المعارضة التونسية والمفهوم المتغير لمعنى الحياد بين السياسة والدين
3 - January - 2014
حجم الخط
0
اطلعت في غضون الأسبوع الماضي من خلال بعض الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي على فحوى امتحان في مادة التربية المدنية قدمته ثلة من الأساتذة من ولاية صفاقس إلى التلاميذ. أما مضمون الامتحان باختصار فهو: ‘لم تحظ حركة النهضة بثقة الشعب التونسي بسبب فشلها في إدارة الحكم أمنيا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. حرر فقرة مسترسلة بالاعتماد على الأسئلة التالية: (السؤال الثالث) لم يثق الشعب في السلطة الحاكمة فماذا يمكنه أن يفعل ليمارس هو أيضا مواطنته سياسيا ؟’ ما نستشفه دون عناء من مضمون الامتحان هو عدم حيادية الاساتذة المعنيين بصياغة الموضوع ونزعتهم الواضحة لتسييس دور العلم وتحريض التلاميذ على الخروج على الحاكم المنتخب من قبل الشعب. وهنا لا بد من التساؤل المشروع حول ما إذا كانت مهمة الأساتذة ومهمة المؤسسات التعليمية هي تلقين الناشئة شتى أنواع العلوم أم تلقينهم بأن الحاكم المنتخب قد فشل فشلا ذريعا في الحكم وبالتالي تحريضهم على الخروج عليه ؟!! بداية، من أين استقى هذا الأستاذ معلوماته هذه؟ وهل هناك جهة أو مؤسسة مستقلة ومختصة في تقييم تجارب الحكم يمكن أن يرجع إليها الجميع؟ فوفق ما أعلم، لا توجد جهة مستقلة يمكن أن نعتمدها في الحكم على الأحزاب وتجاربها في الحكم. والطريقة الوحيدة والشفافية المعتمدة الى يوم الناس هذا في الحكم على الحكومات بالنجاح أو الفشل هي الانتخابات وصندوق الانتخاب. فلماذا يهرب بعض أساتذتنا إلى الأمام ويستقون معلوماتهم من إعلام العار ومن بعض أحزاب المعارضة المتطرفة؟ ولماذا يحاولون وأد كل تجربة ديمقراطية إذا لم تأت بالأحزاب التي يتعاطفون معها إلى الحكم؟ الغريب في الأمر أن هؤلاء الأساتذة وهؤلاء القوم يطالبون صباحا مساءا بتحييد المساجد ويطالبون بعزل كل الأئمة المتميزين والنشطين بحجة أنهم ينتمون إلى حركة النهضة وأن حركة النهضة هي من عينتهم على رأس المؤسسات الدينية والمساجد وبحجة أنهم يدعون لحركة النهضة. وهو ما يتعارض في نظرهم مع مبدأ الحياد. والحقيقة أنه لا بد للمساجد أن تبقى محايدة. فغير مسموح شرعا وأخلاقا أن تستعمل المساجد كمنبر للدعوة إلى حزب معين أو إلى جهة معينة. قال الله تعالى :’ وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا’. ولكن البعض من المعارضة أو إن شئنا المعارضة المتطرفة تنادي بتحييد المساجد لا لأن السلطة عينت أئمة من حركة النهضة ولكن لأن الأئمة المعينين يطرحون للناس الإسلام الذي درسوه وتعلموه في الجامعات والذي هو نفسه الإسلام الذي تتبناه حركة النهضة – في حين ترى المعارضة المتطرفة أن للإسلام مفاهيم وتأويلات عديدة وعليه تستنكر على حركة النهضة احتكارها لفهم الدين الإسلامي. إذا طرحت مسألة الدين والسياسة قال أهل الذكر من حق الدين أن يتدخل في الشأن السياسي ويسعى لإصلاح الوضع السياسي بما يتناسب والمقاصد العامة للدين الإسلامي. فيكون رد المعارضة بأنه ليس من شأن الدين التدخل في المجال السياسي، وان الدين مجاله الوحيد هو إصلاح الفرد، وهو صلة بين العبد وربه وليس له دخل في السياسة وفي شؤون الحكم. وإذا قال الأئمة للناس لا تشربوا الخمر فإن الله قد حرمها عليكم قالت المعارضة المتطرفة لا: إن الله لم يحرمها وإنما قال اجتنبوها فقط. وإذا طلب الأئمة بالتيسير على الناس وفتح باب تعدد الزوجات لإيجاد حلول لعديد من المشاكل الاجتماعية والنفسية واستشهدوا بالآية الكريمة ‘وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ‘ ردت عليهم المعارضة وقالت: إن الإسلام لم يجز لنا التعدد بدليل أن الله تعالى قال:’ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة’ وقال أيضا ‘ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم’. لذلك ومن باب درء الشبهات فإن المعارضة تقترح وتطالب بتحييد المساجد. بمعنى تطالب بتعيين أئمة لا يثيرون الشبهات ولا يثيرون مسائل فيها اختلاف بين علماء الأمة وتأويلات ‘علماء’ المعارضة حتى لا تختلف الأمة وحتى يمكنها التحدث والتعمق فقط في القضايا والمسائل المتفق عليها كمسائل الحيض والنفاس والوضوء والنظافة وحقوق الجار… وتترك بالتالي كل المسائل الخلافية ربما للجولة القادمة من الحوار الوطني. ولكن بعض رموز المعارضة لا يستطيعون إخفاء نواياهم الحقيقية رغم براعتهم في فن الجدال والمناورة. ففي خضم النقاشات الحادة يمكن للاشعورهم أن يفضحهم في لحظة صدق ويعبر عما يختلج في نفوسهم. ففي حلقة في قناة نسمة خصصت لمناقشة قانون الأوقاف قال سفيان بن حميدة :’لقد كشفت الجماعة عن نواياها الحقيقية. إنهم يريدون أسلمة المجتمع’بما يعني أن المعارضة لا تدافع عن وجهة نظر إسلامية وإنما تدافع عن وجهة نظر علمانية تريد سلخ المجتمع عن دينه وقيمه وحضارته. ولكي لا يفتضح أمرها تتستر المعارضة بالدين وتتخفى في لباس إسلامي حداثي. قال أحمد شوقي برز الثعلب يوما في ثياب الواعظين يمشي في الأرض يهدي ويسب الماكرين و يقول الحمد لله إله العالمين يا عباد الله توبوا فهو كهف التائبين إلى أن قال : بلغ الثعلب عني عن جدودي الصالحين عن ذوي التيجان ممن دخلوا البطن اللعين أنهم قالوا و خير القول قول العارفين مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا منجي المازني