المشهد السياسي التركي قبل الانتخابات البرلمانية

حجم الخط
0

دلشاد محمد الناظر للمشهد السياسي التركي عامة وعلى مر تاريخ الجمهورية التركية (1923) يلاحظ وجود تيارات سياسية مدرسيّة طغت ولا زالت تطغى على هذا المشهد، وإن تعددت تجلياتها بصورة أو بأخرى. فهناك التيار الكمالي الأتاتوركي ممثلا حاليا بحزب الشعب الجمهوري، وتيار الإسلام السياسي ممثلا بحزبي السعادة وحزب ‘هاس’ المنشق مؤخرا عن الأخير، وتيار الأكراد ممثلا بحزب السلام والديمقراطية، وتيار اليمين ممثلا بحزب الحركة القومية، وأخيرا وليس آخرا تيار ما يسمى بـ’الإسلام البراغماتي أو الليبرالي’ ممثلا بحزب العدالة والتنمية الحاكم.

توجهات تاريخية ومفارقات انتخابيةيدعو حزب الشعب الجمهوري إلى نظام يساري قومي أساسه الدولة العلمانية المتشددة، وإلى الأخذ قدر الإمكان بـ’تعاليم’ نبيهم مصطفى كمال أتاتورك. وعلى هذا الأساس فإن هذا الحزب كان في خلاف مستمر مع الدين ومظاهره من حجاب ومن مدارس دينية، وكذلك لم يستطع أن يأتي بمشروع متكامل لحل القضية السياسية والأمنية الأكبر في البلاد، وأعني القضية الكردية لا بل فاقم من تعقيداتها بسبب مواقفه المتشددة، كنفي وجود الأكراد في تركيا من الأساس.

بالانتقال إلى اليمين نجد حزب الحركة القومية ينادي جهارا بضرورة الحل العسكري لمشكلة ‘جنوب شرق الأناضول’ كما يحلو للحزب تسميتها، لدرجة أن الزعيم التاريخي للحزب دولت باهجلي كان يحمل حبلا بيده أينما حل؛ هو حبل مشنقة عبد الله أوجلان (زعيم حزب العمال الكردستاني). وموقف هذا الحزب من الدين هو أقرب إلى الضباب، حيث تجمع قبة اليمين القومي العديد من المتدينين وغيرهم من غير المتدينين.

أما حزب السعادة ووليده حزب هاس ولصغر حجمهما ربما، لا يخوضان كثيرا في المشاكل الكبيرة، فجل اهتمامهما هو اعتماد الإسلام طريقا لحل المشاكل، وعليه فإنهم في حالة نفور من حزب الشعب الجمهوري، وفي حالة ترقب وارتباك حيال حزب الحركة القومية، وفي حالة من خيبة الأمل تجاه حزب العدالة والتنمية، نظرا لمغالاته في البراغماتية من وجهة نظرهم وتركه لجذوره الإسلامية، حيث كان زعيم العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان تلميذا للراحل نجم الدين أربكان مؤسس الإسلام السياسي التركي.

تقول آخر استطلاعات الرأي ان حزب العدالة والتنمية ـ الحاكم منذ أكثر من عقد ـ سيستمر في قوته وسيكون بإمكانه مرة أخرى تشكيل الحكومة من دون الدخول في ائتلافات انتخابية. هذه النتيجة ربما كانت كفيلة ببروز ظاهرة ترتكز على التوافق بين مختلف الأحزاب السياسية للنيل من غريمهم المشترك الحاكم. ولعل أشهر هذه التحالفات هو شهر العسل الذي يجمع حاليا بين اليسار واليمين واتفاقهما غير المعلن على تبادل الأصوات في المناطق ذات المنافسة الشديدة. أما الطامة الكبرى فقد كانت أيام الانتخابات البلدية، حيث قام التيار الإسلامي بمنح صوته لليسار ضد العدالة والتنمية الأقرب إليه. ووصلت هذه المفارقات لذروتها عندما تسرب تسجيل صوتي يكشف مكالمة هاتفية بين مسؤول من حزب السلام والديمقراطية الكردي، ونظير له من حزب الحركة القومية المتشدد يتحاوران حول إمكانية التحالف وتبادل الأصوات.

كذلك لم تخل صفحة العدالة والتنمية ‘الإسلامي’ الذي كان قد رفض ترشيح أية امرأة محجبة ضمن فريقه الانتخابي، لا بل ركز على السيدات غير المحجبات ‘الحسناوات’ لكسب قلوب المصوتين الذين لم يحسموا أمرهم بعد والذين لا يشكلون أكثر من 6′. احصاءات وقوانين تذكر بالمثل الشعبي ‘مصائب قوم عند قوم فوائد’ تشير آخر الاستطلاعات الى ان مقاعد البرلمان الـ550 ستوزع كالتالي: حزب العدالة والتنمية الحاكم حوالي 310 مقاعد ومنافسه حزب الشعب الجمهوري حوالي 205 مقاعد إلى جانب عدد من المستقلين.

جدير بالذكر أن هناك قانونا في الدستور التركي معروف باسم قانون الـ’10” الذي ينص على عدم شغل أي حزب لأي مقعد من البرلمان إذا نال نسبة أقل من 10′ من مجمل الأصوات، وتذهب نسبة ما حصل عليه الحزب في هذه الحالة إلى الأحزاب الفائزة كل حسب حجمه. وهذه الحقيقة ربما تبرر لحزب الحركة القومية اليميني تحالفاته واستنجاداته بالتيارات الأخرى لأنه وكما تشير الاستطلاعات الى إن نسبته تقع في المنطقة الحرجة (12′) فإما أن يكون أو لا يكون.

بقي أن نقول انه ودرءا لهذا قانون، يدخل العديد من الأحزاب الصغيرة كالحزب الشيوعي كأفراد مستقلين. وأن الكل في تركيا الآن ينتظر صباح الـ13 من حزيران/يونيو لمعرفة نتيجة الانتخابات التي ستجرى في 12 من الشهر الجاري، ومعاينة مدى مصداقية الأحزاب حيال تنفيذها للوعود البراقة المغرية التي وعدت بها طيلة الحرب الانتخابية المستعرة. ‘ كاتب سوري مقيم في اسطنبول

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية