المصريون يجب ان يفتحوا افواههم

حجم الخط
0

عكيفا الدار

التقيت قبل سنتين في مقهى مزدحم بالناس على ضفة النيل الدكتورة هالة مصطفى، محررة مجلة ‘الديمقراطية’ الصادرة عن دار الأهرام للنشر. شارك في اللقاء نيسان أمدور الذي كان آنذاك نائب سفير اسرائيل في مصر. فوجئت كثيرا لان صحافية مصرية تجلس علنا مكشوفة الرأس الى دبلوماسي وصحافي اسرائيليين. أعطتني مصطفى نسخة من مقابلة صحافية أجرتها للصحيفة المصرية ‘الدستور’ اتهمت فيها النظام المصري بأنه يحتضن بإحدى يديه محمود عباس ويداعب بالاخرى حماس. ولم تصرف انتقادها لصعوبات استيعاب الرئيس مبارك في كل ما يتعلق بقواعد الديمقراطية.

قالت مصطفى انها لم تزر اسرائيل قط لان السلطات التي لا تستحسن هذا قد تضر بمصدر رزقها. وفرضت للسبب نفسه ان مُحادثتي تفضل ان أحتفظ بانتقادها لنفسي. وفاجأتني مصطفى ثانية عندما حثتني على نشر كلامها. فعلت ما طلبت وأدليت في هذا العمود الصحافي بما ورد في الحديث باختصار. وجاءت المفاجأة الاخيرة برسالة من السفارة قالت ان مصطفى تُنكر بشدة انها وجهت انتقادا الى نظام الحكم في مسمعيك. فرحت لأن نائب السفير أمدور تظاهر بأنه لا يستوعب اشارتي وبقي معنا حتى نهاية اللقاء تقريبا.

يُجسد الامر شيئا ما من الواقع المركب في مصر الحديثة؛ فمن جهة صحافية مصرية تجلد نظام الحكم بل تُشرك زميلا اسرائيليا في عدم ارتياحها لسياسة الرئيس. وهي من جهة اخرى لا تتجرأ على زيارة اسرائيل لئلا تخسر مصدر عيشها. إن مصدر العيش عند الشبان والشابات المصريين ليس مفهوما من ذات نفسه. اقترح علي نظير روسي التقيته في بكين في أواخر عهد البلاسنوست تفريقا صائبا يتعلق بنظم حكم في مرحلة انتقالية. قال إن الصينيين يسلكون سلوكا أكثر حكمة من السوفييت. ‘انهم يدركون انه يجب على النظام قبل ان يدع الناس يفتحون أفواههم أن يضمن ان يستطيعوا وضع شيء من الطعام فيها’، قال الرجل. وكان استنتاجه ان الاصلاح الديمقراطي غير المصحوب باصلاح اقتصادي مدعاة الى الفوضى.

لم ينجح مبارك في تقديم اماكن عمل لملايين الشبان المصريين. ومن جهة ثانية طلبت منه الادارات الامريكية المتعاقبة ان يلصق معايير حقوق انسان مقبولة في الغرب بمستوى العيش في العالم الثالث. إن المساعدة التي يحصل عليها أكثر من 80 مليون مصري من الولايات المتحدة أقل مما يحصل عليه سبعة ملايين اسرائيلي. في 2002 أصدرت وزارة الخارجية في ادارة بوش في صوت ضجيج مرتفع ‘مبادرة الشراكة الشرق اوسطية’ (ام.

إي.

بي.

آي). كان الصندوق يرمي الى تقديم مشاريع اقتصادية وديمقراطية للمجتمع المدني في دول الشرق الاوسط والمغرب. بحسب موقع انترنت الصندوق، خصصت الولايات المتحدة في السنين التسع التي مرت منذ ذلك الحين للمبادرة 580 مليون دولار قُسمت على 18 دولة.

مع ذلك يبدو ان الامريكيين أدركوا انه بازاء قيود توريد الدقيق، عليهم ان يغضوا أعينهم عن تشويه نظرية الديمقراطية في المنطقة. فقبل ثلاثة اشهر فقط نشرت وزارة الخارجية الامريكية التقرير عن وضع حقوق الانسان في العالم لسنة 2009. ويشبه الفصل عن مصر في شدته تلك الفصول التي سبقته، ولم يعق هذا الرئيس الديمقراطي باراك اوباما عن أن يتوج مبارك مع انقضاء لقاء في البيت الابيض في آب (أغسطس) 2009 بأنه ‘زعيم ومُشير وصديق’. لولا الجماهير التي خرجت الى الشوارع وزعزعت البورصات لانتقلت الصداقة الامريكية بالوراثة الى جمال مبارك. اليكم مختارات من مقاطع التقرير: ‘اعتقلت اجهزة الأمن مواطنين اعتقالا تعسفيا، وفي بعض الحالات لدوافع سياسية، وأبقتهم في السجون فترات طويلة بلا محاكمة… استعملت السلطة التنفيذية الرقابة والضغط على السلطة القضائية… بقيت نظرة الحكومة الى حرية التجمع والاعتقاد ضئيلة… تقيد الحكومة حرية التعبير باستعمال القوة والرقابة والاعتقالات… أغلقت الحكومة مواقع انترنت واعتقلت مُستعمليها… يُطلب من مقاهي الانترنت ان تسجل التفاصيل الشخصية لكل مُستعمل’. الى جانب هذه الأنباء السيئة، أبلغت وزارة الخارجية الامريكية عن علاقة أقل تسامحا بمظاهرات غير عنيفة وبانتقاد نظام الحكم بل حتى انتقاد الرئيس في الصحف المستقلة. ينبغي فقط ألا نشتاق الى مبارك.

هآرتس 1/2/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية