القاهرة ـ «القدس العربي»: جاءت ذكرى وفاة الزعيم جمال عبد الناصر مناسبة مفعمة بالكثير من الذكريات، ليستدعي أنصاره القلاع الصناعية مترامية الأطراف التي شيدها خلال سنوات حكمه ثم ما لبثت أن باتت هدفا مستباحا للحكومات المتعاقبة على حكم البلاد، إذ جرى التخلص من بعضها في زمن الرئيس الراحل مبارك، ثم ما لبثت أن اتسعت شهية الحكومة التي يترأسها الدكتور مصطفى مدبولي في التخلص مما تبقى من كيانات اقتصادية كانت تمثل سدا منيعا للحيلولة دون استشراء البطالة والعوز باعتبارها أحد أبرز مصادر الدخل القومي.. وقد احتفى كثير من كتاب صحف أمس الأربعاء 28 سبتمبر/أيلول بذكرى الزعيم واستثمر بعضهم المناسبة لمناشدة الحكومة عدم التفريط في ما تبقى من “تركته” المتمثلة في الكيانات الصناعية العملاقة التي يطمح الإماراتيون وغيرهم من بلدان الخليج للانقضاض عليها. وتصدرت الصحف العديد من المعارك الموجهة ضد قوى المعارضة، التي تكثف من هجومها ضد السلطة، متهمة إياها بالتسبب في الأزمة الطاحنة التي ترزح تحتها الأغلبية.. ومن أخبار مؤسسة الرئاسة: صادق الرئيس السيسي، على إنابة الفريق أول محمد زكي القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والإنتاج الحربي، بزيارة ضريح الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وذلك لوضع إكليل من الزهور. ومن الأخبار العامة: واصلت وزارة الداخلية اليوم فاعليات مبادرة “كلنا واحد – هدية العروسة” لتقديم الدعم للعرائس المُقبلات على الزواج في محافظات الجمهورية كافة، وإهداء عدد من مستلزمات الزواج “ملابس – مفروشات ـ سجاد” لـ10 من العرائس المقبلات على الزواج، في كل محافظة خاصة من (ذوى الإعاقة ـ الأيتام – الأسر الأكثر احتياجا) بواقع (35) طقما لكل حالة.. ومن أخبار الحكومة: نفى المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، ما تداولته بعض صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية، بشأن صدور قرار من وزارة الصحة والسكان، بإلغاء العلاج على نفقة الدولة في محافظات الجمهورية كافة، موضحا أنّه تواصل مع وزارة الصحة والسكان، التي نفت بدورها ما تردد جملة وتفصيلا.. ومن التقارير الاقتصادية: أكد الدكتور محمد معيط وزير المالية، أن مصر استطاعت، أن تصنع إنجازا تاريخيا يُجسد تجربة رائدة في إصلاح نظام المعاشات والتأمينات الاجتماعية، ضمن مسيرة البناء والتنمية التي تُمهد لجمهورية جديدة ترتكز على توفير الحياة الكريمة، لكل المواطنين، خاصة أهالينا من كبار السن.. ومن أخبار المدارس: قال الدكتور رضا حجازي وزير التربية، إن الوزارة ستكشف مواصفات امتحانات الثانوية العامة 2023 قبل انطلاق العام الدراسي الجديد، لإتاحة الفرصة للطالب للاستعداد لها، موضحا أن الوزارة ستدرّب 5 آلاف معلم على نظام امتحانات الثانوية العامة الجديد. وأضاف حجازي، أن الوزارة أنهت جميع الاستعدادات النهائية لبداية العام الدراسي الجديد. ومن أخبار المحاكم: قررت محكمة جنح السلام تأجيل ثاني جلسات الجنحة المباشرة المقامة من أحد المحامين ضد الداعية الأزهري مبروك عطية، يتهمه فيها بازدراء الأديان إلى جلسة 26 أكتوبر/تشرين الأول المقبل لإعادة المرافعة.
