«الصور الفوتوغرافية الفاعلة في أثرها الجمالي لا تحققها قيمة شيئياتها الكبيرة، بل تنشأ من معادلة دلالاتها البصرية».
يكفي أن يحفر المصور في سطحيات الواقع ليعثر على التقاطات كنوزية مليئة بالسرديات المسكوت عنها بصريا، شريطة أن تواجهها عدسة واعية قادرة على اقتفاء الأثر الدلالي فيه وتتمكن من تشكيله جماليا لإنتاج قيمة بصرية تحقق محتوى فاعل بجودة عالية.
هذا ما عثرنا عليه في قراءتنا لأحد أعمال المصور المغترب إحسان الجيزاني الذي يتأصّل غرسها من جذور وهواجس عراقية. كما في هذا العمل الذي تمكن فيه من القبض على لقية مكانية زخرت شيئيتها بعدة دلالات معرفية كبيرة، ولم يشأ أن يترك عدسته تفكك جزئياتها وتتيح له إنتاج أكثر من عمل، ولم يرغب في إجراء أي معالجة فنية فيها، بل قرر أن يتفاعل معها بأسلوب صريح وبواقعية مباشرة فذهب يستعرض بلقطة عامة سرديته البصرية كلوحة مفتوحة أمامه تعامل مع كل علاماتها في قراءة واحدة. وهي مجازفة غير محسوبة العواقب لإحكام عنصر التكوين في صورته قد تتسبب بإضاعات وخلل في توازناتها بسبب ضيق المساحة المتاحة لعدسته.
فأخذ لقطة عامة بالقدر المتاح لعدسته ليزيح الستارة عن مشهد مسرحي انكشف عن ديكور واقعي تربعت فيه بحضور مهيمن منحوتة مكانية قديمة تشكلت من خشب الصاج بلون برونزي وظهرت آثار التعب واضحة في جسدها رغم زهو قوامها وكبرياء شموخها الذي حافظ مناخها الزخرفي على إبرازه.
هذه الهيمنة لمساحة هذه اللقية المكانية التي احتلت إنشائية الصورة لم يرغب الجيزاني في تسويقها لنا بعنوان دالتها الصريحة رغم واقعيتها بل أراد أن يتخذها كعلامة تنتج له بعدا تعبيريا أبعد من حدود عنوانها الظاهري وراح ينشئ علاقات موجعة لدلالتها مقارنة بعلامة وطنه المتعبة كدالة رمزية موجزة في صورته «الدار- الوطن».
ويبتدئ مشروع اشتغاله بالتركيز على دكانة صغيرة سميت باسم صاحبها وراح ينتج منها أول علاقة ارتباط لمقارنتها بهيمنة دالة الدار الكبيرة فوجد فيها علامة معرفية بارزة هي المكتبة أجلسها الجيزاني وسط مشهده وحملت عنوان صاحبها ابو سلام! ليذكرنا بارتباط مكاني آخر في وسط مشهد وطنه هي عاصمته التي كانت تكنى يوما بعاصمة دار السلام!
هذه «الدار- الوطن» العظيمة التاريخ تركت جزءا فاعلا في وسط جسدها يحمل كنزا للمعرفة والعلوم والحضارة بينت آثاره مصفوفة الكتب العربية والعراقية! لتعكس دالا معرفيا يتجاوز حدود المكان يوم كانت بغداد عاصمة الحضارة الإسلامية التي ازدهرت لثلاثة قرون متصلة وأراد الجيزاني تذكيرنا بها لتظهر دالته الوسطية كالجبل الشامخ لا يعرف الانحناء وما زال يعلن وجوده بقوة رغم حجم الجراح التي أصابت بعض سفوحه، إلا أنه بقي عصيا على الانهيار، بل ما زال يحتفظ بقوة بقائه كحاضنة راسخة تظلل بكبرياء كل حجم المعرفة المتمثلة بدكانة المكتبة ورمزيتها التي تذكرنا بدالة بيت الحكمة التي تشكلت في قلب بغداد كأكبر المراكز العلمية في العالم وذاع صيتها المعرفي في الآفاق يوم كانت بغداد أم الدنيا وعاصمة الخلافة الإسلامية.
الإرث المكاني
المكتبة رغم صغر حجمها في سيميائية الأثر الكبير في عمل إحسان الجيزاني برزت كعلامة أراد أن يخبرنا بها بأن هذا الإرث المكاني القديم ليس عالما هشا بل ما زال يحتفظ بسر قوته ليحتضن الأثر المعرفي رغم ما حمله من وجع ظاهر في جسده.
الجيزاني ذلك المصور المهوس بالتوازنات في أعماله التفت إلى لقية أخرى صادمة في محفورته البصرية أراد استثمارها كدالة معززة وموازنة لغرضية استكمال بناء مشروع مضمون عمله وكي لا يتسبب بإرباك متلقيه في الاستجابة لمحتوى علامات عمله التي حققت نجاحا في ربط دالة الدار بدالة المكتبة راح يترك مقارنة أخرى أرادنا أن نتقفى أثرها بحرية دون أن يقحمنا بها عنوة، فعمد على تقسيم مشهده بين عنوانين مؤثرين في سرديته الكبيرة حافظ في جانب منها أن يبني صورة لوطنه المتمثلة بالدار التاريخية بكل إرثها وقوتها واستمرارها بالعطاء المعرفي بينما راح يترك لنا في جانب آخر من عمله تأشيرا لدالة أخرى تمثلت بعلامة حديثة لا تحمل من إرث البناء سوى حواجز حديدية وضعت أمامه كتلة كونكريتية مانعة للعبور إلى ضفتها الأخرى لتنغلق على نفسها بلا أي ديمومة للحياة والعمل والعطاء وسجل لنا عليه اسم العراق!
عالم جديد انغلقت أبوابه على كل ما هو فاعل ليترك حضورا ضعيفا وكئيبا في الصورة عكسته صبغة الصدأ التي لن تسهم رمزيته اللونية سوى بتأخير موعد إعلان الموت النهائي! قبال هيمنة وحضور لماض عريق ظهر مشرقا بعطائه رغم وهنه وتآكله. ويبدو أن إحسان أراد في اشتغاله أن يترك لنا عنوانا صريحا نذهب لنستنتجه بمقارنة دلالية لحال وطنه بين الأمس واليوم.
العلامة الإنسانية
إحسان الجيزاني كما في أغلب أعماله خلت شيئية صورته من أي حضور إنساني أو ممارسة حياتية وبدت عوالمها وكأنها هجرت وهي علامة أخرى يتركها لنا بقوة في قصدية توقيت زمنية التقاطته. فظهر شارعه مقفرا وكل مساطب ومناضد العمل هجرها أصحابها وتركت فارغة من أي أثر للحياة فيها، حتى دكانة أسواق أبو عبد الله الصفراء، أغلقت هي الأخرى رغم ما سوقته لنا من نفعيات استهلاكية ليست ذات قيمة وأجهدتنا أقيامها المستوردة لشراء السكائر والمشروبات الغازية! مع تعدد هويات ارتباط كارتات اتصالاتنا الخارجية عراقيا وآسيويا!
العلامة الإنسانية والحياتية الوحيدة التي أراد إحسان الجيزاني أن يصطحبنا لدلالتها ويتركها حاضرة بقوة في سرديته المعبرة هي دكانة مكتبة أبو سلام المعرفية! وهي العلامة الوحيدة التي احتفظت للإنسان بحضور مؤثر فيها وهو يجلس بزهو ملبسه وانشغاله في المواظبة على القراءة! أي علامة أبلغ من هذا التدليل المعرفي فصلته دلالات عناوين الآباء؟ وكأن إحسان الجيزاني يقول لنا إن الآباء بعلاماتهم النفعية في هذا الوطن صاروا كثر لكن الفاعلين فيه هم القلة!
سردية فوتوغرافية حملت مقارنات لدالات ثرية المغزى تذكرنا برمزية همنغواي عن وطن قد يتحطم لكنه عصي على الموت ويبقي إرثه شامخا لأنه أسس بمجد إنسان بنى حضارة وخط أول حروف المعرفة وأنتج تاريخا زاهرا لا يشيخ ولا ينتهي قبال صورة لوطن اريد لحاضره ان يبنى بطابوق جديد من دون ان يستند على مقومات معرفية رصينة لبناء أسسه المستقبلة فتسببت بانهياره لأنه تشكّل من طين هش لم يفخر جيدا.