مجرد تغيير المالكي او تغيير وجوه اعضاء البرلمان او رئيس الجمهورية ونوابه، وبالتالي تغيير الحكومة، لن يؤدي الى تغيير حقيقي للاوضاع القائمة في العراق، بسبب ارتباطها البنيوي بشكل الدولة التي اقامها الاحتلال الامريكي فيه، والتي تماهت وتأقلمت مع المصالح الايرانية العابرة للحدود، دولة منقسمة على نفسها، دولة فاسدة ليس فيها من سمات الدولة غير الشكل، اما المضمون فهو صارخ بانحطاطه وبمرجعيته لمرحلة ما قبل الدولة الوطنية .
حجر الاساس في الدولة الوطنية هو المواطن، بمعزل عن اي انتماء إثني او طائفي او مناطقي، اما ما يقابله في دولتنا البريمرية فهو المكون وما يعنيه ذلك عمليا من تكتيل منتسبيه بواسطة تضخيم التمايزات وتحجيم المشتركات مع منتسبي المكونات الاخرى، وبالتالي قطع الروابط المشتركة التي تجمعهم جميعا، ومن ثم دفعهم دفعا نحو التخندقات المكوناتية لحساب المتاجرين بها، الذين هم انفسهم من يتحاصص غنائم السلطة بكل مراتبها مركزية كانت ام محلية، وكل ذلك يجري على حساب الوطن والمواطن ومن جميع المكونات، ولم تكن عملية تكتيل المكونات وتمثيلها بالرموز والقوى التي تخادمت مع الاحتلال الامريكي المباشر والاحتلال الايراني غير المباشر للعراق، سوى مقدمات للنتائج التي نشهدها الان وعلى مدار الساعة ومنذ عقد كامل من الزمن !
لقد فجروا وقصفوا وفخخوا ونسفوا وشوهوا حجر الاساس في الدولة العراقية، واقاموا على اطلاله حجر اساس لكيانات تتقاسم الارض والانسان وتتحين الفرص لاقامة دويلات الطوائف التي لن تصمد طويلا الا اذا مات العراق موتا كاملا !
لم يستخلف الامريكان على حكم العراق الا من هم خدمهم في ارهابه وفي استكمال مشروع تقسيمه، وهكذا كان الخلف اسوأ من السلف، لان العراق بالنسبة للسلف الامريكي ساحة من ساحات معاركه، اما بالنسبة لمستخلفيهم فهو ساحتهم الوحيدة وبالتالي هو معركتهم الوحيدة التي على نتائجها ينطبق قول ‘اكون او لا اكون’ وهم هنا يشتقون من لفظ المكون ما يستبشرون به في مواجهة الفشل الشاخص، حيث يعتقدون بانهم سيكونون والعراق كما يريدون، طالما ان خنادق المكونات حقيقة تتجذر، لكنهم وفي عقلهم الباطن يعيشون رعبا حقيقيا من اي اشارة لصحوة وطنية قادمة تطيح بهم وبمشروعهم، لذلك نجدهم يمارسون اشد انواع الارهاب وبكل اشكاله، المنظم والعشوائي، ارهاب السلطة وارهاب الميليشيات، ارهاب في الرزق والفكر، مع اشد انواع الفساد وأشد انواع التزوير، اضافة الى اخبث وسائل الشحن الطائفي والاثني، كل ذلك لانهم يدركون عمق الترسب الوطني في الذات العراقية على اختلاف مكوناتها واعتزازها بالمنجز الوطني الذي عجز وما يزال ازلام امريكا وايران عن طمسه واستئصاله. وبطبيعة الحال كلما ازدادت الاوضاع ترديا وضاعت بوصلة الحاضر، تذكر اهل العراق منجزهم الوطني الذي كانوا ومازالوا يعتبرونه حصانهم الذهبي للتطور والبناء والكرامة، وهذا بحد ذاته سيكون دافعا ذاتيا اضافيا يستحيل اجتثاثه من اهل العراق المقاومين لارهاب المتسلطين الجدد .
