رغم غيابه عن الساحة الأدبية لما يزيد عن العشرين عاما، بعد بدايات جيدة وأعمال حققت نجاحا ملحوظا في تسعينيات القرن الماضي: رواية «مطارح حط الطير»، ومجموعتان قصصيتان هما «غوايات الظل» و«مدائن البدء»، وترجمة رفيعة لكتاب الإيطالي الشهير إمبرتو إيكو «التأويل والتأويل المفرط»، يعود ناصر الحلواني، مجددا إلى دائرة الأدب بعدد من الأعمال والترجمات، مبرهنا أن الكاتب الحقيقي لا يستطيع الابتعاد عن هذا الحقل المغوي، إلا إذا نضبت موهبته، ولم تعد الكتابة مرجعية وجودية لأحلامه، وطموحاته.
من بين هذه الأعمال التي دفع بها إلى النشر مجموعة قصص قصيرة جدا تحت عنوان «لحظات». توقفنا عندها، لمطالعة هذه التجربة الجديدة، المنسوجة بلغة فريدة، تتجاوز اللغة التداولية، التقليدية، التي تقضي على وهج الإبداع، ولا تعمل على رفع المستوى الجمالي للكتابة.
تعتمد القصة القصيرة جدا على الخبرة العميقة، والمهارة الأسلوبية، والحس الشعري الفائق تحديدا؛ فهي تعمل على تكتيكات السرد ذاتها: السرد، الوصف، الحوار، الزمان، المكان. لكن بمقادير معينة، تلتزم الحرص والدقة البالغة في استخداماتها. تجرب أحيانا التجريد الفلسفي، وقد تقترب من قصيدة النثر أحيانا أخرى، لكن ما ينقذها من السقوط هو عنصر المفارقة، والخاتمة المدهشة، وربما أطاح بفنيتها كاتب ضحل الموهبة وحولها إلى خاطرة أو هذيانات تفتقر إلى المعنى. وهي جنس أدبي أغرى كتابا بحجم بورخيس وهمنغواي وتشيكوف وكتابا آخرين على التجريب فيه، مبدعين نصوصا أخذت مكانها في الذاكرة الأدبية.
رغم تطور هذا النوع عند كتاب الغرب وأمريكا اللاتينية، إلا أن ثمة جذورا واضحة له في التراث العربي القديم توقف عندها د. يوسف حطيني، مشيرا إليها في دراسته النقدية «القصة القصيرة جدا بين النظرية والتطبيق» محددا وجودها في الأخبار والحكايات والطرائف والشذرات والأكاذيب والمنامات والمقامات.
على أي حال، لم يحسم حتى كتابة هذه السطور الشكل النهائي لهذا النوع الأدبي، فهو في حالة سيولة وتطور مستمرين، مثل بقية الأجناس الأدبية الأخرى. رغم المساحة الضيقة التي يتم فيها إنشاء نص قصير جدا، إلا أن شرط نجاحه أن يكون شديد التكثيف، محكما، بالغ الدلالة، يعتمد منشئه على المهارة الفنية. فالقصة الجيدة تجعلك تعيش تحت تأثيرات سحرية، وتضامن فوري مع المضمر داخلها. يقول الكاتب الغواتيمالي أوغستو مونتيروسُو، صاحب أشهر قصة قصيرة جدا في العصر الحديث وهي «وعندما استيقظ، كان الديناصور ما يزال بجانبه»، يقول ناصحا: على الكاتب أن يتعلم لا كيف يكتب، بل كيف يعبر ويصور. وهذا صحيح جدا في عالم الإبداع.
من هنا وعبر الخبرة العميقة للكاتب تأتي هذه المجموعة، ليجمع فيها الحكائي والشعري والتأملي، متمردا على الإنشاء التقريري، منغمسا في موسيقى اللغة. يقول في قصة «رجوع»: «عاد، ببدن تعلق به رائحة الحرب، وملابس تحمل خرائط دم جاف، وصدر مشحون بدخان الحرائق، ورأس يحوي فراغا هائلا، تسكنه رصاصة».