ماذا سنفعل؟
لا حديث هذه الأيام كما يقر سليمان جودة في “المصري اليوم” إلا عن الديون الخارجية، ولا تجد الحكومة نفسها مدعوة إلى شيء إلا إلى ضبط الاقتراض من الخارج بأقصى ما هو ممكن، وبكل ما لديها من عزيمة.. وما أزال أذكر أن الرئيس دعا الحكومة ذات يوم إلى عدم طلب أي قرض جديد إلا بشرطين اثنين: أن نكون في حاجة حقيقية إليه، وأن نكون قادرين على سداده كاملا في موعده. وربما نكون مدعوين إلى النظر للديون الحالية من وجهة نظر مختلفة تقول، إنها تحولت في الجزء الغالب منها إلى أصول موجودة على أرضنا على امتداد الجمهورية.. هذه الأصول قد تكون في مدينة الجلالة، أو تكون شبكة هائلة من الطرق والكباري، أو تكون بنية تحتية في الكهرباء والطاقة، أو تكون أصولا في العاصمة الإدارية.. إلى آخر القائمة. نختلف بالتأكيد حول جانب من هذه الأصول، وما إذا كان أولويات أم لا؟ ولكننا لا نختلف في الغالب على أنها كلها صارت أصولا يملكها الشعب، ويجب ألا ننسى أن كل هذه الاستثمارات التي صارت أصولا لا تستطيع جهة تنفيذها سوى الدولة، ولا يمكن لمستثمر وطني أو أجنبي أن يضع فلوسه فيها.. فالمستثمر الوطني يبحث عن استثمارات من نوع آخر.. وكذلك المستثمر الأجنبي. والسبب الذي رفع حجم الديون إلى ما نعرفه هو تنفيذ المشروعات في مدى زمني قصير، وهذا لا بد من أنه رفع من سعر التكلفة، ولكن علينا أن ندرك أننا لو قررنا تأجيل تنفيذ المشروعات على اختلاف أنواعها إلى المستقبل فتكلفتها كانت ستتضاعف أكثر، بحكم ارتفاعات الأسعار التي لا تستثني سلعة واحدة. ليس هذا تبريرا للديون، ولا هو دفاع عن وصولها إلى هذا الرقم الذي يؤرق كل مصري، فقد كتبت مرارا عن أن اقتراضنا لا بد من أن يكون في أدنى حد أو لا يكون أساسا.. ولكن ما أقوله دعوة إلى النظر للموضوع من زاوية مختلفة، لأنه حتى الديون وهي تتراكم وتصل إلى ما وصلت إليه لا تخلو من فائدة، إذا ما نظرنا إليها من باب أنها تحولت في جانب منها إلى أصول قائمة نراها.. صحيح أنها لا تدرعائدا ولكنها أصول.
نكبتنا متعددة
كثير من المصريين من بينهم فاروق جويدة في “الأهرام” يسأل أين أثرياء مصر الذين يملكون الملايين من الدولارات، ولماذا لم نسمع لهم صوتا في الأحاديث عن ديون مصر؟ وأين هم من الأزمة الاقتصادية التي يعانيها الاقتصاد المصري، أين أصحاب القصور والأراضي ورجال الأعمال.. هناك تقديرات تؤكد أن في مصر 17 ألف مليونير وأن هناك عددا آخر يملك المليارات من الجنيهات والدولارات.. وقد أعلن وزير مالية مصر الدكتور محمد معيط أخيرا أن 20 مليار دولار خرجت من مصر في الشهور الأخيرة، إلى أين ذهبت ولحساب من؟ لا أتصور أن نطلب من محدودي الدخل وفقراء مصر أن يسددوا ديونها، وهم لا يملكون شيئا.. وقد سمعت بعض الاقتراحات حول مشاركات شعبية في سداد الديون، وهي مبادرات تثير الخجل، لأنها تأتي من أشخاص لديهم تلال من الأرصدة.. وهناك اقتراحات حول جمع الذهب من فقراء مصر، رغم أن هناك من يملكون جبالا من الذهب وعليهم ملايين الجنيهات للضرائب لم يسددوها.. كنت أتصور أن تقوم حملة من أثرياء مصر ورجال الأعمال تطالب بإنشاء صندوق لسداد ديون مصر، وأن يتصدر رجال الأعمال قائمة المشاركين فيه.. هناك تجاهل مقصود من أثرياء مصر لقضية الديون.. والغريب أن نجد من يطالب فقراء مصر بتحمل أعباء هذه الديون وتوزيعها على الشعب.. أنتظر دعوة جادة من رجال الأعمال لإنشاء صندوق ديون مصر.. إن قضية ديون مصر أخطر ما يواجه مصر الآن على كل المستويات، وهي قضية لا تخص الحكومة أو مؤسسات الدولة ولكنها تخص مستقبل أجيال قادمة، وينبغي ألا نترك لهم هذا العبء الثقيل الذي يهدد حياتهم ومستقبلهم، وعلى الأجيال الحالية أن تتحمل مسؤوليتها في تخليص مصر من هذا الإرث الثقيل.. ديون مصر لم تعد قضية أعباء مؤقتة ولكنها عبء طويل ويجب أن يكون رجال الأعمال في الصدارة لإخراج مصر من هذه المحنة، المهم أن نبتعد عن الفقراء ومحدودي الدخل لأنهم لا يملكون شيئا..
