المشهد السياسي الخليجي بعد قمة المنامة

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابيثمة اجماع على ان قمة مجلس التعاون الخليجي، التي عقدت الشهر الماضي في المنامة كانت من اضعف القمم، فلم يحضرها من الزعماء الا امير الكويت، بالاضافة لمضيفه، ولم يصدر عنها ما يمكن اعتباره اضافة لمسيرة المجلس وتطوره. وغاب الحديث عن مشروع الاتحاد الخليجي الذي لم تتحمس له سوى السعودية والبحرين. في ظل هذه الحقائق يمكن التعاطي مع ما يجري في الخليج في الفترة الحالية من منطلقات ثلاثة: اولها التعامل مع الحراكات السياسية في كل من دول مجلس التعاون بمفردها، معزولة عما يجري في بقية البلدان. ثانيها: السعي لاستيعاب المنظور الرسمي للتحالف الخليجي ازاء هذه الحراكات وفق مفاهيم الامن المشترك والتعاون الاقليمي ووحدة المصير وتشابه الموروث الثقافي. ثالثها: الانطلاق من منظور استراتيجي لكشف خيوط التنافس الدولي في الوقت الحاضر للهيمنة على منطقة الخليج، وقراءة سياسات امريكا وبريطانيا والاتحاد الاوروبي من جهة، وسياسات الشرق خصوصا روسيا والصين إزاء المنطقة المعروفة لديهم باسم ‘البحيرة الامريكية’. ولكل من هذه المنظورات وقائعه ومؤشراته، وصورة المستقبل التي يستشرفها. لقد كان الصراع على النفط من اهم ما شد الدول الغربية للمنطقة، والواضح ان بريطانيا كانت السباقة لفرض الهيمنة السياسية والعسكرية، حتى بلغ نفوذها قبل انسحابها في 1971 ان اصبحت تدير كل مشيخة لوحدها عن طريق مندوبها السياسي. ورغم دخول الولايات المتحدة على الخط بعد الانسحاب البريطاني الا ان لندن ما تزال تعتبر نفسها معنية بشكل مباشر بأمن مشيخات دول مجلس التعاون الخليجي. ورغم التصنيف المذكور لانماط التعاطي مع الخريطة السياسية في دول مجلس التعاون، فانها تتداخل بشكل كبير ولا يمكن تفكيك الديناميكية السياسية للتحالفات التي تتكون بين الحين والآخر، او تحديد اولويات سياسات الدول الكبرى في المنطقة وخارجها تجاه تطوراتها المحلية والاقليمية.منذ ان انطلقت ثورات الربيع العربي سعت القوى الداعمة لدول مجلس التعاون تقليديا لحمايتها وصد رياح التغيير عنها، وبذلت جهودا مضنية لوقف اي حراك شعبي يطالب بالتغيير. وتفاعلت الخبرات السياسية والامنية لتقديم سد منيع امام رغبات التغيير المختزنة في نفوس المواطنين. واذا كانت امريكا قد كانت الاكثر اضطرابا في الموقف، فقد ظهرت في الوهلة الاولى وهي تعاني من صراع داخلي بين حماية الانظمة القديمة او ترويج التغيير بدعم المجموعات الثورية في بعض البلدان. وحاولت الاحتفاظ بشيء من التوازن، ولكن سرعة التطورات لم توفر لها الفرصة الزمنية او القدرة العقلية والسياسية لتحقيق ذلك. وسرعان ما تحرك اللوبي النفطي لتحييد موقفها واشغالها باوضاعها الداخلية، خصوصا ما يتعلق بالمجال الاقتصادي. اما بريطانيا فكانت الاكثر حرصا على بقاء الانظمة، والمخطط لاساليب احتواء المعارضات وقمع الثورات، ووضع الاستراتيجيات البديلة امام الشعوب لابعادها عن ساحات الصراع، وابقائها قابعة ضمن منظومات الحكم القديمة. بريطانيا ما تزال تشعر بانها المعنية الاولى بما يسمى ‘امن الخليج’ وانها في مواجهة كافة التحديات الامنية او السياسية التي تواجه ذلك ‘الامن’. ولكن على بريطانيا ان تدرك ان الامن لا يستقر الى الابد بسلاح القمع وحده، وان الشعوب اذا تعرضت للضغوط الامنية والاستخباراتية والعسكرية المستمرة فانها تنفجر في ثورات كالتي حدثت في مصر وتونس وغيرهما. وقد يمكن قمع الثورات مرة او مرتين ولكن هذا القمع يزيد من اوارها في المرات اللاحقة.