تشكيل للحزن، رسم لوحة مريرة لعودة مثقلة بالهزائم والأحداث الجسام. إنها الحرب، أو حياة تشبه الحرب، خلفت جراحا دامية، غير قابلة للنسيان. سطور ثلاثة مشحونة بصخب وضجيج، فالكاتب يستعير من الحياة أشد لحظاتها قسوة، مستمدا من العالم وحشيته الكابية. إنها القصة القصيرة جدا عندما تقول كل شيء بأقل عدد من الكلمات، محققة شرط وجودها عبر حكاية تعتمد الإيجاز والتكثيف.
وفي قصة «غبار» محتفظا بنبرته السابقة: «بيت قديم، تسكنه أجيال، ومرآة عتيقة، لا تعكس صور العابرين فيها، ولا ترى غير غبار الزمن الذي تثيره أرواحهم».
استلهام الماضي، تذكّر الصور، نوستالجيا، وحنين مضن لبشر مضوا، صاروا أشباحا هائمة، لكن الحس الجنائزي يبدد الذكرى، يثقلها بالمرارة. فلم يعد هناك ما يساعد على الصمود في هذه الحياة دون ألم! إنه يجلس لاصطياد الذكريات، محاولا الإمساك بمشهد أو حدث، أو كلمة عابرة، لينشئ نصا قد يساعده على التطهر من ذكراه.
وفي قصة «قنص ليلي»، يدلي بما يشبه اعترافا صغيرا: «في الليل، أنفرد بنفسي، أغلق العالم من حولي، أطفال النجوم، أقصد كل مسارات الريح، ومجاري الأنهار». ويواصل: «أهدهد البحر ليكف عن هدره، أقبع فيما بقي لي من فراغ ليلي وفي صدري تفور حشود من خيال، وأسراب من حروف متألقة، ترعى حقول البلاغة في أرضي».
يحدد الخطوات، والساعات التي ينشط فيها الخيال الخلاق، والمزاج الخاص الذي يكون جاهزا للعمل وفقا لهذا الطقس المدهش، مستلهما الأفكار والمجازات والرؤى.
ما يلفت النظر في هذه النصوص هو ابتعاد ناصر الحلواني عن كل ما يشوش ويعيق تدفق هذا النوع الأدبي ويدمر نقاءه، فهو يعلم جيدا الفروق التي قد تجعله يقع في الخلط ما بين كتابة الومضة أو الخاطرة أو قصيدة النثر، وكتابة القصة القصيرة جدا، حيث هي حكاية تصبو إلى الدقة البالغة، وتقليص مساحة الوصف إلى أقصى درجة حتى لا يُلتهم السرد في هذه المساحة الصغيرة، والاقتصاد الفني المدروس؛ الذي ينتج الدلالة والمعنى على نحو لا يخطئه القارئ الحصيف وهو يستشعر الطاقة التعبيرية للنص.
ما زال الكاتب يتمسك بالكلمة، فهي دليل وجوده على هذه الأرض، وسر تواصله مع الحياة: «كان عليه أن يكتب قصة جديدة كل ليلة، ليحرز عندهم سببا لوجوده يوما آخر». من هؤلاء الذي يعنيهم، لا أحد يعلم، لكنهم يجبرونه على مغالبة الذات حتى لا تتخاذل أمام هذا التحدي، ثمة انزياح من المجاز إلى ما يشبه الواقع يبدو واضحا في هذا النص، وتحديدا مع العنوان الدال: «بقاء». أغلب القصص تغلب عليها الجملة الفعلية التي تحرك الحدث، ولا تقف بالنص صامتا، ساكنا، مفتقرا إلى الحركة، حتى لو جاءت في سطور قليلة، فالحركة والتشويق عنصران لا غنى عنهما في أي فعل إبداعي.
