المصري للمصري كالآخر المتربص!
سيد ضيف اللهالمصري للمصري كالآخر المتربص! ثمة مؤشرات ظهرت في المجتمع المصري في الآونة الأخيرة توضح أن هناك حالة من الاحتقان الطائفي لا يمكن تجاهلها، وأنها لا تقل خطورة عما أصاب المجتمع المصري من كوارث طبيعية أنفلونزا الطيور أو كوارث بشرية عبارة السلام 98 ان لم تكن هي الأخطر.ومن هذه المؤشرات تورط الأمن في عدد من الحوادث الطائفية التي جرت خلال خريف 2005 وشتاء هذا العام، مثلما حدث في أحداث العنف بمحرم بك بالاسكندرية احتجاجا علي عرض مسرحية باحدي الكنائس قيل انها أساءت للمسلمين، ثم اعادة فتح ملف اختفاء الفتيات المسيحيات بقوة عقب اهتمام الرئيس مبارك بحالتي الفتاتين كريستيان وماريان اللتين عرضت والدتهما حكاية غيابهما منذ سنوات في برنامج الحقيقة الذي يقدمه وائل الابراشي، ثم الكشف عن حكاية كفر سلامة التابعة لمنيا القمح بمحافظة الشرقية، حيث تمت تنحية القانون في قضية قتل مسيحي لمسلم وتم عقد مجلس صلح كشفت بنوده عن تورط السلطة التنفيذية في ما يكاد يعد جريمة تطهير عرقي مورست ضد عائلة القاتل المسيحي، ثم أخيرا حادث قرية العديسات حيث تجمهر المئات لهدم كنيسة لعدم الحصول علي ترخيص بناء، ولا نود أن نعرض تلك لأحداث بروايتين مختلفتين لتأكيد وترجيح رواية علي أخري، فالغرض هنا أن نطرح السؤال التالي: هل تختلف حالة الاحتقان الطائفي هذه الأيام عن ازمة العنف الطائفي، التي عانت منها مصر في منتصف الثمانينيات وأوائل التسعينيات؟ واذا كان المجتمع المصري قد نجح في ذلك الوقت في التصدي لموجة العنف الطائفي التي صاحبت صعود موجة الارهاب في مصر، فما الذي يجعل حالة الاحتقان الطائفي في مصر تعود لتدق ناقوس الخطر؟يختلف الوضع الحالي لحالة الاحتقان الطائفي في مصر عن نظيره في الثمانينيات والتسعينيات في أمر هام، وهو أن النظام المصري ليس في حالة صدام مع جماعة دينية عنيفة تقوم علي فكرة تكفير المجتمع، وبالتالي تسعي للخروج علي نظام الحكم.. الخ، وانما واقع الحال، أن النظام المصري في حالة تقاسم للبرلمان مع جماعة الاخوان المسلمين المحظورة قانونا!!الأمر الثاني: أنه لم يكن في الثمانينيات والتسعينيات أي حديث يذكر عن اصلاح سياسي أو ضغوط دولية من أجل تحقيق ذلك، فضلا عن عدم وجود تجارب ناجحة لادماج الاسلاميين في السلطة.الأمر الثالث: أن النظام الدولي الحالي فض بكارة سيادة الدول ، ولم تعد هناك دولة بمنأي عن تعرية عوراتها أمام العالم، عن حق كان أو عن باطل.وهذا يجعلنا نتصور أن التعامل مع الاحتقان الطائفي في مصر هذه الأيام ينبغي أن يختلف جذريا عن الماضي، فلا مجال لستر عورة، ولا مجال لهيمنة المنطق الأمني علي مسألة وطنية بهذه الخطورة، ولا مجال للمزايدة بالشعارات الوطنية علي منطق العقل.يحاول النظام المصري الحالي أن يتعامل مع المسألة بطريقة مختلفة، فكان أن أصدر الرئيس مبارك قراره بتيسير بناء الكنائس، بينما كان رد فعله علي طلب المرحوم فرج فودة بالغاء الخط الهمايوني في اجتماعه مع الكتاب في افتتاح معرض القاهرة للكتاب في كانون الثاني (يناير) 1990، هو المفاجأة مما يسمع، ثم استيضاح الأمر، ثم الرد: ليس هذا وقته، لأنه من جهــــة يهيج المتطرفين، ولأنه من الناحية العملية يتم بناء الكنائس المطلوبة، ولا نتأخر في اصدار الترخيص بذلك (غالي شكري، الأقباط في وطن متغير، ص 188).