الواضح ان النفط هو العنوان العريض للاسباب التي تدفع هذه القوى لدعم انظمة غير ديمقراطية. فدول مجلس التعاون مع ايران والعراق تنتج اكثر من 25 مليون برميل يوميا، تذهب نسبة كبيرة منه الى الدول الغربية. وتريد هذه الدول الحصول على النفط بمعدلات كافية واسعار مناسبة. وحتى عندما ترتفع اسعاره فان عائداته ترجع للدول الغربية في شكل استثمارات او صفقات سلاح عملاقة. مع ذلك فقد بدأت الدول الغربية في البحث عن بدائل لنفط الخليج، بالاضافة الى خطط اخرى لتجاوز مضيق هرمز. فعلى سبيل المثال هناك انابيب عملاقة تنقل النفط من الخليج الى بحر العرب لتجاوز المضيق. وهناك خطط لبناء انابيب اخرى لنقل النفط من ايران الى باكستان، ومن دول آسيا الوسطى الى البحر المتوسط او اوروبا مباشرة. ويسعى الغربيون لمنع مرور هذا الانبوب عبر ايران بسبب الخلافات السياسية. هذه المحاولات للتقليل من الاعتماد على مياه الخليج لنقل النفط توازيها محاولات اخرى للبحث عن مصادر نفطية بديلة. ووفقا لتقارير صدرت مؤخرا فمن المتوقع ان يرتفع انتاج الولايات المتحدة النفطي الى ما بين 13 و15 مليون برميل يوميا مع حلول العام 2020، ليتجاوز الانتاج السعودي. وتسعى كل من ايران والعراق لزيادةانتاجهما اليومي الى حوالي ستة ملايين، ولكن ذلك يحتاج لاستثمارات ضخمة لتحديث آبار النفط وأنابيبه. هذا النفط الخليجي اصبح عاملا في العلاقات الصينية العربية في السنوات الاخيرة، واصبح يمثل جانبا من نقاط الخلاف بين الشرق والغرب. فقد مورست ضغوط كبيرة على كل من الصين والهند لتقليص استيراداتهما النفطية من ايران، كجزء من احكام الضغط على نظام الجمهورية الاسلامية. هذا النفط نفسه وعائداته اصبح سلاحا بايدي حكومات دول الخليج ضد شعوبها، فاصبحت تضغط على الدول الغربية باموال النفط لمنع هذه الدول من المطالبة بالتغيير الديمقراطي او التعاطي مع قضايا حقوق الانسان بشكل جاد يحرج الانظمة الحاكمة.الولايات المتحدة من جانبها كانت قد دخلت على الخط بعد تراجع الدور البريطاني في منطقة الخليج في مطلع السبعينات، خصوصا بعد ان توترت علاقاتها مع ايران بقيام الثورة الاسلامية وسقوط نظام الشاه. وفي السنوات الاخيرة من الحرب الباردة كانت منطقة الخليج تمثل نقطة تماس ساخنة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. واعقب ذلك دخول امريكا المنطقة بقوة بعد الاجتياح العراقي للكويت في 1990، وعلى مدى العقدين الاخيرين، كان لواشنطن دور محوري في الدفاع عن ‘أمن الخليج’ بالتعاون مع بريطانيا التي حافظت على علاقات امنية خاصة مع عدد من دول مجلس التعاون، وكانت تستظل بالغطاء الامريكي. ويبدو الآن