المصالحة كمدخل للمشاركة الوطنية

حجم الخط
0

د. فايز رشيد

قررت ثمانية فصائل من تلك المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، الامتناع عن المشاركة في ترشيح أسماء لرئاسة وعضوية الحكومة الفلسطينية العتيدة من الكفاءات الوطنية، وذلك تنفيذاً لاتفاق المصالحة الذي تم التوقيع عليه في بداية ايار/مايو الحالي، في القاهرة بين وفدي حركتي فتح وحماس. السبب وكما يقول بيان الفصائل يتلخص في احتكار كل من حركتي حماس وفتح لآليات وخطوات تنفيذ بنود الاتفاق، بما في ذلك تشكيل الحكومة، بمعزل عن التشاور والاتفاق مع كافة الفصائل الفلسطينية الأخرى. قلنا ومنذ البداية ومباشرة بعد توقيع الاتفاق، ان من الأفضل لو تمت مشاركة كافة الفصائل الفلسطينية في المباحثات بين حركتي فتح وحماس، التي مهدت للمصالحة، فخطوة كبيرة من هذا النوع تلملم انقساما دام ما يزيد عن 4 سنوات، لم ينج من تداعياته أحد، وعصف بالشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده، وأخّر المشروع الوطني الفلسطيني خطوات جدية وساقه إلى الوراء. اتفاق من هذا النوع كان يتوجب أن يتم بمشاركة كافة الفصائل الفلسطينية من أقصى يمينها إلى أكثرها يساريةً، خاصة أن الاجتماعات السابقة التي جرت من أجل إنهاء الانقسام تمت بحضور الجميع، ولم يجر استثناء أحد منها، وهذا ما تم في القاهرة إبّان النظام السابق.

المشاركة أيضاً كان يجب أن تنسحب على التشاور في الاتفاق على آليات التنفيذ، وعلى التشاور في تسمية الأسماء للحكومة المنوي تشكيلها، خاصة ومثلما قال بيان الفصائل: ان المشاركة الوطنية من الجميع هي حصانة للاتفاق، وهي حماية له أيضاً من إمكانية الاصطدام بين الجانبين مستقبلاً على هذه القضية أو تلك، وهذا احتمال وارد. والمشاركة، تعني أيضاً سد الثغرات التي قد يستغلها أعداء المصالحة على الأصعدة الداخلية، والإقليمية والدولية أيضاً، فالمصالحة شكلت وما تزال إزعاجاً كبيراً للعدو الصهيوني، إلى الحد الذي خيّر فيه نتنياهو، الرئيس الفلسطيني بين (السلام) مع إسرائيل أو المصالحة مع حماس. المصالحة شكلت وما تزال إزعاجاً كبيراً أيضاً للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، فها هو أوباما وفي أكثر من مقابلة صحافية، وفي أكثر من خطاب له، عبّر عن هذا الانزعاج. إسرائيل عملت وما تزال على تجميد أموال الضرائب الفلسطينية، وأمريكا والدول الغربية قد توقف مساعداتها للسلطة الفلسطينية. بالتالي فإن للمصالحة تداعياتها الكبيرة على الساحة الفلسطينية، وعلى القضية الفلسطينية، وعلى المشروع الوطني. احتواء هذه التداعيات وتحويلها إلى قوة دفع حقيقية باتجاه العودة إلى الوحدة الوطنية الفلسطينية، يستلزم مشاركة كافة الفصائل الفلسطينية في المصير الفلسطيني هذا أولاً. ثانياً: إن الأجواء الشعبية العربية تعصف بالتغيير الثوري، أُنجز بعضها، والأخرى على طريق الإنجاز وإن امتدت لفترات أطول. هذه التغييرات هي قوة إضافية للفعل الفلسطيني في مختلف المجالات، وهي إضافة نوعية جديدة يمكن استغلالها في دفع النضال الوطني الفلسطيني، خطوات حقيقية إلى الأمام، وهذا يفتح آفاقاً جديدة للتلاحم بين الخاص الوطني والعام القومي، بالشكل الذي يرتقي بهذا الخاص شكلاً ومضموناً، ويعزز العام من حيث مراكمة إنجازات جديدة تضاف إلى المجالين، بكلام آخر هو انتصار للخاص وللعام أيضاً.

ثالثاً: لقد اتخذت الجبهة الشعبية قرارا بالعودة إلى حضور اجتماعات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، جاء ذلك في بيان أصدرته لجنتها المركزية في 23 ايار/مايو الحالي، هذه الخطوة هي إنجاز جديد للساحة الفلسطينية على طريق الوحدة الوطنية، التي لا يمكن تحقيقها إلاّ بمشاركة كافة الفصائل، في الاتفاق على كل قضايا الساحة الفلسطينية، سواء تعلق ذلك بآليات تطبيق المصالحة، أو في الاتفاق على كل ما يتعلق بالوضع الفلسطيني. معروف أن الجبهة الشعبية علقت عضويتها في حضور اجتماعات اللجنة التنفيذية، احتجاجاً على استمرار المفاوضات مع إسرائيل. الآن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، والاستيطان لم ولن يتوقف وفقاً لتصريحات القادة الإسرائيليين، فالفاشي ليبرمان وزير خارجية العدو، أعلن وبالفم الملآن: أن الاستيطان لن يتوقف حتى لثلاث دقائق. بالتالي فإن من المفترض أن لا تتم العودة إلى التفاوض، خاصة بعد الاشتراط الصهيوني بضرورة اعتراف الفلسطينيين (بيهودية إسرائيل). ولو قلنا جدلاً ان هذا الاعتراف سيتم (وهذا صعب) فسيتفتق ذهن نتنياهو عن شروط جديدة (على الطريقة الشايلوكية)، الأمر الذي يوضح بما لا يدع مجالاً للشك، أن الرؤية الإسرائيلية للحقوق الفلسطينية تتمحور في التالي: لا عودة للاجئين، لا قدس، لا سيادة للدولة الفلسطينية، التي هي في مضمونها ليست أكثر من حكم ذاتي هزيل على كانتونات مقطعة الأوصال، تحت مسمى: دولة.

رابعاً: لقد جاء خطاب أوباما الأخير حول الشرق الأوسط، وكذلك تصريحاته المتعددة لتقطع الشك باليقين على عقم وعبثية الرهان على المواقف الأمريكية، فتصور الرئيس الأمريكي للدولة الفلسطينية على حدود 1967 يتلخص في ما يلي: تعديل الحدود بما يلائم الأمن الإسرائيلي (وهنا ينطبق المثال القائل: الشيطان يكمن في التفاصيل) فإسرائيل قبل 67 لا يمكن الدفاع عنها وفقاً لنتنياهو، وغور الأردن يلزم الأمن الإسرائيلي، ووجود القوات العسكرية في مناطق كثيرة في الضفة الغربية، هو أحد مستلزمات الأمن الإسرائيلي، وعلى ذلك قِسْ! أيضاً فالدولة الفلسطينية وفقاً لأوباما، يجب أن تراعي الواقع الديموغرافي الجديد، أي بقاء المستوطنات والمستوطنين الإسرائيليين في أماكنهم في الضفة الغربية، ودولة منزوعة السلاح، وبلا قدس، وبلا حق عودة للاجئين. أوباما لم يتحدث عن الاستيطان وهو ملتزم بالأمن الإسرائيلي، وتفوق إسرائيل العسكري على كل جيرانها.

خامساً: إن مبدأ المشاركة الوطنية من قبل الجميع، في المصير الفلسطيني، مهمة مقدسة لاعتبارات كثيرة أخرى: عزم السلطة طرح الاعتراف بالدولة الفلسطينية على الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر القادم. إعادة بناء وإصلاح وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، وقبل كل شيء فإن الوحدة الوطنية الفلسطينية هي مطلب شعبي للفلسطينيين في الوطن وفي الشتات، وهي شرط ضروري للانتصار.’ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية