‘المشهد والظل’ مجموعة قصصية لهيام الفرشيشي: رحلة البحث عن الهوية!

حجم الخط
0

شمس الدين العوني

نسيج لغوي ناعم يأخذ القارئ إلى عوالم متداخلة من حيوية الواقع ولعبة التخييل كل ذلك ضمن فضاء سردي يرتقي بالقصّ كفنّ مأخوذ بالتشويق والإبهار.. إنها سلاسة الوصف المولّد في شعرية متدفقة تمنحها البراءة والحنين وأصل العناصر والتفاصيل والأشياء في زمن ذهبت بعض كتاباته الى اللهو بالتصنع والفبركة والافتعال.

هي الكتابة زمن طفولتها لا تلوي على غير التأنق لأجل أن يجد القارئ عند نهاية كلّ قصة شيئا ما من المتعة التي تتركها الشخصيات او الأمكنة او الحالات او حتى نبرة القصّ والمشاهد التي تحيل اليها القصص.. إنها لعبة القص ومشتقاته الجمالية.. لعبة الأمكنة وأسرارها.. لعبة المشاهد والظلال.

هكذا رأيت الأمر وأنا أخلص من قراءة المجموعة القصصية ‘المشهد والظل’ للأديبة هيام الفرشيشي الصادرة عن دار البراق للطباعة والنشر والتوزيع في 152 صفحة من القطع المتوسط حيث يتحلى الغلاف بعمل فوتوغرافي للمصوّر حسن بحسون من جريدة ‘الأخبار’ اللبنانية.

ثمة خيط رابط بين مختلف القصص في هذه المجموعة يتمثل في الشحنة الحسية والنفسية التي عملت من خلالها القاصة هيام الفرشيشي على اذكاء عنصر التشويق لشدّ القارئ خصوصا أمام تعدد الشخصيات من قصة الى اخرى وتنوع حضورها ونحن نعرف بالخصوص ميل بعض القصاصين الى افتعال الأحداث والتفاصيل للتأثير على القارئ ويتم مع ذلك اهمال سلاسة السرد وحميمية طرائقه، فكثيرا ما كانت الأعمال جافة وبعيدة عن العذوبة وعناصرها المحبذة في التعاطي مع الابداع القصصي.

لقد نجحت القاصة هيام الفرشيشي في ‘المشهد والظلّ’ في شد القارئ من خلال جمالية القص حيث دقة الوصف والخطاب الذهني الموجه والمعبر عن مسائل فكرية تتعلق احيانا بالفلسفة والوجود والحرية الى جانب ما يتبع ذلك من مواقف وآراء وكل ذلك يحصل بعيدا عن الاقحام والاسقاط، فهي توفقت الى السرد الحميمي والصادق في ذهابه الى الاشياء والعناصر والتفاصيل والحركات والاحداث والمفارقات بنعومة السرد وما ينهض عليه من عناصر الفن والجمال.. وأما الشخصيات فقد تخيرتها القاصة بدقة من حيث مكابداتها الوجدانية والنفسية والفكرية بما يحببها للقارئ ويقربها من هموم الذات وأعماقها لنجد أنفسنا بالنهاية امام عمل لا يبعد كثيرا عن أشجان الكتابة وهي تعري حالات وتكشف ممكنات اجتماعية وثقافية وحضارية كما انها عملت على توثيق الصلة والعلاقة بحيز من الأمكنة التي لها مجالات شاسعة في الوجدان العام من ذلك المدينة العتيقة، هذه التي اشتغل عليها العديد من الشعراء والروائيين ولكنّ الأمر عند هيام الفرشيشي كان مختلفا بالنظر لطريقتنا المخصوصة في السرد التي يتبين معها قارئ هذه المجموعة القصصية ان القاصة تكتب وفي الان نفسه تكتشف معه ومثله الحالات والأمكنة وما الى ذلك من العناصر التي يقترحها هذا العمل القصصي البديع.

في قصة ‘المشهد والظلّ’ تكشف القاصة حيزا من معاناة الصحافية التي تسعى للذهاب الى الحقيقة وما يواجهها من عراقيل نفسية وميدانية في هذا العمل النبيل الذي كان همه بالأساس انارة الاخرين بالحقائق وقد أبدعت في وصف ذلك التردد الذي اقتضته الظروف الخاصة بهذا العمل الى جانب متعة نقل مشاهد المكان أي القرية التي قصدتها في حالات مناخية خاصة فيها الرياح والعواصف والصقيع… تقول في هذه القصة بالصفحة (57): ‘شرد ذهنها وهي داخل الحافلة تستعرض سبب حلولها بهذه القرية المختفية وراء الجبل وخمنت انها ستشعر بالراحة قليلا، فرغم تشعّب الطريق فهو لا يخفي نضارة اشجار الفلين والصنوبر واشكال الهضاب المتدرجة التي تراءت كديار ذات قباب أعادتها الى تصاميم معمارية يبدو انها نابعة من الطبيعة.

عادت الى ذاكرتها، نبرات رئيس التحرير نائمة في خيالها كعائق صخري يطمس جمال المشهد المنفتح، توقفت الحافلة في ساحة تنطلق منها الطرق المنحدرة، استفسرت السائق عن الطريق المؤدي الى نزل الخطاف فأجابها بضرورة السير بضعة أميال والحذر من الاوحال الزلقة..’في رحلة البحث عن الهوية يتداخل الحلم بالذكريات والاسئلة الحارقة التي تذهب طويلا مع الانسان في حلّه وترحاله ذلك ان القاصة لعبت على الحنين والقلق والاستعادة حيث الذاكرة لا تغيب حتى في حالات اليأس وما الى ذلك تقول بالصفحة110 ): ‘استقبلتها ساحة باب سويقة ببناءاتها الحديثة التي انمحت منها بقية المشاهد الراسخة في ذاكرتها منذ ايام الطفولة.

