بعدما شاهدناه من حضور كثيف للجماهير اللبنانية واندفاعها الحضاري الشديد التنظيم والانضباط والوعي اعتقد انه بات حتميا علي حكومة السيد السنيورة أن تعيد مراجعة ملفاتها وحساباتها بل ومراهناتها ما دام هامش المناورة يتيح لها إمكانية الحراك السياسي أمام مطالب المعارضة المشروعة. أن خيار التظاهر الديمقراطي السلمي لا يسقط أمام الحكومة خياري توسيع قاعدتها بحصول المعارضة علي الثلث المعطل أو اللجوء إلي انتخابات مبكرة. إن قبول السلطة بأحد هذين الخيارين يؤدي آليا إلي فك التجاذب السياسي الحالي وخلق حالة من الانفراج المبدئي داخل الساحة اللبنانية المتميزة بالتنوع والتعدد الطائفي والديني والمذهبي. والذي يفرض علي البلد ضرورة العيش المشترك إن الواقعية السياسية والسلم الأهلي يفرضان تجاوز الحساسيات والاتهامات والتخوينات والدعوة إلي توافق وطني والجلوس إلي مائدة الحوار من اجل صياغة حكومة وحدة وطنية بديلة ونظيفة تمثل كافة الشرائح والأطياف اللبنانية دون إقصاء لأي طرف مع مراعاة الثوابت الدستورية واتفاقات الطائف. إن استمرار الفريق الحالي في السلطة واعتكافه المريح داخل السراي الحكومي لا يعفيه من تجاهل الرفض الشعبي الواسع وكأن علي عينيه غشاوة وفي آذانه وقر. فالإنصات لنبض الشارع والتعاطي بايجابية مع تطلعاته يعد عتبة أساسية من اجل التغلب علي حالات الاحتقان وتجييش الشارع المضاد وخصوصا في الحالة اللبنانية. ومن تحصيل حاصل التذكير بالقاعدة المتعارف عليها عالميا إن الشعب هو مصدر السلطات. أما الاحتماء بمظلة التأييد الخارجي لبعض الدول فان ذلك لن يحول دون المد الشعبي الذي يشكل طرف المعادلة في التوازن الداخلي. غير انه تجدر الإشارة أن الساحة اللبنانية عرفت تطورا غير مسبوق وذلك حين قام مفتي لبنان الشيخ قباني بإمامة صلاة الجمعة داخل السراي الحكومي علي أمل أن يعطي شرعية دينية لهذه الحكومة والواقع أن هذه الصلاة والتصريح التلفزيوني الذي أعقبها من فضيلة المفتي شكلت شرخا في الجسد اللبناني باعتباره صوتا سنيا مؤيدا لاستمرار الحكومة في مقابل الصوت الشيعي المعارض. وقد أعلن البطريرك صفير في قداس ديني عن تأييده الضمني لحكومة السنيورة في اشارة الي عدم رضاه علي ميشيل عون المسيحي المعارض.
إن هذا التدخل في الاصطفاف إلي هذا الفريق أو ذاك يعطي بعدا دينيا ومذهبيا للصراع السياسي ويشحنه بعناصر الفتنة وينقله من المربع السلمي الحضاري إلي مربع الاشتباك والاحتراب الأهلي وإثارة النعرات الطائفية والدينية. إن حل المعادلة اللبنانية الصعبة ـ وليست المستحيلة- تكمن أساسا في الإصغاء للنبض الداخلي الحقيقي للجسم اللبناني المنهك واعتماد حلول توافقية تراعي مبادئ العيش المشترك لجميع الأطراف. وهذا يقتضي في الظرفية الحالية المعقدة التي وصلت إلي وضعية شبه الباب المقفل إما الاتفاق علي حكومة وحدة وطنية تلتئم فيها جميع التيارات السياسية الفاعلة. وإما إقرار قانون انتخابي جديد يراعي مصالح كل الفئات وإجراء انتخابات نيابية مبكرة يذعن لنتائجها كل ألوان الطيف السياسي. الكرة الآن في ملعب الحكومة وعليها إن تقرر وتكون فاعلة وتخرج من اعتكافها وان لا تمكث اسيرة للاستقبالات الرسمية والاتصالات الهاتفية والإطلالات الخجولة من شرفة السراي الحكومي وان تسارع إلي سد نافذة الفتنة التي تصر أمريكا وإسرائيل علي تركها مشرعة إلي الأبد.
د. أبو إيمان السوريالمغرب6