لدراسة ناصر الحلواني الفلسفة صدى واضح، نراه وهو يحاول الاقتراب من ماهية الزمن، ذلك المجهول، الذي يحتوي العالم ويسيطر عليه، دون الإمساك بشيء محسوس منه، فهو المكون الرئيس للتاريخ، الماضي والحاضر والمستقبل، وعاء غير مرئي يشكل حياتنا، بضربة خيال جامح في قصة «زمن» يحاول الوصول إلى مكان لا يصله الزمن: «هكذا، وجده أخيرا، مكان لا يصله الزمن. فيه لا يدري في أي ساعات اليوم هو، بل لا يعرف حتى أن كان الوقت ليلا أم نهارا. وفي قلب هذا الفضاء الخاوي من الزمن، وضع فراشه البسيط، واستلقى».
ثمة نزوع إلى الهروب من العالم إلى المكان الذي لا يخضع لسلطان الزمن، حيث لا يمكن العثور على شفراته، إنه لا يدري إن كان الوقت ليلا ام نهارا، مما جعله يضع فراشه البسيط في هذا الفضاء الخاوي مستسلما، فالأمر في غاية التعقيد، هروب من المجهول إلى المجهول، وعدم الوصول إلى إجابة محددة. ربما كان يتحدث عن الموت؛ فهو الحقيقة المؤكدة في هذا الوجود، وهو أيضا خروج من الزمن. أشياء كثيرة محاطة بالغموض في هذا الكون، تجهد من يحاول الكشف عنها ولو عن طريق بعض الصيغ الرمزية. يستطرد الكاتب: «وجهه إلى جهة غير الأرض التي أراح ظهره عليها. وقر ساكنا، محدقا في لا شيء، مفكرا في لا شيء».
على الجانب الآخر يحاول الكاتب التنقيب عن الجانب الإنساني في التفاصيل الصغيرة. هناك جرح نازف، يُلاحظ تنقله من قصة إلى أخرى، عبر النبرة الأسيانة، والشعور المضني بالاغتراب والإزاحة: «بعد غربة سحيقة رجع، لم يسألوه عن زمن غيابه، نثروا ترحيبهم عند بابه، ثم أزاحوا ما بقي من تاريخه عن ذاكرتهم».
حتى رفيق عزلته، أناه المعذبة، تركه وهرب، يقول في قصة «رفيق»: «كان له صديق في كل مرآة، لا يفتقده أبدا، حتى حين يعبر سريعا أمامها، هرم معه، وذات يوم، طاف على كل المرايا، فلم يجده».
لسنا أمام «لحظات» من الخسارات، بل نحن أمام عالم كامل من الخسارات، تم تشذيره، وتقطيره، حيث انعكست آلامه، وفرضت وجودها على كثير من نصوص المجموعة، عن طريق المناجاة، الشكوى، التطهر، والرفض لهذه الوضعية المؤلمة، التي لا يمكن التعايش معها دون كمد واحتراق نفسي. فهي كتابة توليدية، شديدة الحساسية، عاينت كثيرا من التجارب، وتعايشت، على مضض، مع أجواء كابوسية، يكتنفها الغموض والإبهام في بعض الأحيان. فهذا البطل الذي يتنقل عبر النصوص لم يستطع الخروج بتفسير واحد لهواجسه. كل ما كان يصبو إليه هو الوجود في عالم أفضل، تتحقق فيه شروط إنسانية أكثر سموا، أكثر رحابة، وعالم يفسح الطريق لإنسان يتطلع إلى الانعتاق من أسر مكابدة الألم، ولكن يبدو أن الإبداع لا يتوقف إلا أمام الحيوات الدراماتيكية، وشخصية البطل المأزوم، متعدد الوجوه، المثقل بالإدراك المؤلم لواقعه ومعاناته.
ناصر الحلواني: «لحظات»
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2021
135 صفحة.