مجتمعات تتجاهلها علنا وتتطرف فيها سرأ:
محمود أبو فروة الرجبي الجنس من القضايا التي يجب عدم الخوض فيها بشكل علني في المجتمعات الإسلامية، بينما يتم التطرق إليها بشكل مبالغ فيه في الجلسات الخاصة، والسرية، ويتم اشباعها بحثاً، ومناقشة في جلسات الرجال، أو النساء، دون التجرؤ وطرحها بشكل علني، مما يؤدي إلى عدم تطوير التعامل معها بشكل نافع. علينا الاعتراف اننا نعيش في مشكلة كبيرة في مجتمعاتنا نتيجة وجود مشكلات جنسية عديدة، فهناك عدد من الإشكاليات التي لم يتمكن الفقهاء المسلمون، وعلماء الاجتماع، والنفس، والمربون من معالجتها بشكلٍ جيد، وفيما يأتي بعض المشكلات، والتساؤلات التي تحتاج إلى جرأة في مناقشتها، والالتفات إليها، ومنها على سبيل المثال: أولاً: إشكالية تأخر سن الزواج، والكبت الجنسي التي يعاني منه الشباب والفتيات، وكذلك عدم قدرة المطلقة، والأرملة على المبادرة في طلب الزواج، وانسداد أفق المجتمع أمامها في هذا المجال، وما هي الحلول الآنية، والدائمة لهم، ولهن. ثانياً: إشكاليات الفتاوى المتناقضة، والمتضاربة، حول قضايا لها علاقة بالجنس بشكل مباشر أو غير مباشر، مثل: الزواج بنية الطلاق، العادة السرية، الشبق الجنسي، زواج المتعة، الزاج العرفي، الأشكال الجديدة للزواج، العلاقات الناقصة التي تمارس في بعض الجامعات العربية بين الشباب والبنات، والتي يعبر عنها بالجنس الآمن، الجنس على الهاتف، زنا المحارم، التحرش الجنسي، وغيرها من القضايا. ثالثاً: إشكالية المرأة المتعددة، والتي تشبه الرجال في عدم القدرة على العيش مع رجل واحد، وكذلك عدم تعليق الفقهاء على بعض الأبحاث والنظريات التي تعزو الخيانة الزوجية، والشبق إلى جينات معينة في الإنسان، لما ينعكس هذا في طريقة توصيف عقاب المجتمع لمن يفعل هذه المحرمات، وهذا يحتاج إلى تفصيل في مقال لاحق. رابعاً: إشكالية الاختلاط، والخلوة الشرعية، وما ينتج عنها من إشكاليات، مع تطور المجتمع، ووجود مجالات أصبح الاختلاط فيها قائم بحكم الواقع، وكذلك حدود الخلوة الشرعية في سيارات الأجرة، والتكسي على سبيل المثال لا الحصر، وهل يجب ان يتم الفصل بين النساء والرجال تماماً في المجتمع كما يحلم بعض أعضاء الجماعات الإسلامية، وهذا شبه مستحيل، ويحتاج إلى تكاليف هائلة قد لا تستطيع دفعها أغنى دول العالم. خامساً: وسائل التكنولوجيا الحديثة، وتأثيراتها على الأخلاق العامة، والإشكاليات التي تنشأ عنها. سادساً: العلاقات الزوجية، وانتشار العجز الجنسي، وأشكاليات غرفة النوم لدى المتزوجين.
وأمام هذا الكم الهائل من المستجدات، يقف كثير من الفقهاء مشدوهين، غير قادرين على التصرف، بينما يقوم آخرون بالتصدي لما يحصل من خلال رفضه لها بشكل تام، وهذا هو الضعف بعينه، بينما يلجأ بعض الشباب والفتيات في المجتمع إلى الفتاوى القديمة التي تبيح لهم بعض العلاقات، والتي حرمت خلال التاريخ الإسلامي. وآخرون يرفضون حتى مجرد الحديث في هذه المواضيع على أساس انها من الترف الفكري، ومن يحاول الخوض فيها إنما يساعد الغرب، والمنظمات الأجنبية في الدخول إلى المجتمعات العربية المسلمة الفاضلة، التي لا ياتيها الباطل من بين يديها أو خلفها. وكما قيل في الإدارة فإن عدم حل المشكلات يؤدي إلى انفجارها على شكل أزمة لا يمكن التعامل معها، فإنه لا بد لنا من طرق الجرس، مع وضع بعض الاقتراحات التي قد تساعد في فهم المشكلات أكثر، أو تساهم في وضع العربة على سكتها الصحيحة. أولاً: يجب ان يقوم العلماء مجتمعين، من خلال المجامع الفقهية بمناقشة هذه القضايا المستجدة بعيداً عن الأحكام المسبقة، والتقليد الأعمى للقدماء، ومن المهم كذلك توصيف أي حالة مستجدة بشكل صحيح، لأن التوصيف الخاطئ يؤدي إلى حكم خاطئ. ثانياً: يحتاج كثير من العلماء المسلمين إلى فهم