يخيل إلي أن هذه ليست المرة الأولى في تاريخ دولة إسرائيل تقف فيها حكومتها أمام مشكلة أمنية يصعب عليها التصدي لها؛ فمنذ سبعة أشهر، وجسم إرهابي يخلق لدولة إسرائيل وضعًا أمنيًا جديدًا على حدودها الجنوبية، والدولة تترك لمصيرهم أمام مبادرة إرهابية مقصودة ومنظمة عشرات الآلاف من مواطنيها وآلاف الدونمات من أراضيها.
ما هي ميزات الوضع المركزية في هذا التصدي المعيب من جانب دولة إسرائيل في مواجهة منظمة حماس؟ أولاً، من اللحظة الأولى في 30 آذار/مارس، وحماس هي المبادرة، وهي الأصيلة والمفاجئة كل الوقت بأساليب إرهابية متنوعة ومزعجة؛ هي التي تملي قواعد اللعب على الجيش الإسرائيلي وعلى سكان غلاف غزة؛ وهي التي تقيم وحدات خاصة كي تثير جنون جنود الجيش الإسرائيلي وسكاننا المدنيين. والأهم أنه هي التي تنجح في مضايقتنا، وهذا يعجبها. فلماذا لا تواصل في ذلك؟
ثانيًا، الجيش الإسرائيلي الذي يقف حيالها، منع حتى الآن وبنجاح اختراق الجدار الحدودي، وذلك مع خسارة واحدة فقط، ودمر أنفاقًا عديدة. ولكنه دفاعي ويرد الفعل. هذا هو الجيش الإسرائيلي الذي لا يبادر، ولا يفاجئ، ويرد الفعل فقط، وحتى هذا فإنه «نباتي»، في ظل الحرص على ألا يقتل لا سمح الله رجال حماس في هجمات رد الفعل. هذه ردود فعل لا تطفئ شهية حماس لمواصلة مبادراتها المتنوعة. بكلمات أخرى، تمتنع دولة إسرائيل عن أن تجبي ثمنًا أليمًا من حماس على نشاطها الإرهابي.
ثالثًا، في الأسبوع الأخير دخل عنصر جديد في المواجهة في قطاع غزة: إيران عبر الجهاد الإسلامي الذي هو مرعيها الواضح ومع زعيم جديد يجلس في لبنان. الإشارة الإيرانية لإسرائيل: نحن يمكننا أن نثير لكم مشاكل من غزة أيضًا.
ثمن مؤلم من حماس على مستوى القادة والمقاتلين والذخائر العسكرية
ما الذي يقف خلف السياسة الإسرائيلية النباتية هذه؟ التفسير شبه الرسمي هو التالي: ينبغي إبداء أقصى درجات ضبط النفس من أجل استنفاد الخطوة السياسية كي نتوصل مع حماس إلى تفاهم على تسوية تجلب الهدوء وتمنع الإنهيار الإنساني في القطاع؛ ينبغي عمل كل شيء من أجل الامتناع عن الحرب التي في نهايتها سنضطر إلى البقاء في قطاع غزة بعد احتلاله؛ وذلك لأنه لن تكون أي جهة سياسية مستعدة لأن تتلقاه من أيدينا. وبشكل عام فإن التهديد الكبير هو من الشمال، وحذار علينا أن نكرس جهدًا لـ «الإزعاجات» الهامشية هذه في الجنوب.
رأيي هو أن هذا المفهوم مغلوط (ولا أبحث الآن في المفهوم الهاذي للمعارضة الذي يقول إن على الجيش الإسرائيلي أن يبيد حماس وأن يسلم القطاع إلى أبو مازن وأن يشرع في مسيرة سياسية). برأيي، فإن الغاية الاستراتيجية لدولة إسرائيل يجب أن تكون العودة إلى الوضع الذي كان على مدى أربع سنوات منذ الجرف الصامد وحتى آذار 2018، والمزيد من التسهيلات الإنسانية. أما بالسياسة الحالية فإن دولة إسرائيل لن تحقق هذا. فقط بالدبلوماسية أو الإجراءات الدفاعية وردود الفعل لن تحرك حماس للاتفاق على مثل هذه التسوية. لا حاجة إلى الحرب، ولا حاجة إلى احتلال القطاع، ولا حاجة للقضاء على حماس. المطلوب هو تغيير الصيغة وجباية ثمن أليم من حماس ـ بالقادة على كل المستويات، وبالمقاتلين، وبالذخائر العسكرية الباهظة ـ وذلك عبر المبادرة وليس برد الفعل، وأن يكون الجيش الإسرائيلي هو الذي يبادر ويفاجئ وليس حماس. برأيي، بهذه الطريقة فقط ربما يكون ممكنًا الوصول إلى تسوية طويلة المدى تلبي الغاية الاستراتيجية آنفة الذكر.
ونقطة للتفكير: صديقي البروفيسور حوفيف تلباز طرح فكرة أن كل ضبط النفس المتطرف لدى نتنياهو ينبع من الرغبة في عدم توريط الرئيس ترامب قبل الانتخابات في الولايات المتحدة في 6 تشرين الثاني. هذا ضبط للنفس على المستوى الاستراتيجي الأعلى. فلننتظر إذن 7 تشرين الثاني ونرى.
عاموس جلبوع
معاريف 1/11/2018