كي نفهم المصلحة المصرية في الضلوع في مساعي الوساطة الفلسطينية الداخلية وفي الرغبة في التوصل إلى تسوية في قطاع غزة، يجب التمعن بدقة على محور الزمن بهامش المصالح المصرية. فالتسوية في غزة، كما تجدر الإشارة، ستمنع جولة عسكرية أخرى بين إسرائيل وحماس تلحق دمارًا وخرابًا آخرين على السكان الفلسطينيين الذين يجثمون على أي حال تحت الوضع الإنساني الأصعب، ويعانون من نقص خطير في المياه الدافقة، والمنتجات الغذائية، وتوريد الكهرباء المنتظم والخدمات الصحية والتعليمية.
ترغب مصر في أن تستعيد مكانتها كدولة رائدة بين الدول العربية السنية وكقوة عظمى إقليمية، تلك المكانة التي نزعت منها في أعقاب أحداث الربيع العربي والانقلابات في مصر، ما أدى إلى الإطاحة بمبارك، وبعد ذلك الانقلاب العسكري الذي نفذه الرئيس القائم السيسي ضد الرئيس المنتخب في حينه محمد مرسي، رجل الإخوان المسلمين.
نظر المصريون بعيون تعبة كيف تحتل الرياض مكان القاهرة كمركز الدول العربية السنية، وكيف أن طهران تتموضع في كل قسم من الشرق الأوسط العالق في النزاعات. إضافة إلى ذلك، وإلى جانب انهيار داعش في العراق وفي سوريا، فقد تعزز وتعاظم فرع التنظيم الإرهابي المتطرف في شبه جزيرة سيناء. ولكن الرئيس السيسي، الذي يدير حرب إبادة ضد داعش ومنظمات الإرهاب الإسلامية المتطرفة في سيناء، بل ويحقق في ذلك نجاحًا نسبيًا، وبقدر كبير بفضل العلاقات الأمنية مع إسرائيل، التي توجد في وضع جيد للغاية منذ التوقيع على اتفاقات السلام مع الدولتين ـ يعيد إلى القاهرة رويدًا رويدًا مكانتها كقوة عظمى إقليمية. والدليل هو أنه رغم المغازلات من جانب طهران، ففي غزة لا يزالون يفضلون الدور المصري في حل النزاع الفلسطيني الداخلي، بل وفي المسائل المتعلقة بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وعلى رأسها التهدئة والتسوية في غزة.
كان يتعين على أحد ما أن يوضب الحال في المعضلة الفلسطينية الداخلية، ما أدى بأبو مازن إلى أن يفرض المزيد فالمزيد من العقوبات الاقتصادية على حماس وعلى سكان غزة، والذين ـ ردًا على ذلك ـ وجهوا الضغط نحو إسرائيل. تتم هذه الخطوة ليس لأن حماس تحاول تحقيق إنجازات عسكرية، بل في صالح إنجازات سياسية تؤدي إلى التخفيف عن السكان في غزة وتمنع الاضطرابات في أوساط الجمهور الفلسطيني.
لقد كلف الرئيس المصري رجال المخابرات العامة في مصر، برئاسة عباس كامل، العمل في المسألة الغزية. ولاحظت المخابرات المصرية رغبة حماس في تحقيق إنجازات سياسية، وإلى جانب العلاقات الأمنية الطيبة مع إسرائيل، نجح في أن يمنع جولة عسكرية أخرى في القطاع رغم الاستفزازات المتكررة من جانب حماس والفصائل الفلسطينية والعدد المتصاعد للقتلى الفلسطينيين على الجدار في التظاهرات في كل أسبوع.
لقد كانت فرضية المصريين هي تجاوز مسألة النزاع الفلسطيني الداخلي ومحاولة تحقيق تهدئة واستقرار للوضع في الميدان أولًا. ولكن أبو مازن لم يوافق على ذلك، والرسالة التي نقلها للمصريين، لإسرائيل وللدول العربية، كانت ـ إنكم تجرون اتصالات مع حماس وكأنها صاحبة السيادة في غزة؟ تفضلوا، فلتدفع حماس الرواتب أيضًا. أما المصريون، الذين خافوا من مزيد من العقوبات من أبو مازن على غزة، فعرقلوا الخطة التي وضعتها المخابرات العامة.
كما أسلفنا، تتطلع مصر إلى العودة إلى مكانتها كقوة عظمى إقليمية وحفظ هذه المكانة، فمسائل غزة والنزاع الفلسطيني الداخلي مهمة لهامش المصالح المصرية. السيناريو المتفائل هو أنه طالما يواصل المصريون التدخل في الاتصالات للتسوية في غزة وفي تنفيذ اتفاق المصالحة الفلسطينية الداخلية، ستُمنع جولة عسكرية أخرى بين إسرائيل وحماس. أما السيناريو المتشائم فهو أن تقرر مصر سحب يدها من المسألة الفلسطينية الداخلية والتعمق في شؤونها الأمنية الداخلية، وعندها يكون اندلاع المواجهة العسكرية في غزة محتمًا.
دانييل سريوتي
إسرائيل اليوم 7/10/2018