اجل أن يستطيع التنظيم تقديم صورة المنتصر. حتى الآن يمكن الاكتفاء بأن حزب الله هو الجهة الاكثر استقرارا التي يمكن للجمهور اللبناني الاعتماد عليها. من الصعب القول اذا ما كان في استطاعة حزب الله التقدم خطوة اخرى باتجاه الاجماع الوطني. والدليل على ذلك سيكون الدور الذي سيقوم به في محاولة لانهاء الازمة الرئاسية في لبنان.
سيقوم حزب الله في الايام القريبة بالاتصال مع الحزب المنافس، المستقبل، بزعامة سعد الحريري، بهدف حل الازمة وانتخاب رئيس متفق عليه، واذا تم انتخاب مرشح حزب الله، الجنرال السابق ميشيل عون، فسيكون هذا موطيء قدم للتنظيم في قلب الاجماع الوطني، وهو الذي سيحدد عودته ليكون المدافع الغير رسمي عن لبنان. اذا حدث هذا فسيتسع مجال عمل حزب الله بما في ذلك الحدود مع اسرائيل وهضبة الجولان، وعندها ستكون اسرائيل مضطرة إلى فحص اعتبارات التنظيم من جديد واستعداده للمواجهة العسكرية في المستقبل القريب، وما الذي يجب أن تفعله اسرائيل لمنع التصعيد.
نظرة عليا 16/12/2014
عومر عناب