الواقع، والاختلاط مع الناس وفهم نفسية المرأة، وما هي احتياجاتها الحقيقية، وكذلك معرفة التغيرات التي طرأت على المجتمع، والنظر إليها من خلال الرؤية الحديثة الواقعية، وليس بأعين القدماء، والمشكلة الحقيقية التي نعاني منها ان معظم علماء المسلمين يعيشون في برج عاجي، ولا يعرفون شيئاً عما يحصل في المجتمع، لذلك تخرج فتاواهم ضيعفة، بعيدة عن الواقع، وغير ملبية لاحتياجات الناس. ثالثاً: يجب النظر إلى المرأة على انها كائن حي، وإنسان، وانها مثل الرجل لديها احتياجات، ومشاعر، وانها ليست مجرد شيء، أو سلعة، أو تابع يدور في فلك الرجل، ويجب إدراك التغيرات التي طرأت على الكون، وإزالة الأفكار القديمة التي تحتقر المرأة، وتعتبرها رجساً من عمل الشيطان، وكذلك تحرير السنة النبوية من الأحاديث الموضوعة، أو تلك الصحيحة التي صححت من أجل إرضاء العقلية الذكورية لبعض المسلمين، وهذا يحتاج إلى ربيع ديني شامل، يضع الأمور في موازينها. رابعاً: من المهم إعادة النظر في طريقة التربية الجنسية لينشأ الشاب، والفتاة بطريقة صحيحة بعيداً عن الشذوذ والانحراف، وتجربة بعض الدول العربية التي تمنع أي اختلاط بين الرجال والنساء، مائلة أمامنا، إذ انها أدت إلى انتشار الشذوذ الجنسي، والممارسات غير الأخلاقية، وزنا المحارم، وفي الوقت نفسه فإن الانفتاح الشديد يؤدي إلى النتائج نفسها تقريباً.
خامساً: من الضروري مراجعة الفقه الإسلامي، وعرضه على القرآن الكريم، وصحيح السنة النبوية، وتنقيته من الذكورية (المقصود بها ما جاء به نتيجة جهود فكرية للعلماء المسلمين، وهي عملية بشرية تخضع للصح، والخطأ). فعندما تقرأ بعض الأحكام الفقهية حول مسائل معينة، خاصة إذا كانت متعلقة بالجنس، تفاجأ بالذكورية الهائلة بها، وباستبعاد المرأة أو معاملتها وكأنها أداة متعة، وليست إنساناً كاملاً لديه احتياجات، ومشاعر، ولعل الإشارة إلى غياب المرأة عن الحياة الاجتماعية، واقتصارها على الرجل في مراحل طويلة من التاريخ الإسلامي، وكذلك عدم وجود فقيهات مستقلات قادرات على فهم النصوص بشكل صحيح ومجتهد، والوصول إلى فقه متوازن لا يخالف القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة. سادساً: يجب أن يمتلك الفقهاء الشجاعة الكافية للوقوف في وجه الأحكام الاجتماعية التي تخالف الدين، ولعله من المفيد الاعتراف ان بعض الفقهاء ودون وعي منهم يضعون العادات والتقاليد أولاً، ثم يلجأون إلى الأدلة الشرعية، وهذا فيه ظلم كبير لكل مكونات المجتمع. ومن المجدي أيضاً في هذا المقام تغيير مفهوم الجنس في عقول الناشئة، وعدم تربيتهم على (تنجيسه)، و(شيطنته) حتى وان كان في الحلال، وجعله من الأمور السيئة التي يجبر المرء على القيام بها والانتقال من المفهوم الديني غير الدقيق الذي يعتبر الجنس وسيلة للانجاب، وليس للمتعة، كما هو حاصل في الواقع، وهذا كله ناشيء من فهم خاطئ للدين، ومن المهم أيضاً إشاعة مفهوم الحب بين الناس، وإعادته إلى الحياة الزوجية، والحياة بشكل عام، وكذلك الحث على احترام المرأة في مؤسسة الزواج، وتعريف القوامة بمفهومها الحقيقي البعيد عن الذكورية، وإزالة التسلط الذكوري من الحياة الزوجية. وبعد، هذه بعض الاقتراحات التي قد تساعد في حل المشكلات العميقة التي يعاني منها المجتمع، وإذا أدركنا اننا نعيش في عالم غريب، ومتناقض، وان الانحلال الأخلاقي ينتشر بشكل هائل، وان وسائل التكنولوجيا الحديثة ساهمت في نشره بشكل غير مسبوق، فلا بد الا ندفن رؤوسنا في الرمال، وان نتعامى عما يحصل حولنا، ولعل الوقت الذي يأتي ونناقش فيه مشكلاتنا بواقعية بعيدا عن الأقنعة الكاذبة يكون قريباً. * كاتب وإعلامي أردني. لَهُ عدد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية، وَمقال أسبوعي في صحيفة يومية أردنية.