لا تبيعوه
المخاوف من بيع مقر اتحاد الإذاعة والتلفزيون تتزايد، ومن بين الداعين لدعمه علي الكنيسي في “البوابة”: ماسبيرو الجريح يعد أضخم قلعة ومنارة إعلام في الشرق الأوسط وافريقيا والعالم العربي، وهو المصدر الأول لتغذية هذه الشعوب بالثقافة والفنون والإعلام لسنوات طويلة، ومع صوت الإذاعي الكبير أحمد سالم.. هنا القاهرة.. انطلق أول بث رسمي حكومي في 31 مايو/أيار 1934، ويعد هذا اليوم من كل عام احتفالا بعيد الإعلاميين. وفي ماسبيرو خرجت ثورة يوليو/تموز 52 بصوت الرئيس الراحل أنور السادات، الذي أذاع بيان الثوره من دار الإذاعة المصرية، (وهي فعلا كانت نعم الدار التي شعر بها المواطن بالراحة والاستقرار والأمان بعد عناء يوم كامل)، وجملته الشهيرة: “بني وطني.. اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد” مرورا بهزيمة 1967 وانتصار أكتوبر/تشرين الأول المجيد وثورتي 25 يناير/كانون الثاني 30 يونيو/حزيران، كل هذه التواريخ والأحداث جعلت من ماسبيرو هرما رابعا لمصر لا يمكن هدمه، يا حضرات، ماسبيرو مثل الأهرامات ويعد مزارا سياحيا أمام العالم بكنوزه وتراثه الفني والثقافي هل نستطيع هدم الأهرامات لإقامة فنادق عليها؟ ماسبيرو دمعة وبسمة عشناها وعشنا فيها يحمل ذكريات وهموم وطن ومواطنين يحمل رسالة وميثاق شرف إعلامي لا يهدف للربح؛ لأن رسالته سامية تحمل في طياتها الكثير، فهو القيمة والقامة العالية. وأقول للذين يدعون أنهم نجوم الفضائيات: اتقوا الله في مصر فلن يسامحكم التاريخ، خاصة أن جميع القنوات الخاصة قامت على أكتاف أبناء ماسبيرو.
المقبل مفزع
في عالم وصفته الدكتورة منار الشوربجي في “المصري اليوم”، بـ”المخيف” كان الأسبوع الماضي، أسبوع التصعيد ليس فقط في أوكرانيا وإنما في التوتر الصيني – الأمريكي. فبينما كانت روسيا تعلن التعبئة الجزئية، التي استدعت خلالها أكثر من 300 ألف جندي احتياطي، ما أثار ردود أفعال واسعة، كانت الصين تعلن درجة الاستعداد القصوى، داعية قواتها المسلحة للاستعداد، «وكأنها تخوض حربا فعلية» فالولايات المتحدة قامت، ومعها كندا، بإرسال سفينتين حربيتين عبر مضيق تايوان، تزامنا مع خطاب الرئيس الأمريكي في الأمم المتحدة، فحمل الاثنان إشارات متضاربة. فبايدن أكد في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن بلاده ملتزمة بسياسة «الصين الواحدة»، بخصوص قضية تايوان، وهو ما يمثل تناقضا مباشرا مع ما كان الرئيس الأمريكي قد كرره مرتين على الأقل في تصريحات صحافية. بايدن كان قد أجاب على أسئلة الصحافيين بالإيجاب، مؤكدا أن الولايات المتحدة ستستخدم «القوة العسكرية للدفاع عن تايوان» حال قيام الصين «بهجوم غير مسبوق» على الجزيرة. وفى المرتين خرج البيت الأبيض لينفي التصريح، ويصر على أن الموقف الأمريكي من تايوان لم يتغير.. ورغم أن بعض المراقبين انتقدوا تصريحات بايدن باعتبارها تقضي على ما يُعرف باستراتيجية «الغموض الاستراتيجي» بخصوص سياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان، إلا أن ما فاتهم هو أن الولايات المتحدة في تقديري لا تزال أكثر من أي وقت مضى ملتزمة بتلك الاستراتيجية «الغموض الاستراتيجي». فالهدف من وراء ذلك الغموض كان دوما ردع الصين عبر عدم تأكدها من رد فعل الولايات المتحدة إذا ما ضمت تايوان بالقوة المسلحة. والحقيقة أن تناقض الخطاب الأمريكي، أي تصريحات بايدن المتناقضة، بل ونفي البيت الأبيض، هي في ذاتها تخلق مجتمعة ذلك الغموض الاستراتيجي نفسه.
