من يعرف الحياة اليومية في الحرم كان سيكون مصدوما من مشهد أمس. عشرات حراس الأوقاف الإسلامية الذين كانوا يتجولون هناك بشكل دائم ويرافقون المجموعات اليهودية بشكل عدائي، اختفوا من المكان واختفى معهم مئات المصلين المسلمين والطلاب وعمال النظافة والنساء العجائز اللواتي تواجدن هناك بشكل دائم. الحرم بدا مهجورا باستثناء مجموعات صغيرة من الزوار اليهود، ولم يكن في الحرم اثناء هذه الزيارة أكثر من عشرة مسلمين، معظمهم كما يبدو سياح من دول إسلامية. مسؤولو الاوقاف الذين قرروا أول أمس الطلب من الجمهور عدم الدخول إلى الحرم من خلال كاشف المعادن وفي ظل الشروط الجديدة للشرطة، انتصروا أمس انتصارا حقيقيا: الانضباط لهذا الطلب كان كاملا ومطلقا. ونشأ في البوابات الضغط الاجتماعي الذي يطلب عدم الدخول. باب الأسباط الذي اصبح موقع الاحتجاج الاساسي، يتجمع أمامه في وقت الصلاة عشرات المصلين. وقبل وبعد الصلاة تحدث احتكاكات مع الشرطة، لكن لم تسجل احداث استثنائية. ولكن الجميع يعبرون عن القلق من استمرار هذا الوضع: «البحر الهاديء يجب الحذر منه، الهدوء الذي يخيف»، قال أمس فلسطيني من سكان العيسوية.
في الوقت الحالي يتمترس الطرفان خلف مواقفهما. أمس أعلنت الاوقاف من جديد رفضها لاعادة الوضع إلى سابق عهده طالما أن الدخول إلى الحرم يستوجب الفحص. قائد شرطة القدس يورام هليفي من ناحيته أكد أنه لا يوجد تغيير في السياسة، وأن الاجهزة ستبقى في مكانها. «سيفهمون مع مرور الوقت أن الامر ليس سيئا إلى هذه الدرجة، ولا يجب القلق منه»، قال في «صوت الجيش». والطرفان يعرفان ايضا أن خروج الحرم من تحت سيطرة المسلمين هو أمر لا يمكن تحمله وهو قابل للاشتعال. والصور التي تم بثها أمس لليهود الذين يزورون الحرم كانت الامر الذي تريد الشرطة حدوثه في هذه الازمة. لذلك شددت الشرطة أمس على منع الصلاة أو القيام بالطقوس اليهودية في الحرم، وهذا خلافا لارادة أمناء الهيكل. الصور من الحرم تؤكد على نظرية المؤامرة التي تقول إن الهدف الحقيقي للشرطة هو تغيير الوضع الراهن في الحرم لصالح أمناء جبل الهيكل. وهو مرحلة اولى لهدم المساجد وبناء الهيكل.
يدرك الطرفان ايضا أن هذه الازمة يجب حلها قبل يوم الجمعة القادم، حيث سيصل عشرات آلاف المسلمين إلى صلاة الجمعة الذين سيرفضون الدخول، الامر سيؤدي إلى احداث عنيفة وشغب، وهي الاحداث التي انخفضت في السنة الماضية في القدس.
تفاصيل التحقيق في العملية لم تنشر بعد. والسؤال الهام هو هل السلاح الذي استخدمه المخربون تم تهريبه إلى الحرم، أو أنه تم ادخاله قبل العملية بوقت قصير. فلسطينيون كثيرون يوافقون على أن ادخال السلاح إلى الحرم هو أمر خاطيء ومناقض للدين، ويؤكدون على أنه خلال الخمسين سنة من الصراع الفلسطيني ضد الاحتلال في القدس لم يحدث أمر كهذا، وهم يتهمون الموساد الإسرائيلي بالقيام بتحريض داعش. عمليات التفتيش التي اجرتها الشرطة في الحرم خلال يومين تم ايجاد سلاح حقيقي. الصور التي نشرت في الشبكات الاجتماعية تظهر عددا من السكاكين والمطارق وبندقيتان دمية من البلاستيك وصندوق من الرصاص المطاطي كانت الشرطة نسيته في الحرم. هذا السلاح يؤكد ادعاء الأوقاف بأن الموقع ليس بؤرة إرهاب، كما يقول السياسيون من اليمين. الحديث يدور عن مساحة تبلغ 144 دونم مع عشرات المباني و10 ملايين زائر في كل سنة، دون رقابة امنية إسرائيلية تقريبا. ورغم ذلك فإن كمية «السلاح» الموجودة في هذا المكان تشبه كمية السلاح في مطبخ البيت أو مخزن الأدوات.
يمكن رغم ذلك تفهم طلب الشرطة واستغلالها للعملية الاخيرة من اجل زيادة السيطرة الامنية في الحرم. جهات فلسطينية قالت أمس إنه في المفاوضات مع الأوقاف ومع الاردن، يمكن التوصل إلى تفاهمات حول تشديد الفحص الامني. قبل ثلاثة اشهر في مقابلة مع الصحيفة طلب رئيس الاوقاف، الشيخ عزام الخطيب، من إسرائيل التفاوض مع الاوقاف من اجل تحسين الترتيبات في الحرم، بل وتمكين دخول الإسرائيليين إلى المساجد، الامر الذي تم منعه في العام 2000. ولكن هذه الدعوة لم يستجب لها.
الشرطة تؤكد على أن هناك ةجهزة كاشفة للمعادن في مدخل حائط المبكى. ولكن هناك فروق كثيرة بين الحرم وبين المجمع التجاري، يجب ابرازها.
أولا، عند صلاة اليهود في حائط المبكى ووصول الآلاف منهم يعبرون بدون فحص. وفي الحرم يكون العدد ةيضا بالآلاف في ايام الجمعة. ثانيا، صلاة المسلمين تتم في اوقات معينة خلال اليوم، الامر الذي يعني أن الجميع يصلون إلى الابواب في نفس الوقت، الامر الذي يتسبب بضغط كبير واحتكاك مع الشرطة. ثالثا، المصلون في الحرم، خلافا للزبائن في المجمع التجاري والمصلين في حائط المبكى يعتبرون أن جهاز كشف المعادن هو أداة اخرى من اجل السيطرة العدائية والمهينة، ولبنة اخرى من لبنات الاحتلال. هذا الجهاز بالنسبة للفلسطينيين لا يعمل على حماية الحرم، بل يضر به.
بعد صلاة المغرب أمس زاد التوتر في باب الاسباط. عشرات الفلسطينيين قاموا بالاحتكاك مع رجال الشرطة حيث أصيب ثلاثة اشخاص من بينهم السياسي الفلسطيني مصطفى البرغوثي. الغضب في الشبكات الاجتماعية تزايد وحركة فتح دعت إلى يوم شعبي اليوم. «ستحدث هنا حرب في يوم الجمعة»، قال أحد اصحاب المحلات في البلدة القديمة أمس.
هآرتس 18/7/2017