محمد حسن إن ثورات الشباب العربي انطلقت عفوية بسيطة غير مؤطرة وبالتالي لا فضل لأي تنظيم حزبي عليها، ولكن هناك دائما من يريد أن يعتلي ظهر الثورة، كما أن هناك أيضا من يضر مصالحه ذلك التغيير لو حصل فكان أن تصرف سريعا خادماً مصالحه ومحافظاً على علاقاته وهو ما نسميه هنا ‘العرّاب’. وهو ما بدأ ظهوره منذ سايكس – بيكو ليصير حاكماً مستعمراً للبلاد ما لبث أن خرج منها تحت ضغط الشارع المنتفض مخلفاً وراءه دكتاتوريات عسكرية قمعية تبعية تخدم مصالحه وترعى شؤونه في السر غالباً وفي العلن أحياناً، ولا يغرنّك خطابهم الداخلي لشعوبهم حول المؤامرة وما إلى هنالك.
المظاهرات السلمية وحدها لا تسقط النظام بل تضغط على عرَابه الخارجي ليتحرك الجيش الوطني لينحاز للشعب وبالتالي يسقط النظام بعد ضمان مصالح العرّاب في ايجاد البديل المناسب الذي يضمن نفوذ هذا العرّاب ومصالحه.
ولا يعني البديل شخصا بل ربما نظاما سياسيا ديمقراطيا حتى ولكن يتحرك في دائرة تتفق مع رؤية ومصالح عرّابه.
فالمظاهرات في تونس ومصر لم تسقط النظام رغم قوّتها، بل حركت العرّاب مدعوما بحركة الجيش (ولا نقول بأن الجيش في كلتيها غير وطني.. فلسنا بصدد الدخول في تلك المتاهة) ففي تونس ومصر وقف هذا العرّاب (الفرنسي بالنسبة للنظام التونسي والأمريكي بالنسبة للنظام المصري) موقف الداعم للحراك الثوري مدعوما بالجيش الوطني لكليهما، فالتظاهر الشعبي حركه تحت حجة الديمقراطية وتقرير المصير ليقوم بخطوته بالتخلي عن حليفه ‘الدكتاتور’ داعما لتحرك الجيش الذي انحاز إلى الشعب.
في ليبيا كانت لعبة مختلفة فالنظام الحاكم قاتِل والجيش هو عبارة عن ميليشيا مدربة لسحق الشعب، وبالتالي مصالح الدول الاقتصادية (أمريكا فرنسا ايطاليا بريطانيا) دفعتها للتدخل بعد أن تسلّح الشعب وبدأ يرد بالرصاص على الموت القادم من القذافي، فكان التدخل من دول أوربا مدعوما من أمريكا ومباركا من السعودية وقطر. في اليمن حصل انقسام قبلي سعى إلى وحدات الجيش فانقسمت، والمظاهرات السلمية ضغطت على عرابَي النظام هناك المتمثلين في السعودية وأمريكا ليتحركا كل وراء مصالحه (الحوثيين بالنسبة للسعودية والقاعدة بالنسبة لأمريكا) فقامت هاتان الدولتان تحت ضغط التغيير الذي فرضه الشارع اليمني بمبادرة لم تُرضي جميع الأطراف ولكنها قامت بالتغيير السلمي المطلوب.
في سوريا كان المشهد مختلفا فالمظاهرات بزخمها كانت الأقوى والنظام كان الأعنف والأشرس، والجيش مدعوما بنظام أمني وسياسي رهيب مبني – طوال أربعين عاما – خصيصا للحظة كهذه، أما المعارضة فهي مشرذمة وبدون رؤية سياسية واضحة بل تعمل على مبدأ التبعية لم دعمها ورعاها وبالتالي بدل أن تتجه نحو الشرق (عرّاب النظام الروسي) آثرت تغيير المعسكر واتجهت للغرب.. معادية أيضا مصالح ايران وتطلعاتها التوسعية في المنطقة لمصلحة المملكة العربية السعودية فكانت لعبة المصالح وصراع القوى، ولا ننسى تضارب المصالح التركية – الايرانية في منطقة بوابة الشرق (سوريا) والسيطرة عليها، خصوصا وأن تركيا ترعى جماعة الاخوان المسلمين المرضِي عنهم حديثا من إدارة الرئيس أوباماإبان الربيع العربي.
كل ذلك واسرائيل على الأبواب تستفيد من فوضى سياسية وتسليح يضعف طرفا اللعبة ويفتت بنية الدولة والمجتمع، فتحصل بذلك على وقت كاف لتتمكن من تجاوز هذا الربيع الذي أقضّ مضجعها بعد سبات طويل في العسل.
إن هذا يقودنا إلى رؤية سياسية حقيقة تخرجنا من عنق الزجاجة الذي حشرتنا فيه المعارضة والنظام معاً بعد أن فقد كلاهما قراره الوطني لمصلحة عرّابه (فالأزمة السورية يناقشها كل من وزيري خارجية روسيا وأمريكا بعيدا عن النظام والمعارضة) وهو حل منطقي بالقياس لما جرى في بلدان الربيع العربي التي سبقتنا، فلو أن المعارضة توجهت شرقا (روسيا) باتجاه العرّاب بدل اتجاهها غربا (أمريكا) لكان الوضع مختلفا وأكثر حكمة، علما بأن موسكو أصبحت متأكدة كما يبدو من زوال النظام وبالتالي هي في رحلة البحث عن بديل وهذا يتمثل في دعوتها لهيئة التنسيق الوطنية (المقبولة روسياً والمحاربة من الجماعات الاسلامية وغيرها في المعارضة) إلى زيارتها في موسكو، وهذا ما جعل إدارة الرئيس أوباما (التي تنادي بالحل السياسي حالياً) تطرح فكرة الحل اليمني في قمة الثمانية وتنتظر للقاء القمة مع بوتين في الشهر القادم لطرح الفكرة المرحّب بها روسياً حسب النيويورك تايمز.
إن السياسة لا تبنى على الصداقة مهما كبرت أواصرها ولكنها المصالح والمصالح فقط، فلنتعلم السياسة من دروس الواقع ونجنب بلدنا العظيم خطر الانزلاق في حروب وويلات لا مخرج منها.
محمد حسن[email protected]