المناخ ثم الهجرة
الجديد في الأمر الذي اهتمت به الدكتورة منار الشوربجي هو أن الصين اليوم ليست هي ذاتها الصين التي كانت مثل تلك السياسة تردعها في ما سبق. فالصين صارت اليوم أكبر ثاني اقتصاد في العالم وقواتها العسكرية أكثر تقدما وقوة من أي وقت مضى، فضلا عن أن نفوذها لم يعد مقتصرا على محيطها الإقليمي المباشر، وإنما امتد ليصل لكل أنحاء العالم ليس فقط عبر النفوذ الاقتصادي، وإنما العسكري أيضا. والتحركات من جانب حلفاء أمريكا تستفز الصين هي الأخرى. ففي الأسبوع ذاته، لم يقتصر الأمر على كندا التي أرسلت سفينة حربية لتصاحب السفينة الأمريكية. ففي أول قمة تعقدها مع نظيرها الياباني، أدانت رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة ليز تراس «الاستفزازات الصينية» بشأن تايوان، ما نتج عنه تحذير شديد اللهجة من الصين لليابان بألا تلوم إلا نفسها، إذا ما ورطت نفسها وسمحت للولايات المتحدة باستخدام أراضيها في حالة نشوب صراع بخصوص تايوان. والصين صارت تهدد حكومة تايوان علنا بخنق اقتصادها. فالتجارة بين الصين وتايوان تشكل 33% من تجارة تايوان الدولية. ويرى الكثير من المراقبين أن الأزمة الحالية بخصوص تايوان هي الأعنف منذ تسعينيات القرن العشرين. وبينما تخوض الحكومة الأمريكية مواجهة مفتوحة مع الصين وروسيا فإن المواطن الأمريكي لا يعتبر أيا منهما تشكل تهديدا حقيقيا. فبينما أنفقت الولايات المتحدة حتى الآن 40 مليار دولار في دعم أوكرانيا عسكريا، تبين، في آخر استطلاع للرأي أن 2% فقط من الأمريكيين يعتبرون السياسة الخارجية ذات «أهمية كبيرة» بالنسبة لهم. وحين كان على الأمريكيين الاختيار بين قضايا السياسة، لم تكن روسيا أو الصين ولا حتى أوكرانيا هي أولى القضايا ولا ثانيتها. فالقضية الأولى كانت القضية أزمة المناخ وتلتها مسألة الهجرة.
ما زال غامضا
ما زال لغز رحيل الزعيم يثير التساؤل وهي القضية التي شغلت مرسي عطا الله في “الأهرام”: قبل 52 عاما مساء يوم 28 سبتمبر/أيلول عام 1970 فوجئ المصريون ومعهم كل شعوب العالم بإعلان نبأ الرحيل المفاجئ والمباغت للرئيس جمال عبدالناصر، لينفجر بركان من الحزن المقرون بالصدمة إلى حد عدم التصديق، لأن الرجل كان في سن الثانية والخمسين فقط وكان يمارس مهامه الرسمية ودوره القومي في خدمة أمته العربية إلى ما قبل صعود روحه الطاهرة إلى بارئها بساعتين فقط، إثر أزمة قلبية حادة ـ طبقا للتقرير الطبي الرسمي في شهادة الوفاة – بعد أن أدى مراسم الوداع لآخر المغادرين من الزعماء العرب الذين شاركوا في القمة العربية الطارئة في القاهرة وهو أمير الكويت عند الساعة الثالثة عصرا. لم يكن هناك من يتوقع أن تجيء نهاية المسيرة لهذا البطل الأسطوري بهذا الشكل المفاجئ، بمن في ذلك أعدى أعدائه وألد خصومه الذين لم يصدقوا النبأ في البداية، وكان أول تعليق من جانب غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل عندما سمعت الخبر «ما هذا المزاح إنها نكتة سخيفة»، ولكن بعد أن تأكدت صحة أنباء الوفاة ظهرت فجاجة الشماتة في أركان الدولة العبرية، وكان أسخفها ما ورد على لسان دافيد بن غوريون مؤسس إسرائيل، وأول رئيس وزراء لها «كان لليهود عدوان تاريخيان هما فرعون في الزمن القديم وهتلر في العصر الحديث، ولكن جمال عبدالناصر فاق الاثنين معا في عدائه لنا.. لقد خضنا الحروب من أجل التخلص منه حتى أتى الموت وخلصنا منه».
