الياس خوري
استمعت الي خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس بشغف من يبحث عن نقطة ارتكاز سياسية لواقع افلت من المنطق. لكنني افتقدت التباسات النبرة الفتحاوية، وقدرتها علي رسم طريق واضح وسط تعقيدات القضية وتعرجاتها. افتقدت الي شعار فتح المركزي كل البنادق نحو العدو، ببساطته ووضوحه وسذاجته الصائبة. ورأيتني امام استقطاب حاد كانت حركة فتح تعرف كيف تذيبه في بنيتها الفضفاضة التي تتسع للجميع.
لا اريد ان ابدو نوستالجيا، وان لا اقرأ المتغيرات الكبري التي طفت علي سطح الوقائع السياسية والاجتماعية والثقافية في فلسطين والمنطقة. المنطقة تغيرت كثيرا منذ الغزو الامريكي للعراق، الحركات الوطنية في لبنان وفلسطين، تواجه خطر المنزلق الاصولي الذي يمحور السياسة العربية من حول ايران، ويعيد الاعتبار للنظام السوري، والأفق مسدود بالحمق الامريكي والتعنت الاسرائيلي.
غير ان الاخ ابو مازن، لم يتكلم في وصفه نقطة الجوامع المشتركة في فتح، بل تكلم في وصفه قائد احد اجنحتها الكبري. وهذا ما لم تعرفه الحركة منذ تأسيسها عام 1965. كانت فتح نقطة جذب وتعايش للتيارات السياسية المختلفة، ثم صارت نقطة تقاطع خيارين متلازمين: التسوية السياسية والكفاح المسلح. حتي بعد اوسلو، وبعد انشاء السلطة والبيروقراطية والاجهزة، ظلت النبرة الفتحاوية منفتحة علي الخيارين، وقد تجلي ذلك عبر قيادة فتح لإنتفاضة الأقصي، وقدرتها علي المزاوجة بين المفاوضات والنضالين العسكري والشعبي.
ماذا جري اذاً، ولماذا غاب عن خطاب الحسم السياسي الذي تميز به خطاب محمود عباس التزاوج بين هذين البعدين؟
نستطيع ان نجد العديد من التبريرات لخطاب الرئيس الفلسطيني، قد يكون اهمها هو الانسداد السياسي الذي صنعته حكومة حماس، ودخولها في لعبة المحاور الاقليمية، وعدم قدرتها علي استنباط لغة سياسية توائم بين شعاراتها والواقع السياسي الملموس، في فلسطين المحتلة. غير ان التبرير ليس جوابا استراتيجيا، والحنق ليس حلا، بل قد يقود الي اسوأ الخيارات، اي الي الحرب الأهلية التي ستكون كارثة وطنية.
هذا لا يعني بالطبع ان الانتخابات او حكومة الوحدة الوطنية ليستا المخرج من الازمة السياسية الطاحنة في فلسطين. حماس التي فازت في انتخابات المجلس التشريعي لأن الشعب الفلسطيني اراد معاقبة حركة فتح، لم تكن تنتظر هذا الفوز كما انها لم تكن مهيأة له. فالتبس خطابها السياسي وبدأت تتحدث عن دولة فلسطينية علي اراضي 1967، من دون ان تحدث تعديلا جوهريا علي رؤيتها السياسية. بل انها في وسط الحصار الذي فرض علي الشعب الفلسطيني قامت بالهرب الي المحاور الاقليمية، صارت دمشق عاصمتها السياسية وطهران عاصمتها الايديولوجية. كأنها رمت نضالا طويلا وعنيدا قادته منظمة التحرير من اجل الحفاظ علي استقلالية القرار الفلسطيني وابعاده عن هيمنة النظام السوري.
هذا الخيار افقد الحكومة الفلسطينية القدرة علي ان تكون لاعبا، ويهدد بتحويل فلسطين ساحة صراعات اقليمية. اي بدلا من ان تكون فلسطين خلاصة الجهد العربي من اجل مواجهة الاحتلال صارت ساحة صراع، واندرجت في لعبة المحاور، التي قد تجعل منها اداة مقايضة.
هذا الانسداد الحمساوي طال كثيرا، وصار عبئا اضافيا علي القضية. ولا ادري اليوم ما هي استراتيجية حماس في السلطة، ولماذا تتمسك بها. فالاحري بمن يملك رؤية سياسية كالتي تملكها حماس اما الابتعاد عن لعبة السلطة مثلما تفعل حركة الجهاد، او الدعوة الي حلها، او تعديل استراتيجيتها السياسية والقبول بحكومة وحدة وطنية قادرة علي فك الحصار.
لذا يبدو رفض حماس للانتخابات عبثيا، كأنها تريد الامساك بسلطة ليست بسلطة، او كأنها تدفع باليأس الفلسطيني الي نهاياته كي يصير احباطا دائما.
في المقابل فان حركة فتح التي اسست السلطة، واستطاعت خلال زمن القيادة العرفاتية ان تزاوج ما بين العمل السياسي والاحتفاظ بورقة المقاومة، مطالبة اليوم باعادة بلورة استراتيجيتها، وبالعودة الي لغتها، تلك اللغة التي قادت الانتفاضة وانتجت كتائب شهداء الأقصي، داخل اطار رؤية للتسوية قائمة علي اقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس.
نذر الحرب الأهلية في فلسطين تقود الي الخوف، كي لا نقول الي اليأس، فالانزلاق الي اللعبة لن يكون سوي حكم بالموت علي القضية الاولي التي تستحق ان نموت من اجلها في هذا العالم العربي المريض بالقمع والهزائم.
من هنا فان مسؤولية الفلسطينيين كبيرة جدا، ومسؤولية قيادة حماس في غزة وفي دمشق حاسمة. اذ لا وظيفة فلسطينية لهذا الانسداد السياسي، الا اذا كانت القيادة الحمساوية تريد رهن فلسطين للمحور السوري الايراني، لأنها وضعت نفسها في مربع ازمة كبري لحظة قررت رفض حكومة الوحدة الوطنية.
اما مسؤولية فتح وفصائل منظمة التحرير فهي الأكبر، المطلوب اليوم الانطلاق من فك الحصار الي بناء استراتيجية مقاومة مديدة. فالاحتلال الاسرائيلي لن يقتنع بالتسوية الا اذا تعرض لضغوط كبيرة ومتواصلة، وهذا لا يتم بالمناورات السياسية وحدها، بل يحتاج الي استراتيجية جديدة للمقاومة.