يرى البعض ان تغييرا حقيقيا يمكن ان يتحقق من خلال استبدال الوجوه الحالية بوجوه اخرى نزيهة ومشهود لها بالمواقف الوطنية، لكن واقع الحال لا يسمح بدخول تلك المعمعة الا بشروط ما يسمى بالعملية السياسية القائمة، اي بقوانينها ودستورها ومفوضيتها، المبنية على قواعد المحاصصة السارية المفعول وضمن مناخ تسيطر على مفاعيله قوى السلطة ذاتها، فالتحالف الشيعي لا يسمح لاي قوى اخرى تنافسه على منصب رئاسة الوزراء، لانه مؤمن بأنه من يمثل الاغلبية الثابتة انتخابيا وبالتالي سياسيا، والتحالف الشيعي مسنودا من مراجع النجف وكربلاء وقم وبدعم ايراني حثيث لا يسلم السلطة لغير منتسبيه، وهو يفصل الانتخابات وقوانينها وهيئاتها خدمة لهذا الحساب، وهذا ما اثبتته وقائع انتخابات 2006 و2010، وايضا اقوال وافعال رموز هذا التحالف بمن فيهم الجعفري والمالكي الذي قالها صراحة، ‘نحن لن نعطيها بعد الان حتى يأتي غيرنا ويأخذها’، وهو يقصد هنا السلطة. وحتى انتقادات الصدر والحكيم والشيرازي ومحمد تقي المدرسي وغيرهم للمالكي وطريقة حكمه، فانها لا تأتي الا من واقع منافسته على قيادة الحلف الشيعي، وهذه الاسماء ذاتها ستقف الى جانبه حين تشعر بان هناك من سيأخذ السلطة منه خارج نطاق التحالف الشيعي، وهذا ما حصل فعليا في الدورتين السابقتين، اما الاحزاب الحاكمة في اقليم كردستان فهي تروض وتحتوي بدورها اي قوى تنافسها على قيادة الاقليم، من خلال ابتزاز ادوات السلطة التي تتحكم بها، اما ممثلو السنة فان الحزب الاسلامي وبعض الواجهات الاخرى، مثل شيوخ الصحوات وقوائم النخب، فانها تريد حسم الامر لمصلحتها بما يشابه اوضاع اقرانها، وان كانت بالشروط غير العادلة وغير الديمقراطية للعملية السياسية القائمة، الرفض الشعبي لهذا الانخراط كان واضحا ومنذ البداية، وقد تمثل في السنتين الاخيرتين باحتجاجات واعتصامات المناطق الغربية، التي كادت ان تكون قابلة مأذونة لانتفاضة وطنية شاملة اقل ما ينتج عنها استبدال العملية السياسية القائمة بعملية سياسية وطنية تلغي نظام المحاصصة المكوناتي لمصلحة المكون الوطني، وتحسم موضوع التداول السلمي للسلطة بضوابط ديمقراطية لا تقبل التسويف، من خلال فصل حقيقي للسلطات وتغيير دستوري ضامن وقانون فاعل للاحزاب والحريات العامة، ولولا تآمر السلطة الطائفية وخوضها حربا مجرمة عليها بحجة مكافحة الارهاب، ولولا ابتزاز الانتهازيين والوصوليين والطائفيين من بعض الجماعات السياسية والعشائرية السنية المشاركة في العملية السياسية القائمة لكانت النتائج والتداعيات مختلفة .