حسما للجدل
وعلى عكس هذا الموقف الشاذ والاستثنائي من جانب إسرائيل بشأن رحيل قائد ثورة يوليو/تموز الذى يمكن لنا فهمه وفق رأي مرسي عطا الله، على ضوء المواقف التاريخية للزعيم الوطني الداعمة للقضية الفلسطينية، فإن كل زعماء العالم دون استثناء أجمعوا على مكانة وزعامة جمال عبدالناصر التي تخطت حدود مصر، وقال الرئيس الأمريكى نيكسون وقتها «إن العالم خسر زعيما بارزا خدم بإخلاص وبلا كلل قضايا شعبه والعالم العربي بأسره»، في حين قال أليكس كوسيغين رئيس وزراء الاتحاد السوفييتي آنذاك «إن عبدالناصر كان وسيبقى إلى الأبد في ذاكرة الشعوب كلها مناضلا لا يلين في الكفاح من أجل الكرامة الوطنية والعزة لشعبه». ورغم مرور 52 عاما على رحيل الرجل فإن الشائعات والتلميحات التي اهتم مرسي عطا الله بالتدقيق فيها، ومحاولة حل لغز الموت المفاجئ للزعيم ما زالت تتجدد، ومن ثم اتسعت دائرة الاتهامات والشبهات التي طالت أطرافا داخلية وخارجية، وبلغ الأمر حد مطالبة أحد أنجاله مؤخرا بإجراء تحليل «DNA» لمعرفة سبب الوفاة، وقد آن الأوان لحسم هذا الجدل واحترام روح الزعيم الذي اكتسب حب وتأييد الملايين.
تخاريف نهاد
ما زال الهجوم على المحامية نهاد أبو القمصان بسبب دعوتها تغيير المواريث التي أقرها الشرع، ومن بين من انتقدوها محمود علي في موقع “القاهرة 24”: علمونا في الأزهر أن الميراث هو نصف العلم، ودرّسوه لنا على أنه من أصعب وأدق علوم الشريعة؛ لأنه يتعلق بالحقوق التي أوجبها الله لعباده؛ لذلك سموه «علم الفرائض»، وقد قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعلموا الفرائض وعلموها؛ فإنها نصف العلم، وهو يُنسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي». وعلى الرغم من صعوبة هذا العلم حتى على المتخصصين في الشريعة؛ إلا أن الأستاذة نهاد أبو القمصان خرجت علينا منذ أيام تنادي بأن يكتب الأب لبناته كل تركته في عين حياته، حتى يضمن لهن مستقبلهن، ويحميهن من طمع الأعمام والأقارب في مشاركتهن للتركة، قائلة: اكتبوا كل شيء باسم البنات، نقل التركة كلها بيعا وشراء وتخلوا اللي يكفيكم أنتم بحياة كريمة، وتعملوا في الجزء اللي خليتوه باسمكم هبة مشروطة بالوفاة، ويمكن الرجوع لذلك في أي وقت. المحامية الشهيرة لم تكتفِ بالدعوة لمنع الأعمام من حقهم في ميراث أخيهم الذي فرضه الله في كتابه العزيز ورسوله في سنته الشريفة، بل طلبت من الأعمام أن ينفقوا على بنات أخيهم الذي منعهم من حقهم في تركته، متابعة: العم مُلزم بالإنفاق على بنات أخيه، وممكن يرفعوا قضية نفقة عليه.. يعني البيت كله تحت رقابة المجلس الحسبي، لو العم مبلغش المجلس الحسبي دي جريمة، وذلك تعليقا منها على مشكلة إحدى الفتيات بعد استيلاء عمها على ميراثها.
