د. عبدالله الأشعل المصالحة هي أكبر اختبار لدعاوى السلام التي تتشدق بها إسرائيل إذا أرادت السلام حقا واما الشقاق فهو طريق تصفية القضية وهو ما حللناه باستفاضة في كتابنا الصادر هذا العام حول مخاطر الشقاق بين فتح وحماس على مستقبل القضية الفلسطينية. في الأسبوع الأخير من نيسان (إبريل) 2011 وقع ممثلو فتح وحماس بالأحرف الأولى على مذكرة تفاهم تسوى الخلافات التي عطلت توقيع حماس على اتفاق المصالحة التي كانت مصر قد أعدته بالتشاور مع كافة الأطراف الفلسطينية. وكان هذا الحدث فاتحة خير للجميع واستبشر به الفلسطينيون الذين سئموا انشقاق أكبر فصيلين، بل واشتداد العداء بينهما. كان الانقسام الفلسطيني آخر مسمار دق في نعش القضية، وضاق الجميع بهذا الانقسام الخطير، الذي صور حماس على أنها منشقة عن السلطة الشرعية وأنها منفصلة بغزة عن بقية الأراضي الفلسطينية، فأصبح الانقسام الفلسطيني انقساما في الجغرافيا وفي كتابة التاريخ وفي التحالفات.
نأمل أن يتم مسار المصالحة بالتوقيع على الاتفاق ووضع كافة التفاصيل التي تؤدى إلى سهولة التنفيذ على المستوى الفلسطيني. ويثير التوقيع بالأحرف الأولى على مذكرة التفاهم ثلاث مسائل أساسية تتعلق بأطراف المعادلة، الأولى تتعلق بالجانب الفلسطيني، والمسألة الثانية تتعلق بالجانب المصري الوسيط، والمسألة الثالثة تتعلق بالبيئة الإقليمية الراهنة، وهي في مجملها تحمل عوامل الدفع كما تحمل احتمالات التحدي. على المستوى المصري، لاشك أن حكومة الثورة ووزارة الخارجية والأجهزة المصرية لم يعد يحكمها في الوساطة سوى مصلحة الشعب الفلسطيني، وهو ما بدا أن الأطراف الفلسطينية يتوقون إليه. ولذلك يعد هذا الحدث هو أولى ثمار الثورة في مجال الموقف المصري من القضية. ولكي نعرف أبعاد هذا الموقف لابد أن نسجل أن مصر مبارك كانت في طريق قيادة العمل إلى تصفية القضية تماماً رغم ما كان يبدو في خطابها من حرص وتمسك بمصلحة الفلسطينيين. فالمصالحة في ذاتها كانت آخر دور تلعبه مصر في هذه القضية المحورية التي انتزعت منها كل أوراقها.
ثم كان عليها أن تقبل إملاء الأطراف الأخرى في منهج المصالحة، وهي أن تكون على مذهب تطويع المقاومة، وبذلك تكون مصر مبارك قد أسهمت في تحقيق أهداف إسرائيل. فإسرائيل لا تمانع في تحقيق المصالحة بشرط أن تنتهي إلى سيطرة السلطة التي تقيم معها تفاهمات أمنية موجهة للمقاومة.
وقد استشعرت إسرائيل مخاطر المصالحة على مخططها في فلسطين، لأن إسرائيل رتبت برنامج الاستيطان وقتل محاولات التسوية الحقيقية على أساس الشقاق الفلسطيني، ولذلك تعترض على هذه المصالحة، وسوف تسعى إلى تعويقها، ولكنها كانت واضحة تماماً في موقفها عندما هددت أبو مازن بأن عليه أن يختار بين حماس وإسرائيل، فإذا اختار المصالحة والسعي إلى توحيد الصف والمطالبة بالحقوق الفلسطينية، فقد اختار بمعايير إسرائيل حماس، ومادامت حماس مقاومة، وإسرائيل مغتصبة، فكأنه اختار مقاومة الغصب الإسرائيلي.
وقد سارعت واشنطن في سقوط جديد لأوباما بتهديد أبو مازن بقطع المعونات عنه، مما يضع أبو مازن أمام هذه الضغوط السياسية والمالية الهائلة، فمن يقف مع أبو مازن في خياره الجديد وعودته إلى الساحة الفلسطينية؟.
يبدو أن خسارة حماس للجبهة السورية على الأقل وقت الاضطرابات الحالية، وتجفيف إسرائيل منابع الحركة السياسية ودفع أبو مازن إلى الحائط من أهم العوامل الجديدة التي أقنعت الطرفين إلى خيار المصالحة. وبصرف النظر عن مدى توفر النية في المصالحة وشروطها، فإن التحدي الحقيقي الذي ينتظر السلطة وحماس هو توحش إسرائيل، الذي بلغ شأوا بعيدا عندما خرجت إسرائيل على كل منطق بأن هددت مصر إن هي فتحت معبر رفح، وكأن إسرائيل قد أفـــــاقت فجــــأة على مصر الجديدة التي لا تريد أن تشارك في جريمة الحصار وأن تتصــرف مع غزة كما تتصرف مع منافذها الحدودية مع الدول الأخرى المجاورة.
المصالحة الفلسطينية تعنى أن في فلسطين سلطة واحدة وأن شؤون المعبر تصبح مسألة خالصة بين مصر وفلسطين لا دخل لإسرائيل فيها، ولذلك فإن إسرائيل لا يرضيها هذا الترتيب الذي يعني فشل خطة الضغط على حماس في غزة واستكمال إبادة الشعب الفلسطيني.
مطلوب من العالم العربي مساندة الفلسطينيين حتى يستغنوا عن المعونة التي نالت من حقهم بالمطالبة بحقوقهم وكانت ثمن خضوعهم لمخطط تهويد فلسطين ومطلوب من الشعب المصري أن يساند خط حكومته الوطنية في الدفاع عن قراراتها الوطنية المستقلة، لأن أعداء مصر لا يريدون لها أن تتنفس بحرية وأن تمتد قامتها إلى السماء ويأبون إلا أن تظل خاضعة لهم وشعبها خاضع لجلاديه. سقطت المعادلة في شقها الأول بزوال الجلاد الحليف لأعداء الشعب، وبقيت الضغوط الخارجية التي تستنكر على مصر أن تكون حرة.’ مساعد سابق لوزير خارجية مصر