ان حركة التغيير التي قامت العام الماضي احدثت اختلافا بين السياستين الامريكية والبريطانية. فبينما تصر لندن على حماية ‘الانظمة الصديقة’ مهما كلف الامر، فان واشنطن تفتقد السياسة الواضحة تجاه حركات التغيير، خصوصا بعد فوز الاسلاميين في الانتخابات المصرية. الواضح ان واشنطن مترددة في سياساتها كثيرا، بين ان تكون ‘على الجانب الصحيح من التاريخ’ او تدعم ‘الانظمة الصديقة’ التي فشلت في تكييف اوضاعها مع تطورات ساحاتها السياسية ومستلزمات عصر التغيير الديمقراطي. كان الموقف الامريكي العام الماضي حماية تلك الانظمة بالتوازي مع ممارسة شيء من الضغط عليها لتطوير انظمتها السياسية وحماية حقوق الانسان. ولكن ادركت الأن ان التعويل على اصلاح تلك الانظمة غير واقعي وان تلك الانظمة عاجزة عن انتهاج سياسات ديمقراطية. اما بريطانيا فليست مهتمة بالتطوير الديمقراطي لعلمها ان حلفاءها في المنطقة العربية لن يكونوا ديمقراطيين يوما. يضاف الى ذلك ان السياسة البريطانية في الخليج مشوبة بالعلاقات المتوترة مع ايران التي ادت الى سحب السفراء من العاصمتين في مثل هذه الايام من العام الماضي. كما ان تجربتها في العراق ليست مشجعة. وتجدر الاشارة الى انها هي التي شجعت على الحرب ضد نظام صدام حسين قبل عشرة اعوام. وقام توني بلير، رئيس الوزراء آنذاك، بزيارة عدد من الدول الاقريقية لحثها على التصويت لصالح قرار من الامم المتحدة يسمح باستخدام القوة. حتى ان الرئيس نيلسون مانديلا وصف بلير آنذاك بانه ‘يعمل كوزير خارجية للولايات المتحدة الامريكية’. ولذلك فهي تتبنى سياسة تسعى للحفاظ على الاوضاع الراهنة، وتضع خبراتها الامنية في خدمة هؤلاء ‘الحلفاء’ كما تفعل في البحرين. يضاف الى ذلك ان بريطانيا لم تصوت لصالح عضوية الدولة الفلسطينية بالامم المتحدة.روسيا من جانبها اعادت النظر في سياساتها في الشرق الاوسط، وشعرت بان توسع النفوذ الانجلو امريكي سيكون على حساب مصالحها، خصوصا بعد ان خسرت في العقدين الاخيرين، اغلب حلفائها في المنطقة. ولذلك بدأت تتقارب بشكل ملحوظ مع ايران، واستمرت في بناء مشروع بوشهر النووي. واتخذت موقفا تجاه الوضع في سورية مختلفا عن مواقف الغرب. ورأت في الخطة البريطانية لتوفير الدعم العسكري والامني للمجموعات المسلحة التي تحارب النظام السوري، تطورا سلبيا ضد آخر حلفائها في الشرق الاوسط. وتسعى السعودية للضغط على كل من روسيا والصين للتأثير على موقفيهما ازاء سورية وايران بوجه خاص، وذلك باستخدام النفط وصفقات سلاح كبيرة، ولكن يبدو ان روسيا حتى الآن صامدة في موقفها. والواضح ان ثمة تشوشا في العلاقات الخليجية ـ الامريكية بدأ يظهر في الفترة الاخيرة. فقد اغلقت سلطات الامارات مكتب مؤسسة ‘راند كوربوريشن’ الأمريكية للأبحاث السياسية في أبوظبي في أحدث عملية إغلاق لمؤسسة أبحاث أجنبية في البلاد العام الماضي. وقال محللون وسياسيون إن الإمارات تسعى للحيلولة دون امتداد أية اضطرابات إلى أراضيها. وفي اذار (مارس) أغلقت الإمارات مؤسستي أبحاث دوليتين تدعمان الديمقراطية، وهما مؤسسة ‘كونراد أديناور شتيفتونج’ القريبة من رئيسة