لا اجتهاد مع نص
دعوة الأستاذة أبو القمصان لمنع الأشقاء في ميراث أخيهم، جاءت كما اوضح محمود علي بعد أيام من التصريحات المثيرة للجدل المنسوبة إليها، بأن المرأة غير ملزمة بخدمة زوجها، وأن من حقها أن تطلب منه أجرا مقابل إرضاع أولادها، والتي صارت تريند ضجت به «السوشيال ميديا» خلال الأسابيع المنقضية، وخرجت بعدها تقول إنها لم تقل ذلك، وأنها رفعت دعاوى قضائية ضد من نسب إليها أو حرّف عنها تصريحات التريند الشهير، وكنت من القلائل الذين لم يركبوا التريند مع الراكبين، ولم يخوضوا مع الخائضين، ولم يهبدوا مع «الهبادين». فالآية الكريمة: “فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى”، مذكورة في سورة الطلاق، والآية الأخرى التي استشهدت بها من سورة البقرة: “وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا”، تتحدث عن استحقاق المرأة لهذا الأجر في حالة الطلاق. أما بالنسبة لميراث الأشقاء في أخيهم عند عدم وجود الولد «الذكر»، سواء كانوا ذكورا أو إناثا، فقد نصت عليه الآيات 11، 12، 176 من سورة النساء، ولا تحتاج لأي شرح أو تفسير، خاصة بالنسبة لأستاذة ومحامية كبيرة من المفترض أنها درست القانون المصري والشريعة الإسلامية ضمن دراستها في كلية الحقوق، ورغم كل هذه الضجة فنحن نتحدث عن جزء بسيط جدا من التركة فرضه المولى عز وجل، قد يتنازل عنه الأعمام مروءة منهم وإكراما لبنات أخيهم، لكن الأستاذة المحامية استغلت واقعة ظلم تعرضت لها إحدى الفتيات من عمها؛ لتخرج وتنادي بكتابة كل شيء للبنات حتى نحميهن من الأعمام، وكأن كل الأعمام أصبحوا ظلمة وآكلين للميراث، ولله در صاحب الأغنية الشهيرة: «أروح فين يا زمان قولي.. خالي محمد كل ورث أمي».
بحثا عن رغيف
منذ عقود وسواء عن عمد أو بالخطأ، هناك من يجعل حركة حياة المصريين تسير عكس الاتجاه، يوضح إبراهيم علي في “مصراوي”: هذا مواطن يسكن في محافظة الفيوم ويعمل في أحد مصانع مدينة 6 أكتوبر، وآخر يسكن في مدينة الزقازيق ويعمل في مصنع في مدينة العاشر من رمضان، وثالث يقيم في مدينة القاهرة الجديدة ويعمل في إحدى الشركات في مدينة الشيخ زايد – والعكس- ورابع تزوج في محافظة دمياط ويعمل في أحد مصانع مدينة بورسعيد إلخ، خلال البحث عن “لقمة العيش” يعيش الملايين من الشباب في مصر هذا الوضع المعكوس و”المقلوب” منذ سنوات، بل وعقود طويلة، يُضّيعون “ربع” أعمارهم في وسائل المواصلات، يقطعون يوميا مئات الكيلومترات على شبكات الطرق ذهابا وإيابا، يهدرون أوقاتهم ويستنزفون قدراتهم ويتحملون فوق طاقاتهم على الجانب الآخر، يدفع رجال الأعمال وأصحاب المصانع مبالغ مالية كبيرة لتوفير أساطيل من سيارات النقل الجماعي، لنقل هؤلاء الشباب من وإلى المصانع، لتنعكس تلك المصروفات سلبا على تكلفة المُنتَج النهائي لتزيد من سعره، وتجعله أقل قدرة على المنافسة مع غيره، سواء في الأسواق المحلية أو الخارجية، وبدلا من أن ينصب تركيز رجل الأعمال على الارتقاء بجودة المُنتَج، يصبح مشغولا بأعطال السيارات ومشكلاتها عشرات المليارات من الجنيهات، خسائر أخرى تتكبدها الدولة بشكل مباشر وغير مباشر، نتيجة هذا الوضع “المقلوب”، تتمثل في ارتفاع معدلات الزحام على شبكات الطرق ومحاورها الرئيسية، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات استهلاك الوقود وزيادة نسب التلوث وتراجع العُمر الافتراضي لشبكات الطرق.
مشهد معكوس
هذا الوضع “المقلوب” الذي ألقى الضوء عليه إبراهيم علي لم يتوقف عند تلك الفئة من الشباب، بل يمتد لقطاعات أخرى.. لتجد في منتهى البساطة مكتب تنسيق القبول في الجامعات، وقد قرر أن يلتحق طالب بجامعة الإسكندرية ـ في حين أنه من سكان محافظة سوهاج، وآخر يلتحق بجامعة جنوب الوادي، في حين أنه من قاطني محافظة القاهرة. وبالمثل أيضا واستكمالا واستمرارا لهذا الوضع “المقلوب” تجد رئيس إحدى الهيئات الحكومية، قد قرر عقاب أحد موظفيه من العاملين في فرع الهيئة في القاهرة بنقله لفرع الهيئة في محافظة السويس – وهنا غير معلوم إذا كان يعاقب الموظف أم يعاقب مواطني محافظة السويس. لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى قطاعات أخرى، لتجد وزارة الصحة والسكان وخلال عملية توزيع خريجي كلية الطب كل عام (أطباء الامتياز) لأداء فترة التكليف، حيث تفعل معهم بالضبط ما يفعله مكتب التنسيق مع طلبة الثانوية العامة، هذا المشهد “المعكوس” الذي يمتد تقريبا لكل قطاعات ومناحي الحياة في مصر، يجب التصدي له ومعالجته في أسرع وقت ممكن لوقف نزيف الخسائر الفادحة الناتجة عنه. ويجب معالجته تشريعيا على مستوى مجلس النواب، وتنفيذيا على مستوى رئيس مجلس الوزراء… وهناك حلول كثيرة، سهلة التنفيذ، خاصة على مستوى أصحاب المصانع في المدن الجديدة، بأن يتم منحهم قطع أراض بالمجان أو بسعر رمزي لبناء وحدات سكنية للعاملين لديهم أو منح العاملين في المدن الجديدة أولوية الحصول على وحدات سكنية في مشروعات الإسكان الاجتماعي التي تنفذها الدولة في تلك المدن.
حدث في «نوبار»
في شارع نوبار في وسط القاهرة رأى عماد الدين حسين مشهدا يعبر عن حجم التناقض بين الانضباط والفوضى، بين النظام والعشوائية. تابع الكاتب في “الشروق”: عند تقاطع نوبار مع شارع إسماعيل أباظة وقرب محطة مترو سعد زغلول، تمكن الباعة الجائلون وسائقو الميكروباص والتكاتك من احتلال المنطقة، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، بما لا يسمح أحيانا حتى بمرور المشاة، وليس السيارات الملاكي. المنطقة مزدحمة أساسا بسبب أنها تقع في قلب منطقة مربع الوزارات، فهي تلاصق وزارات الإنتاج الحربي والتعليم العالي والإسكان والتعليم والضرائب العقارية والمجلس الأعلى للآثار، والعديد من المؤسسات الحكومية والبنوك، كما أنها قريبة جدا من وزارة الصحة ومجالس النواب والشيوخ والوزراء ومنطقة جاردن سيتي، وبالتالي يتكالب عليها الباعة الجائلون ومحلات الخضراوات والفاكهة وسائقو الميكروباصات والتكاتك، لاصطياد أكبر عدد من الزبائن. ومن كثرة الفوضى والارتباك، تعرض الشارع للتكسير، وإذا تجرأ أحد من المارة أو السكان على تحدي هذه البهدلة، فقد لا يسلم من أذى المحتلين. بين حين وآخر كنت أرى شرطة المرافق تشن حملات لتطبيق القانون، لكنها لا تستغرق دقائق، وبعدها يعود كل شيء إلى حال سبيله. كنت أسكن حتى أربع سنوات في هذا الشارع، وعلى الرغم من حبي للمنطقة، فلم أتمكن من الاحتمال وغادرتها حزينا، لكنني أعود إليها بين الحين والآخر. وقبل أيام فوجئت بمشهد لم أتخيله، تم رفع كل الاعتداءات على شارع نوبار وإعادة رصفه، ومنع وقوف التكاتك أو السيارات الميكروباص، مع وجود موظف من المرافق للتأكد من تطبيق القانون، وحينما عدت مرة أخرى بعد ثلاثة أيام، فوجئت بأن هذا النظام ما يزال مطبقا. طبعا سائقو التكاتك والميكروباصات هم الأكثر تضررا من فرض هذا النظام، هم لم يفقدوا كل شيء، ولكنهم يتحايلون على الأمر وينقلون «موقفهم» مؤقتا بعيدا قليلا، والطريف أنهم يرسلون شخصا يسأل عمن يريد توك توك لكي يرشده إلى المكان البديل. الهدف الجوهري من كل ما سبق هو البرهنة على أن الحكومة حينما تريد تنفيذ شيء فهي تنفذه على الفور.
اختلاف الأذواق
الناس بطبيعتهم مختلفون، يصعب أن يتفقوا على رأي أو شخص أو موقف أو فكرة من الأفكار. تابع الدكتور محمود خليل في “الوطن”، على وتر الاختلاف يعمل الاقتصاديون ومنتجو السلع والخدمات، فتجد على الرف نفسه عشرات الأنواع من السلعة نفسها، وكل سلعة تجد سوقها، لذلك قيل «لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع». الاختلاف إذا هو الحالة الطبيعية للبشر، لكن يحدث في بعض الأحوال أن يسعى البعض إلى تحويل الاختلاف إلى انقسام، وهنالك تظهر الخطورة. زمان اختلف الناس على عبدالحليم حافظ، فكان هناك من يعشق صوته، وهناك من يقلل من قيمة فنه ويرى أن صوت محمد قنديل أقوى منه وأكثر قدرة على الأداء المتميز، خرج في عصر العندليب المطرب كمال حسني وشدا بأغنية «غالي عليا»، الأغنية كسّرت الدنيا، وبدأ البعض يتحدث عن أن المطرب الجديد سيسحب البساط من تمت قدمي عبدالحليم، ولم يحدث ذلك، إذ سرعان ما انطفأ نجم كمال حسني. اختلف جمهور أم كلثوم على أغنياتها، فهناك من انحاز قلبا وقالبا إلى الأغاني التي لحنها السنباطي، وهناك من انحاز إلى كلثوميات عبدالوهاب، والبعض قال لا هذا ولا ذاك، بل كلثوميات بليغ حمدي. الاختلاف في الأذواق مسألة بشرية إنسانية، مثله مثل الاختلاف في الآراء والمواقف ووجهات النظر، لكن الخطر كل الخطر أن يمسك الطرفان المختلفان في خناق بعضهما بعضا، ولا يحدث هذا إلا في الحالة التي يتحول فيها الاختلاف إلى انقسام، يتربص فيه كل فريق بالآخر. ثمة وسيلة بسيطة للغاية يمكن من خلالها تحويل أي اختلاف إلى انقسام. فالمختلفون عادة ما يتوزعون على فريقين، وليس على الأصابع التي تريد الانقسام سوى أن تتحرك لدعم فريق على حساب فريق آخر، وحبذا لو كان هذا الفريق هو الأقل على مستوى أنصاره أو المنحازين له. فاستفزاز الفريق الأكبر عددا أو الأكثر أنصارا هو وحده الكفيل بإشعال المواقف.
في انتظار الفرج
خلال افتتاح عدد من مشروعات الهيئة العامة للاستثمار تحدث الرئيس السيسي عن حال الاستثمار في البلاد والمعوقات التي تواجه المستثمرين ومنح الحكومة مهلة شهر أو شهرين للتخلص من كل هذه المعوقات.. وبذلك فإن الحكومة الآن أمام اختبار صعب.. بدوره أكد عبد القادر شهيب في “فيتو” أنه منذ عقود مضت نتحدث عن وجود معوقات تواجه الاستثمار والمستثمرين في البلاد، وعن أهمية وضرورة إزالتها، بل نتحدث أيضا عن جهود بذلناها للتخلص من هذه المعوقات، ومع ذلك بقيت هذه المعوقات قائمة تعطل الاستثمار وتحرمنا من زيادة نحتاجها في استثماراتنا حتى يرتفع معدل النمو الاقتصادي، وتزيد مواردنا من النقد الأجنبي، وتزيد قدراتنا على مواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية.. تابع الكاتب: ها هو الرئيس يمنح الحكومة مهلة زمنية للتخلص من هذه المعوقات التي سوف يقدم المستثمرون عرضا تفصيليا لها في المؤتمر الاقتصادي الشهر المقبل، وهي مهلة ليست طويلة وإنما محدودة زمنيا.. فهل تقدر الحكومة على أن تقضي على كل معوقات الاستثمار خلال شهر أو شهرين من الآن؟ نظريا تستطيع وتقدر الحكومةَ على ذلك، لأن المعوقات معروفة، والحلول الخاصة بالتخلص منها معروفة أيضا، ويتبقى فقط أن تنفذها الحكومة على أرض الواقع، وليس مجرد تقديم الوعود بتنفيذها أو بعلاجها، دون الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، كما حدث ذلك من قبل مرارا وتكرارا.. الأمر يحتاج فقط لإرادة قوية وعزم صارم على مواجهة بيروقراطية عقيمةَ وفساد إداري كان دوما يعطل ويتحايل على تنفيذ الحلول الحاسمة لمشكلة عقبات الاستثمار.. ولذلك عمليا تحتاج الحكومة لإزالة معوقات الاستثمار خلال شهر أو شهرين للقيام بجهد ضخم جدا لتقليم أظافر البيروقراطية والتخلص من منافسات الإداري.. وإنه اختبار عظيم للحكومة أمامها شهران على الأكثر لاجتيازه.. وتستطيع الحكومة اجتياز هذا الاختبار بنجاح كما فعلت هيئة قناة السويس في مشروع ازدواج القناة، إذا أخرجت من أدراج مكاتبها الحلول الجاهزة للتخلص من معوقات الاستثمار وشرعت بحسم وحزم وإصرار وتصميم في تنفيذها فورا.