ويحاول الاخوان المسلمون أن ينشروا أحاديث الطمأنينة بين الأقباط، لدرجة اعلانهم الاستعداد لترشيح ألف قبطي في الانتخابات المحلية القادمة، بينما كانوا مع بزوغ التسعينيات ينشرون في مجلتهم الدعوة اجابة علي سؤال قارئ عن حكم بناء الكنائس في ديار الاسلام ما نصه: حكم بناء الكنائس في ديار الاسلام علي ثلاثة أقسام: الأول: بلاد أحدثها المسلمون وأقاموها كالمعــــادي والعاشر مــــن رمضان وحلوان.. وهذه البلاد وأمثالها لا يجوز فيها احداث كنيــــسة ولا بــــيعة ـ والثاني ـ ما فتحه المسلمون من البلاد بالقوة كالاسكندرية بمصر والقسطنطينية بتركيا فهذه أيضــــا لا يجوز بناء هذه الأشياء فيها وبعض العلماء قال بوجوب الهدم لأنها بلاد مملوكة للمسلـــمين.. والقسم الثالث: ما فتح صلحا بين المسلمين وبين سكانه، والمختار هو ابقاء ما وجد بها من كنائس وبيع علي ما هي عليه في وقت الفتح ومنع واعادة ما هدم منها، وهو رأي الشافعي وأحمد الا اذا اشترطوا في عقد الصلح مع الامام اقامتها فعهدهم الي أن يكثر المسلمون علي البلد.وواضح أنه لا يجوز احداث كنيسة في دار الاسلام، يقول صلي الله عليه وسلم: لا تبني الكنيسة في الاسلام ولا يجدد ما خرب منها المغني ج8 (مجلة الدعوة – عدد كانون الاول ـ ديسمبر 1980 ـ ص 40).ليس من المهم في هذا الصدد التشكيك في جدية التحولات في المواقف، اذا كان ذلك يمكن أن يعد من باب سوء الظن، والتفتيش في الصدور، واستنطاق المسكوت عنه، سواء كان هذا المسكوت عنه في شكل ضغوط دولية يتعرض لها النظام المصري فيمــــا يتعلق بالملف القبطي، أو تكتيك اخواني مرحلي.وعدم أهمية هذا التشكيك يرجع من ناحية للحاجة الماسة لتصديق تلك التحولات في المعالجة عند طيف واسع من المواطنين المصريين المهمومين بما يعانيه وطنهم من احتقان طائفي ومن ناحية ثانية بأن هناك من هذا التشكيك في التحولات، وهو التأكيد علي أن مردود هذه التحولات سواء لدي الاخوان أو عند النظام المصري علي حالة الاحتقان الطائفي في المجتمع المصري يساوي صفرا، بما يعني أن المطلوب يفوق بكثير ما تم تقديمه في هذا الصدد.ان المطلوب هو الكف عن القفز علي المتناقضات، والتناقض الأساسي الذي قفزنا عليه علي مر النصف الثاني من القرن العشرين هو تناقض النخبة/ القاعدة فتوهم نا سواء كنا من مثقفي السلطة أو من مثقفي المعارضة أن أحاديثنا عن المواطنة والديمقراطية والمشاركة والتسامح والحداثة، قد رسخت في وجدان الناس وأزاحت من قلوبهم أركان عالمهم القديم المتمثلة في العصبية والتعصب الديني، والخرافة.. الخ. لكن للأسف استيقظ بعضنا من سباته علي كارثة، وهي أن التعليم والاعلام، بل وجل الأحزاب السياسية، كانت في خدمة الأصولية والطائفية علي مر خمسين عاما أجهضت خلالها أية محاولة حقيقية للاستنارة.ہ باحث وكاتب مصري8