الوزراء الالمانية، انجيلا ميركل، و’المعهد الديمقراطي الوطني’ الذي تموله الولايات المتحدة بدعوى ارتكاب مخالفات تتعلق بالترخيص. وثمة فتور نسبي في العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة بسبب الاختلاف على السياسات السعودية الداخلية والاقليمية. وتعرضت علاقات البحرين بالولايات المتحدة لهزة محدودة عندما تجاهل ولي العهد البحريني الشهر الماضي الدعم الامريكي الذي قدمته واشنطن لحكومته لمواجهة الاحتجاجات التي تعصف بالبلاد، بينما اكد تقديره لبريطانيا بشكل خاص. فلندن ما تزال تعتقد ان الخليج منطقة نفوذها الخاص وان علاقاتها التاريخية مع مشيخاته تؤطر سياساتها تجاه امنها. وهكذا يصبح ما يبدو من هدوء نسبي بعد الزلزال السياسي العام الماضي، خادعا. وما يجري في مصر هذه الايام من شد وجذب على خلفيات ايديولوجية متباينة، يؤكد ضرورة التغيير الجذري لانظمة الحكم السابقة التي فشلت امام شعوبها. كما ان تونس ليست بعيدة عن هذا التجاذب الايديولوجي الذي تثيره قوى الثورة المضادة، ولا يستبعد حدوث مفاجآت على صعيد الاوضاع السياسية الداخلية في هذا البلد الذي ما يزال يبحث عن امن واستقرار دائمين. من هذا يتضح ان الحراك الثوري العربي ما يزال بحاجة لعدد من الامور: اولها الترشيد المتواصل، وثانيها التزود بالاصرار والوعي الثوري، ثالثها: البصيرة التي تقطع الطريق على قوى الثورة المضادة التي تستخدم اسلحة البطش والقتل والتعذيب والطائفية والعنصرية، ورابعها: التعاهد على مواصلة طريق الثورة حتى تحقيق النصر الحاسم لقوى الشعب وهزيمة الانظمة السابقة بشكل حاسم.بين التوتر الداخلي في دول مجلس التعاون والتزام بعض الدول، خصوصا بريطانيا بأمن انظمة الحكم العائلية فيه، والتنافس الدولي على النفوذ فيه، يتواصل السجال حول المسارات السياسية داخله وحوله. وفي غياب مشروع جاد لتطوير انظمة الحكم في هذه المنطقة الحيوية يتوقع تصاعد الاضطراب الامني في عدد من دول مجلس التعاون، وليس مستحيلا حصول مفاجأت في توازناته السياسية تفرض تغييرا جوهريا في منظومة الحكم الخليجية. فاللاعبون كثيرون ومتعددو الرؤى والاهداف، والمصالح متداخلة مع المبادئ لدى العديد من اولئك اللاعبين. من الضرورة بمكان ان يتعمق وعي التغيير الثوري ليس لدى الجيل الثائر فحسب، بل لدى السياسيين الذين يجب ان يدركوا ان العمل السياسي التقليدي لم يحقق التغيير الديمقراطي المنشود، وان شباب الامة هم الذين سجلوا الانتصارات الكبرى ضد انظمة الاستبداد وداعميها. وفي الوقت الذي تنعكس فيه الصراعات الدولية وتضارب المصالح على المنطقة وادوات التغيير فيها فان التعويل على الخارج ليس اولوية لدى الثوار. ومع صعوبة تصور اختراق روسي لـ’البحيرة الامريكية’ فان التلكؤ في طرح مبادرات اصلاحية ذات معنى ستكون له ديناميكيته الخاصة التي تفرض التغيير الذي قد يكون اكبر مما يتصوره الكثيرون. وسقوط نظام حسني مبارك يؤكد امكان حدوث ذلك وان كان الغربيون غير راغبين.’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندنqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية