ورؤية درويش للمستقبل هو ضياع الهوية الفلسطينية لأرض فلسطين كما ضاعت الهوية العربية والاسلامية للاندلس وضياع الهوية عند الهنود الحمر. وهذا يُذكِّرنا بالدور المهم الذي يحتله الشاعر في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي. فقد أُعتُبر الشاعر كالنبي في قبيلته والرائي لمستقبلها، ومحمود درويش ليس استثناءاً عن هذه القاعدة، فقيمته الادبية تشبه الى حد كبير دور اجداده الشعراء في العصر الذهبي للشعر، حيث كان الشاعر مُعبِّراً عن هويتهم مُتبصِّراً لمستقبلهم ومُبشِّراً لانتصاراتهم أو مُحذِّراً لهزائمهم.
إن أهمية هذه الدراسة الاكاديمية تنبع بالدرجة الأولى بكونها من الدراسات النقدية الأدبية النادرة، ولربما الوحيدة، في الساحة الفرنسية والتي تعالج شعر محمود درويش بشكل تفصيلي ومُتشعِّب الاتجاهات. لا تعتمد د. حمو في تحليلها لقصائد درويش فقط على الادوات العلمية والتقنية المحضة، والتي تستعملها بمهارة وقدرة بارزتين، انما تغوص عميقاً في النصوص الشعرية وفي دهاليز المعنى المقروء والمستتر، تكشف باسهاب عن تداخل الاصوات المختلفة في القصائد، تبحث عن النص داخل النص وتشير الى أوجه التشابه، أي التفاعل النصّي، ولكن بنفس الوقت تُخرِج النصّ ‘الدرويشي’ من لعبة التّناصّ وتشير الى صوته الخاص والمُتميز في التعبير عن الهمّ الوجودي للانسان الفلسطيني، وخصوصاً في هذا الديوان، بلغة شعرية أشبه بالملاحم التراجيدية اليونانية القديمة.
ومن خلال اعتمادها على نظريات التناصّ تشير د. حَمو الى العلاقة الجدلية لفهم شعر محمود درويش من خلال ربطها لتداخل المستويات الفنية والتاريخية والنفسية والاجتماعية والسياسية المختلفة فيما بينها وانسجامها مع بعض في كلٍّ متكامل. وبهذا تُقيّم عمل درويش هذا بموضوعية وتضعه بالفعل وبصدق في عداد الشعر العالمي الذي اخترق حدود الجغرافيا وحدود التاريخ ليصبح إرثاً حضارياً انسانياً. فتصبح فلسطين عند درويش، كقطعة فسيفساء، هي النصّ: د. حَمو تُنوِّه الى هذا البعد بلغة أكاديمية راقية وشاعرية، وتنفخ فيه حسّاً مرهفاً، وبِتمكُّن من أدواتها العلمية، دون الخلط مع المشاعر الذاتية والانتماء الشخصي. ومن خلال القراءة المُتمحِّصة لدراسة الدكتورة حَمو يتضِّح للقارىء مدى وعيها لهذه الاشكالية الحسّاسة، المُنوّه اليها، وقدرتها الاكاديمية العالية في اظهار البعد الفني والجمالي لشعر درويش في هذا الديوان. وبهذا تربط د. حمو في تحليلها الشَّيِّق بين العام والخاص في شعر درويش: فهي تُحلِّل وتشرح للمُتلقّي بأن: ‘الأنا-الكاتب’ ما هو الا صوت ال ‘الأنا- القارىء’ الواعي، برغم اختلاف المرجعية الثقافية لكليهما، وهذا يعني، ‘ال- ‘نحن الجماعية’، وبالتالي تَتَداخل الذاكرة الفردية للكاتب وللقارىء، على حدٍ سَواء، مع الذاكرة الجماعية، التي تَتَّخِذ بالمُحصِّلة شكل الحنين الى الماضي ‘والفردوس المفقود’ – فلسطين التاريخ والأرض.
و’الدكتورة حَمو-القارئة’ لشعر درويش تصبح جزءًا فاعلاً من ‘لعبة’ التناصّ التي استخدمتها في دراستها: فهي القارئة-الناقدة-الكاتبة، نعم هي هذا المثلث المتناسق، ومن خلال هذه الميزات المجتمعة’في شخصها تصبح هي النص، بنفسها، من خلال عملية التماهي مع النصوص الشعرية ومحاكاتها، وبهذا تُوصل في هذا العمل الجدّي شاعرية درويش العالية الى القراء وتصبح بهذا صوت الشاعر- الكاتب-الكاتبة وصدىً للمشهد الأندلسي وصدىً أميناً للملحمة الدرويشية.
في احدى قصائده قال محمود درويش: ‘على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة ‘
وهنا أعتذر للشاعر وأقول:
هذا الكتاب القيِّم للدكتورة حَمو جدير بالقراءة ويستحقّ الحياة…
كاتب ومحاضر جامعة بايروت – ألمانيا
Email: [email protected]