المضامين الحُروفيّة والصُّوَريّة عند التشكيلي المغربي محمد البندوري

حجم الخط
0

عبر إسهامات خطية نوعية تميزت بإعادة بعث الروح وتجديد تكوين الجسد في شخصية قوام الخط المغربي، من خلال تكوينات وتقديمات لإنشاءات ورقية وجلدية متعددة، فإن الحروفي التشكيلي المغربي محمد البندوري تجاوز ذلك، ليكون ممثلا للفنون العربية عبر قياس مقدار البراعة التشكيلية التي ضمت الصورة للحرف، وألّفت بين اللون والخط، وضمنت المقاييس الجمالية الجلالية للعبارة، وسطرت أبعادا استثنائية مجددة للتعامل والتجاوب مع المعطيات «البلاستيكية» اليدوية الحديثة زمنيا، عبر تفاوت المقاربات وثراء القراءات وتفرّد المشاريع التجريبية الطلائعية المنجزة على القماش، على الكرتون، أو على الخشب، سواء كان ذلك ضمن مرحلة اختيار الفكرة، أو ضمن مرحلة إنجاز النموذج.
وهي مصنفات ميزت اعمال البندوري عبر مسار كوني من خلال مفاهيم أكاديمية وعلمية وتراثية وثقافية وفلكلورية ، لا تكاد تنهل من زاوية حتى تمر لغيرها من البنائيات. تحتفل بالحرف وتوقد شمعدانا وهيج اللون مستمدا من العمق الداخلي المغربي.

التشكيلي المغربي محمد البندوري

أفانين المصنّف الحروفي

لئن كان التفنن في رسم الحرف العربي تقنية قديمة معتادة أفلح فيها العرب والفرس والترك والتتار، فإن التوجه الذي سلكه الفنان محمد البندوري اختلف عن السّابق مستمدا اهتماماته وتناولاته من أبحاث عميقة ومطوّلة، أضافت الكثير لسجل المصنف الحروفي وتركت مواضع بصمات تدرج نوعي في تقديم التشكيلات الخطية، خاصة في اعتماد الخط المغربي الذي طوّره على طريقته، وهو خط لا يخضع لقواعد محددة كما نعلم، قابل للتغيير والحركة، لين ومطواع، انحدر حضوره أساسا من تطوير الخط الكوفي العراقي، بعد توفر الورق في بداية القرن الثامن الميلادي. ليتطوّر إلى الخط القيرواني، الذي سمي بالخط المغربي مع توجه واضح لإحداث فروقات تتأقلم مع البيئة المغربية، وتمثل قدرات خطية جديدة باعتماد تأثيرات افريقية ومحلية فلكلورية. وهي عوامل ألهمت رغبته في التجديد، بإدماج ألوان تقليدية متداولة في النسيج الثقافي الحرفي المغربي المحلي وإحداث تناغم في مقاربة تناسق السطور بين المبسوط والمجوهر، وتحويل الاستدارة وتغيير هيئة التقعير في عدد من المواد الحرفية النازلة تحت السطر على غرار الراء واللاّم والواو والياء، إضافة إلى التفنن في رسم الرموز والحركات والأشكال المختلفة وتوظيف عدد من الكلمات، ما زاد في تألق الأعمال التي وصل صداها إلى أقاصي الدنيا، عبر مشاركات في الهند كللت بتثمين التجربة. كما قام بتنظيم العديد من المعارض في أهم الأروقة في المملكة العربية السعوديّة، لكن أعماله لم تتوقف عند هذا الحدد، بل وصلت إلى أوروبا مبكرا، ووجدت مكانها داخل فضاءات فرنسية باريسية معتبرة وفي إسبانيا.

تلازم تشكيل الحرف والصورة

في تجربة فريدة تتطلب البحث العلمي الجامعي والدراية الأكاديمية الفنية والتجربة الورشية التقنية، نجح البندوري في نسج فضاءات يتأمل فيها الحرف صورته والصورة حرفها كنموذج مشروع نسيج هجين وصعب التناول والمراس، تم تطويعه لمقاييس جمالية تستمد الكثير من ثراء العنصر المحلي (التبوريدة، المعطى الأمازيغي، موسم طانطان، المشربية، اللباس التقليدي، المرأة المغربية، الفناء) وكلها أعمال سعى فيها إلى إعادة دراسة الأشكال الحروفية، ليتم إدماجها مع الأعمال الفنية الصورية، سواء التجريدية أو شبه التجريدية، مع توافر ميزة توظيف النصوص الأدبية لخدمة العمل ومزيد أبعاد البصمة الشخصية عن المألوف، ما يعطينا انطباعا بأننا أمام فنان متكامل يحسن مبدأ تلازم الفن والأدب، ويفتح زاوية نظر أخرى لا تقل أهمية عن بقية الممارسات والتطبيقات. وهو سفر النقد الأدبي والجمالي، الذي برع فيه فكَتب رؤيته «جمال الخط العربي في تقويم النص الشعري بين النقاد العرب القدامى والمحدثين» وكُتب عن رؤيته «فواكه الصرخة»

كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية