شهد الشمال ومازال فتنة متنقلة أطلت عليه بوجه بغيض وأن لبست لباس الوطنية الا انها طائفية بامتياز. تلك الطائفية التي ما دخلت بلد الا وقضت عليه، وما دخلت في أزمة الا وأصبحت هي الأزمة، فأمامها نتخلى عن كل ما هو وطني وإنساني وقومي ليصبح كل طرف رهين معتقد ما اختاره هو ولكنه فرض عليه بالوراثة وعليه احترامه وهذا من بديهيات الأمور والأحوال.
الغريب في الأمر أن هناك من اختلط عليه الأمر ولم يعد يفرق بين الإهمال والفقر وبين مرض الطائفية، لا بل انه اعتبر ان الأخيرة نتيجة لهما، وهم إذ يطالبون بحقوقهم المشروعة والمحقة فإنهم ينادون بها بنفس طائفي لا حياتي انمائي وطني بحت مما يفقد دعوتهم تلك الأولوية في برامج النواب والحكومات المتعاقبة ليصبحوا مشبوهين في الميزان الوطني، ذلك الوطن الذي يجب أن يكون هو محركهم وملجأهم لا أن يستوردوا أفكار من الخارج علها تنقذهم لتطبيقها في بلدهم وان نجحت تلك الافكار أو المعتقدات في بلدان أخرى، ولكن لكل بلد خاصيته ولكل نظام حكم وتوزيع طائفي وشعب خاصيته أيضاً.
المناطق الشمالية التي شهدت الاشتباكات الاخيرة، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة في ظل وضع مزري يعيشه الشمال بشكل عام وأبناء التبانة-جبل محسن بشكل خاص. هذا الفقر الكافر الذي اذا ما قضينا عليه قدر الإمكان فسينبت مكانه الأمن والاستقرار قدر الامكان أيضاً، لأن الحرمان والبطالة والفقر والتهميش الذي تعاني منه التبانة بشكل خاص وعموم مناطق الشمال هو الدافع الى التطرف ان وجد في ظل ‘طرش’ أصاب بعض من يعنيهم الأمر من السياسيين، والى تحول العديد من المواطنين في المطالبة بحقوقهم وواجبات الدولة تجاههم بكل ما يستطيعون وبالطريقة التي يرونها مفيدة. وما ذلك التهميش المزمن الذي أرخى بظلاله على الشمال منذ أيام الحرب الأهلية وما زال، مع مرور الكثير من الحكومات التي كان عنوانها الحجر والبشر والاصلاح والتغيير، والذي لم ينعم بأطرافه الا قلة من المواطنين خلق عند البعض التفتيش عن وسيلة أخرى لا تتنافى ودينهم لا بل هي مصدر فخر واعتزاز، ولا تتنافى ومواطنيتهم حسب ما غذى بهم بعض من كان خطابهم انتخابي شعبوي لا وطني، ولم يعرف نتيجة خطاباته التافهة تلك، التي يمكن ان تستميل البعض ببراءة وتغسل دماغهم ولكنها أبداً لا تفيد الوطن بشيء، الا بعد ان خرج المارد من قمقمه ولم يعد بمقدور من غذاه إعادته الى ذلك القمقم، ولم يعد بمقدوره أيضاً التحليق عالياً مع ذلك المارد في المطالبة بحقوقه المدنية المشروعة لان يعرف أنه غير قادر على تحقيقها اصلاً، ولا تستطيع أي حكومة الآن وفي ظل معطيات وتكوينات وزخرفات وموازين قوى محلية وإقليمية أن تحققه.
ان منطق الزعامة السياسية لكل طائفة التي حلت مكان الزعامة السياسية لكل لبنان بكل طوائفه غذت عند البعض الميل نحو التطرف الاسلامي والمسيحي، وفي ظل هاجس انتخابي عند من جلسوا على كراسيهم جعل من التطرف خطابه ليحدث بها أبناء ملته، ثم لا يلبث أن ينفيه عندما يختلي ‘لأصحابه’ من الحكام والوزراء والسفراء لا بل يهاجمه ويدعو لإزالته من النفوس والنصوص مما أوقع شارعه في مأزق كبير، فهو اسلامي أو مسيحي أكثر منهم قبل الانتخابات وخلالها، وعلماني ومعتدل بعدها، ليعود الى تطرفه حينما تدعو الحاجة رامياً التهمة على شركائه في الوطن بأنهم يحاربونهم به ويمنعونه من تنفيذ التزاماته ومشاريعه وأفكاره ومعتقداته، فيزيد الشرخ بين الطوائف بدل ان يكون دوره ‘غراء’ طائفي.
ان وهم الطائفية الذي سترتفع وتيرته كلما اقتربت الانتخابات، والذي يدعو الى التوجس من الشريك الآخر في الوطن ليخلق له حيثية خاصة وكأنه المنقذ، فهذه طائفة ينادي ربيبها بحقوق مسلوبة، وتلك طائفة تدافع عن مكتسباتها تحت اسم تحرير الاراضي المحتلة، وأخرى ترى في ‘اللعب على الحبلين’ مصدر قوتها، وطائفة مقسومة على ذاتها فطرف منها يرى في البعض بما يمتلك من امتدادات وعلاقات خارجية مصدر قوة له، والطرف الآخر يرى ايضاً في البعض الآخر بما يمتلك من قوى اقليمية مصدر قوة له، كل ذلك جعل المواطن اللبناني ينقسم على كل أمر من أصغر مشروع حتى تعيين كبير الموظفين، وجعل من المواطن عرضة لتنفيذ مآرب ومشاريع مشبوهة، ما كانت لتكون لو لم تكن تلك المطاعم الطائفية المنتشرة في كل المحافظات مفتوحة 24/24 ويا حبذا لو أغلقت جميعها ورجعنا نتقاسم رغيفنا الوطني من قمحنا الذي طحناه بعرق الجبين وبجهد الأجداد وتضحياتهم وبطولاتهم.
رضا مفلح[email protected]