لعلّ تعثّر مسار المشهد السّياسي التونسي اليوم وتلاقف أنصاف الحلول وكثرة المبادرات المبتورة وفرقعة الإختلافات التي تظهر كلّ حين خصوصا في ناحية الذين يقودون المعارضة هو دليل قويّ من بين أدلّة أخرى يصبّ في اتّجاه القول بأنّ مجمل السياسة التونسيّة بما فيها الحكوميّة هي غالبا ما تُدار من وراء السّتار وأنّ كلّ ما يظهر للعلن ماهو إلاّ تنفيذ – ممنهج – لإرادات خارج الهياكل الرسميّة وخارج مقرّات أحزاب المعارضة خصوصا، وأنّ مكوّنات هذا المشهد السياسي وكثيرا من تفاعلاته مرهونة بضوابط وإملاءات وخطوط حمراء تتحدّد خارج دوائر القرار الرسميّة وخارج أحزاب المعارضة وفي طبخات جاهزة ومفروضة فرضا. وهذا يوضّحه أيضا الوضع المربك والنّفق المسدود الذي دخله صفّ المعارضة ووقوفه عند اسطوانته المشروخة (حلّ الحكومة والتأسيسي) لكن بأصوات نشاز وغير متمكّنة ممّا تفعله أو تريده – لفقدانها كلّ إسنادات الخارج وبقائها في بركة بلا ماء – فضلا عن انعدام شعبيّة مطالبها. كما لا يمكن تفسير التخاذلات والتنازلات التي تواجه بها الحكومة مختلف التطوّرات الحاصلة إلاّ بسبب وجود أيادي حديديّة تفرض عليها ذلك – عن طريق أحزابها وعلى رأسها حركة النّهضة صاحبة الأغلبيّة – وتساومها في ذلك مقابل وجودها على رأس السّلطة بل تفرض عليها تحرّكات ومواقف بعينها لا تأخذ في الإعتبار إلاّ رسم سياسة هؤلاء المتمترسين خلف السّتارو بقدرِ معلوم ومحدد. كذلك هو الشأن مع رموز المعارضة وأحزابهم ، فهم لا يتحرّكون وفق إراتهم ولا يحملون هموم الوطن ولا تحرّكهم مشاعر الوطنيّة ولا يملكون حلولا بقدر ما هم مدفوعين من هذه الأيادي للقيام بأدوار محدّدة وفي صيغ مدروسة ومرسومة وبأشخاص تتداولهم هذه الأيادي حسب الظروف والمراحل فتحرق كروتا وتلمّع أخرى موازاة مع متطلّــــــبات المرحلة ومدى الإتقان، وقد تجمّدهم كلّهم فلا تتبنّى ما يخطّـطون له وما يريدونه كما هو الحاصل الآن . منجي باكير