المطلوب امريكيا من الديمقراطية الفلسطينية
د. نافع الحسنالمطلوب امريكيا من الديمقراطية الفلسطينية ثلاثة امتحانات في الديمقراطية متفاوتة الخطورة اجتازها ثلاثة زعماء عرب في العقود الثلاثة الأخيرة، ففي السودان حيث التسامح هو السمة العامة للعلاقة بين أفراد المجتمع طالما ظل بعيدا عن مؤامرات السياسيين ودسائس الطامعين بالسلطة السياسية فقد تمكن سوار الذهب في منتصف الثمانينات من القرن الماضي والذي أتي إلي السلطة غير طامع فيها بانقلاب عسكري أبيض لإنقاذ البلاد من أزمة سياسية خانقة كادت تعصف بها، تمكن من الوفاء بعهده للسودانيين فأجري الإنتخابات ونقل السلطة وانسحب من الحياة السياسية إلي الأبد واختار العيش في العاصمة الأردنية حيث يتجول في الأسواق ويتذوق الساندويشات ويقضي ما تبقي من حياته هادئا مرتاح الضمير. وربما كان إلإمتحان الذي واجهه سوار الذهب هو الأقل عسرة مما واجهه نظراؤه في الجزائر وفلسطين لاحقا. ففي الجزائر، يسجل للشاذلي بن جديد رفضه للضغوطات الهائلة الداخلية التي مارسها عليه قادة الجيش الجزائري والضغوطات الخارجية الأمريكية والفرنسية لإلغاء نتائج الدورة الأولي للإنتخابات التشريعية التي حدثت عام 1992 والتي فازت فيها الجبهة الإسلامية بالأغلبية الساحقة للمقاعد النيابية، ولكن سجل عليه عدم قدرته علي الصمود في منصب الرئاسة والدفاع عن الديمقراطية وخيار الشعب الجزائري فآثر السلامة الشخصية ورضي من الغنيمة بالإياب فاستقال من منصب رئاسة الجمهورية وانسحب من الحياة السياسية وقرر العيش مع أسرته في وهران مراقبا للمجازر الدموية التي استمرت سنوات طويلة في الجزائر والتي ترتبت علي ضعفه في مواجهة الضغوطات الداخلية والخارجية وحماية الديمقراطية ونتائج الإنتخابات، وهكذا تم الغدر بالديمقراطية الوليدة في الجزائر ووأدها في مهدها فأغرقت الجزائر بالدماء ومنع الإسلاميون من تسلم السلطة. وقتها تباين المراقبون في تقييم موقف الشاذلي بن جديد من هذه المجازر بين من اعتبره مشاركا فيها بالصمت والهروب من تحمل المسؤولية التي القيت علي كاهله كرئيس للجمهورية الجزائرية حيث اختار السلامة الشخصية بدلا من سلامة وأمن الجزائر والجزائريين وهي أمانة وضعت في عنقه كرئيس للجزائر، ومن اعتبره بريئا منها تخطيطا وتنفيذا بدليل لجوئه للإستقالة والإنسحاب من الحياة السياسية.وقد تتفق أو تختلف مع الرئيس محمود عباس ولكن التاريخ سيسجل له إصراره علي إجراء الإنتخابات في موعدها وإقناع الأمريكيين بضرورة إجرائها ومواجهة ضغوط الإسرائليين وتخوفهم من نتائجها المحتملة. والأهم من كل ذلك مقاومته العنيدة للضغوطات الهائلة التي مورست عليه من قبل مراكز القوي وأصحاب النفوذ والمستوزرين وهم كثر في حركة فتح، بل وتعريض نفسه للمخاطر بسبب هذا الموقف التاريخي الذي نجد فيه الرئيس عباس متفوقا علي نظيريه السابقين في السودان والجزائر فقد ظل صامدا رابط الجأش في موقع الرئاسة مقارعا للصعاب مواجها للإنتقادات من أجل حماية الديمقراطية الفلسطينية ونتائج الإنتخابات التي شهد الجميع بنزاهتها، وظل متمسكا بقناعاته مدافعا عنها في كرسي الرئاسة الفلسطينية الذي لا يشكل إغواء شخصيا ولا هدفا مغريا كما هو الحال في بلدان أخري مستقلة وذات سيادة. لقد أدرك الرئيس أبو مازن أن المجتمع الفلسطيني يسير نحو المجهول في ظل تآكل الشرعية وخاصة شرعية المجلس التشريعي واتساع ظاهرة الإنفلات الأمني والتعديات علي المال العام والعجز عن مقاضاة المفسدين، وتعاظم الأزمة داخل حركة فتح حيث شكل كل ذلك أكبر عائق أمام اتخاذ القرارات الصعبة التي يتطلبها إصلاح الوضع الداخلي، فقد نجحت القوي المتنفذة في حركة فتح في تأجيل انتخابات المجلس التشريعي في المرة الأولي، وكانت الخشية أن تفلح محاولاتها الدؤوبة في تأجيلها للمرة الثانية فيحدث ما لا يحمد عقباه، حيث كانت الأوضاع تنذر بزج المجتمع الفلسطيني في صراع داخلي يشغله عن القضية الرئيسية وهي مواجهة الإحتلال الإسرائيلي. ومن جهة أخري، أدي هذا الجمود إلي تمادي السلطة والحزب الحاكم في ارتكاب الأخطاء والغرق في وحول الفساد المالي والإداري، ولهذا جاءت الإنتخابات حلا جزئيا لأزمة فتح الداخلية وحلا ضروريا لتفريج الأزمة الداخلية وتجميدا مؤقتا لأزمات صعبة أخري تراكمت علي امتداد السنوات العشر من عمر السلطة المغادرة وتحتاج إلي حلول وقرارات صعبة من السلطة الجديدة.ولكن هذا النجاح المثير للإعجاب للإنتخابات الفلسطينية والذي توج بفوز حركة حماس بغالبية مقاعد المجلس التشريعي سرعان ما جوبه بقيود وعراقيل في الداخل والخارج، ومطالب وتهديدات ونصائح تدس السم في الدسم، ولم يتورع حتي الدالاي لاما زعيم البوذيين في التبت من تقديم النصائح لحركة حماس، ووصل الأمر إلي حد التهديد بتجويع الشعب الفلسطيني عقابا له علي انتخاب حركة حماس والتي يطالبونها بتغيير ميثاقها كما يطالبون الضحية بالإعتراف بالجلاد، دون أن يطلب أحد من إسرائيل أن توقف بطشها وجبروتها وتنسحب من الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 كشرط ضروري للوصول إلي تسوية سياسية مع الشعب الفلسطيني.لقد حدد الشعب الفلسطيني خياره بإرادته ولو أراد استمرار الوضع السابق لما أقدم علي انتخاب حماس وأحدث بإرادته الحرة ذلك التغيير الكبير في السلطة السياسية الفلسطينية، ويبدو أن حماس تدرك ذلك وتحرص علي تعلم الدرس من تجربة السنوات العشر السابقة في إدارة الصراع السياسي والعسكري والتفاوضي، حيث جري إذلال الشعب الفلسطيني وتقديم التنازلات المجانية، وحيث كان المفاوضون والاداء التفاوضي موضع تندر الشعب الفلسطيني واستخفاف الجانب الإسرائيلي بل جري استخدام التفاوض لخدمة مصالح خاصة، وفي نهاية المطاف لم تسفر خمسة عشرعاما من المفاوضات مع اسرائيل وفق رؤية السلطة المغادرة عن تحقيق أي إنجاز ملموس للشعب الفلسطيني رغم كل التنازلات التي قدمت والنوايا الحسنة التي أبديت، لا بل ازدادت معاناته بشكل غير مسبوق وتكبدت القضية الفلسطينة هزيمة ساحقة. لقد كانت نتائج الإنتخابات الفلسطينية اختبارا حقيقيا لنوايا البيت الأبيض، فما أن اتضحت نتائجها حتي أصيب بخيبة الأمل فسارع لإطلاق التهديد والوعيد، فالإدارة الأمريكية تريد من الديمقراطية الفلسطينية أن تكون حارسة لأمن إسرائيل فحسب ودون أن تكون قادرة علي تحقيق أدني أماني الشعب الفلسطيني.إن الضربات التي تأتينا من الخارج تقوينا، ولكن تلك التي تأتي من الداخل تضعفنا، لذا فالمهم اليوم هو أن لا نقوم نحن بوضع العراقيل أمام الإنطلاقة الديمقراطية للشعب الفلسطيني، وأن لا نقوم بتكبيلها ووضع القيود في أيديها فنصبح في النهاية مسؤولين عن ارتكاب جريمة اغتيالها. فما زال في الإنتظار تحديات واختبارات أصعب وأشد خطورة من تلك التي اجتزناها في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) الماضي، فالأخطار ما زالت تتهدد وجودنا وحقوقنا وتحيط بديمقراطيتنا الوليدة من كل جانب.ہ كاتب من فلسطين8