من يمنع الصدر والحكيم والجعفري وحزب الفضيلة وغيرهم من تأييد المالكي مرة ثالثة وعلى التوالي؟ اذا كان لمجرد استمراره شخصيا في الحكم، مصلحة ايرانية ضاغطة ليس على الاسماء المذكورة فقط، وانما على كل المراجع العظمى للمذهب، بذات الوقت الذي يعدهم فيه المالكي بالتنفيس عن ازماتهم بالمزيد من المراكز والمكاسب، لقد فعلوها في المرة الماضية، واعترف مقتدى الصدر علنا بانه أيد المالكي بسبب الضغوط الايرانية، وها هو قاسم سليماني قائد فيلق القدس ومسؤول الملف العراقي يجتمع بقوى التحالف الشيعي مؤخرا، وقبل الاستحقاق الانتخابي القادم ليمارس عليهم نفس الدور المعتاد والقاضي بتجميد الخلافات الحزبية والاستعداد المذهبي للانتخابات القادمة، بحيث لا تخرج الاصوات الشيعية عن نطاق احزاب التحالف، هذا في حالة حصول الانتخابات. اما في حالة تأجيلها لاسباب او اخرى فان التمسك ببقاء المالكي وعلى علاته هو مصلحة مذهبية عليا كي لا تخرج الامور عن السيطرة وتفلت السلطة بمجملها من ايدي التحالف الشيعي !
اذن نحن امام ديكتاتوريات متلبسة لبوس الديمقراطية، التي هي ابعد ما تكون عن مسار الاوضاع العراقية، لان للديمقراطية منظومة من البنى التحتية لا يستطيع نظام المحاصصة الانتخابية اقامتها، لانها تلغي شرعيته، ففي بغداد وجنوبها هناك ديكتاتورية المالكي وحزبه ذي الحاضنة السياسية المتمثلة بالتحالف الشيعي، وفي كردستان هناك ديكتاتورية بارزاني التي تعتبر ناعمة بالمقارنة مع ديكتاتورية المالكي الخشنة، اما عند اهل السنة فان الامر لم يحسم بعد، فهو احيانا يخضع بالوكالة لديكتاتورية المالكي واحيانا يخرج عن سيطرته ومازال الامر سجالا !
الانتخابات القادمة ستكون الاولى بعد اتمام عمليات انسحاب القوات الامريكية من العراق، اي انها ربما ستكون اخر انتخابات لانها كممارسة قد استنفدت الغرض الذي قامت من اجله، وهو اظهار الامريكان بانهم دعاة لنشر الحرية والديمقراطية، حتى لو كان الثمن ابادة او اعاقة الشعب المعني، وداخليا فانها اصبحت عبئا على المتحاصصين، لانها تثير ولو شكليا الكثير من علامات الاستفهام عند الاهالي، خاصة ان السلطة تكرست وبشكل يكاد يكون نهائي بأياد لا سبيل لاخذها منها الا بالقطع والشعب فقد الثقة بجدواها !
استقالة مجلس المفوضية الخاص بالانتخابات، ليس كما اعلن نتيجة للضغوط التي تمارس عليه، لان المجلس سبق له ان عاش ذات الاجواء، خاصة ان رئاسة مجلس الوزراء ومجلس القضاء الاعلى هما من يسعفانه اوقات الحرج، اضافة الى لجنة المساءلة والعدالة، حتى البرلمان فهو ليس بكليته ضاغطا بالاتجاه السلبي على مجلس المفوضية، لاسيما وان الكلمة العليا في اغلب هذه الجهات لدولة رئيس الوزراء، انما القرار متعلق بافتضاح امر البطاقة الالكترونية، اي ان المفوضية قد تعاقدت على اكثر من عشرين مليون بطاقة انتخابية ليست مجهزة بما يجب من مواصفات فنية تمنع عمليات تزوير التصويت وتكراره لعدة مرات، ومن جهة اخرى يسرب بعض المطلعين اخبارا شبه مؤكدة عن استعدادت المالكي لاعلان تأجيل الانتخابات، ومنذ ما قبل اعلان استقالة اعضاء مجلس المفوضية، ويغلب على تلك الاستعدادات اعادة انتشار الجيش داخل بغداد وتحديدا القوات المعروفة بالولاء المطلق للمالكي، وايضا عمليات متابعة ومراقبة دقيقة لتحركات خصوم المالكي !
كيفما يكون الامر، حصول الانتخابات من عدمه، لا يغير ذلك من طبيعة الاوضاع الســـائدة شيئا، لان النتيجة واحدة في الحالتين !
‘ كاتب عراقي