شعرت بتكسر الحلم في أعماقها وتكثف الخدر الجاثم’ على كتفيها…. استوت الذاكرة مع الحاضر…’ الى ان’ تقول في الصفحة 111: ‘اتجهت الى القباضة المالية لتقتني طابعا جبائيا من اجل تغيير بطاقة هويتها التي مازلت تحمل صفة آنسة.. كان عمق الانسلاخ عن الماضي اشبه باجتثاث تلك الصورة العالقة في هذا المكان، فقد شيدت القباضة المالية على انقاض المقهى القديم الذي طالما جاءته رفقة اقاربها الصغار ايام عيد الفطر’. انها فتنة السرد في تجوال الذات بين الأمل وهنا تعبر القاصة عن ذلك بالحمل’ والمولود المنتظر وحميمية القلق الانساني والوجداني في تعاطيها مع المكان والذكرى.. انها المراوحة بين القلق والحنين وهنا نلمس خصوصية هذه الكتابة القصصية لدى هيام الفرشيشي التي كثيرا ما كانت نظرتها للأشياء التي تسردها مفعمة بالشعرية.. شعرية الحالة وشعرية التعاطي معها وهو ما أكسب المفردة السردية شحنة هي من قبيل ما يعبر به الشعراء في قصائدهم وهم يتحاورون مع الحياة والوجود يحاولون بناء عالم حالم فيه الحنين والحيرة.. وقدرة الذات الانسانية على الخوض في هذه العوالم.

في قصة غياهب الوهم تطرح القاصة خصائص كل من عالم المدينة وعوالم الريف والقرية التي رأتها فسيحة على عكس ازقة المدينة التي رأتها ‘اتربة واوساخ وغبار وروائح كريهة منبعثة من المنازل’.. فبين حكايات الحمام وعجوز الستوت ودور ودكاكين المدينة العربي التي صارت مجرد قضبان تسجن احلامها البكر والريف الذي رأته مجالا اوسع للحياة.. تيرز نظرة القاصة الى الوهم الذي يسيطر لدى البعض في الخلط بين الوسطين حيث ترى الحياة منطلقة واجمل في الريف حيث تقول بالصفحة 117:’عذراء حياة الريف الهواء نقي’ والارجاء رحبة والسماء’ لوحة ضاجة بالحياة سارت عربية بين الهضاب والروابي وكأنها تبحث عن اغصان جديدة او عن اعشاب نبتت هنا او هناك.. فشدو العصافير يبهجها ورقرقة السواقي تنساب في مشاعرها..’. الرسم على الروح قصة في غاية الاناقة حيث المتاهة بين الواقعي والخيالي في عشق القاصة للفنون ومنها الفن التشكيلي ضمن متعة السرد المقتحمة لعوالم ‘جمال الصافي’ و’ستيورات’ كونديلي والرسم والسينما.. طقس قصصي اخر ولكن ببصمات هيام الفرشيشي التي نجحت في نحت اسلوبها في الكتابة الذي برز في القصص مع اختلافها في المكان والشخصيات.. نقرأ في هذه القصة بالصفحة 132:’لم يكن ذلك صوت المخرج حتما بل صوت ‘هدى’ المنبلج من المتاهة وهي تتخيل عودة آل ‘غورخاس’ الى الهند القديمة.. لم ينتبه الرسام المنهمك في تكوين لوحته الى اثر لوحاتها على روحه.. غادرت المرسم، تأملت اشعة الشمس الحمراء المنتشرة على امواج البحر المتلاطمة والبجع الوحشي وهو يفتح اجنحته في تلك اللوحة الخلاقة عاد الى اللون توازنه وهي ترقص مع البجعات رقصة الانسياب.. هكذا تتعدد الأسئلة التي تستبطنها مختلف قصص المجموعة لتلتقي في أمكنة ومناخات سردية وحالات ذهنية ونفسية ووجدانية مختلفة يجمع بينها جوهر وروح القص المعتمد في هذا العمل المميز الذي لفت اليه عددا من الأدباء والنقاد ومنهم الروائي المصري ابراهيم جاد الله والأديب الفلسطيني جهاد ابو حشيش والناقد راسم المدهون والأديب الغربي عبد الحميد الغرباوي والأديب التونسي احمد ممو حيث أجمعوا على أهمية هذه الكتابة القصصية في خضم الأصوات الاخرى وضمن التخييل الذي يرسم عالمه الخاص.. هذه المجموعة تم تتويجها في تونس من خلال فوزها بجائزة الكريديف لهذه السنة. وقد أفادت القاصة والناقدة هيام الفرشيشي من تجربتها هذه باعتبار ما يتيحه النقد والبحث الادبي والدراسة من خبرات تنعكس في النظر للأثر الادبي على كونه الجزء المميز ضمن المحصلة الانسانية ولذلك كان عملها القصصي هذا مثمرا في أدبيته وتيماته المقصودة وثريا بالنظر للدأب الأدبي الذي عرفت به الاديبة هيام الفرشيشي التي نحتت صوتها السارد بكثير من التأني والصدق والشغف..’المشهد والظل’ مجموعة قصصية حرية بالقراءة والمتابعة والاهتمام لتميز اسلوبها وتعاطيها الجاد مع متطلبات القص الجمالية والفنية فضلا عن الاشارة الى دور الأدب في النظر للذات.. وللاخرين..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية