إسطنبول – دمشق – «القدس العربي» : قتل أكثر من 60 جندياً لقوات النظامين السوري الروسي، في أرياف حلب الجنوبية والغربية، شمال غربي سوريا، نتيجة الضربات العسكرية التي وجهتها قوات المعارضة المسلحة وهيئة تحرير الشام، في أول رد تركي صارم على موسكو، التي تضغط عبر قصف عشوائي غير مسبوق خلّف موجات النزوح الجماعي اقترب من مليوني شخص، بهدف الضغط على تركيا وتعديل اتفاق «سوتشي» إلى اتفاق جديد يضعف الموقف التركيّ المستقبلي في سوريا.
وأعلنت الجبهة الوطنية للتحرير المدعومة من أنقرة، استهداف قوات النظام في محور الكلارية وجمعية الزهراء غربي مدينة حلب، بصواريخ مضادة للدروع، ومواقع أخرى تتحصن فيها قوات النظام والميليشيات الإيرانية على محور خلصة في ريف حلب الجنوبي، مؤكدةً وقوع خسائر ضخمة.
وأفادت «شبكة أخبار حي الزهراء بحلب» التي يديرها عناصر من قوات النظام، الاحد، مقتل 20 جندياً من «رجال الجيش العربي السوري والقوات الرديفة» بينهم أربعة ضباط برتبة «ملازم» في معارك حي الزهراء بحلب، فيما أعلنت هيئة تحرير الشام عبر وكالة «إباء» الناطقة باسمها، مقتل 65 جنيداً للنظام، و5 عناصر من القوات الروسية.
وأكدت مصادر إعلامية موالية تسلل قوات المعارضة المسلحة إلى المباني السكنية القريبة من «الملحق الرابع في محيط ساحة الإسمنت» كما دارت اشتباكات في محيط جامع الرسول الأعظم ودوار المالية.
الجيش التركي يدفع بـ «أضخم» تعزيزات عسكرية لمنع سقوط سراقب في إدلب
وجاء هجوم «هيئة تحرير الشام» على مواقع النظام في ريف حلب، بالتزامن مع هجوم آخر شنته فصائل المعارضة السورية، ضد قوات النظام السوري والميليشيات الايرانية، إلا أن هذه المعركة توقفت بعد ساعات على انطلاقها.
من جهتها أعلنت «هيئة تحرير الشام» إيقاف هجومها على الأحياء التي يسيطر عليها النظام السوري على أطراف مدينة حلب من ريفها الغربي، وقال مصدر عسكري لشبكة تحرير الشام الإعلامية «إباء» إن مجموعة العصائب الحمراء التي دخلت حي جمعية الزهراء تمكنت من العودة إلى مواقعها، دون إصابات. كما وثقت مقتل خمسة عناصر من القوات الروسية، وأكثر من 65 عنصرًا من قوات النظام، بالإضافة إلى إصابة 30 آخرين.
قواعد اشتباك جديدة
وهذه هي المرّة الأولى التي تبادر فيها فصائل المعارضة المسلحة لكسر خطوط التماس مع قوّات النظام السوري منذ عام 2016، ويأتي هذا الهجوم تزامناً مع تعزيزات غير مسبوقة للجيش الوطني غرب حلب وجنوب وشرقي إدلب في ظل الحملة العسكرية التي يقوم بها النظام السوري لاجتياح منطقة خفض التصعيد.
ويُمكن الاعتقاد بأن هجوم الجيش الوطني السوري على فتح جبهات بريف حلب يهدف حسب الخبير السياسي السوري محمد سرميني إلى إعلان المعارضة السورية انتهاء العمل من قبلها بنظام وقف إطلاق النار في إطار الصيغة السابقة لمسار أستانة، كإجراء مقابل لتعامل النظام السوري في إدلب، وإعادة صياغة إطار جديد لنظام وقف إطلاق على الأرض من خلال رسم خطوط تماس جديدة، على أمل أن يساهم ذلك في إعادة الاعتبار لموقف المعارضة السورية في حال استئناف مسار أستانة.
واعتبر المتحدث لـ»القدس العربي» أن من أسباب الهجوم أيضاً، الضغط على النظام السوري لكبح تقدّمه العسكري في جبهات منطقة خفض التصعيد، بحيث يعيد توزيع قوّاته، على أمل أن يساعد ذلك المعارضة على استعادة بعض المناطق التي خسرتها. وهناك ما يوحي حسب «سرميني» بأنّ تركيا تريد إعادة تعريف مسار أستانة في ظل إصرار روسيا على عدم تقديم تنازلات تستجيب لمصالحها ومخاوفها الأمنية. عِلماً أنّ رغبة أنقرة لا تعني إعلان وقف إطلاق النار بل فرض قواعد اشتباك جديدة في الميدان.
تعزيزات ضخمة
وتعتمد موسكو على القوة الخشنة بهدف تعديل مضمون الاتفاقين المبرمين مع أنقرة بما يخص إدلب والأرياف المحيطة بها، من خلال السيطرة الكاملة على طريق حلب دمشق الدولي – وطريق حلب اللاذقية، وهو ما أثر على العلاقات التركية – الروسية.
ويبدو من واقع العلاقة بين روسيا وتركيا حسب الباحث السياسي عرابي عرابي، اعتماد روسيا على تلبية الطموحات الدفاعيّة التركيّة من خلال عقدها صفقة S400 بالتوازي مع حرصها على استغلال العلاقة المتوترة بين تركيا ودول الناتو بعقد اتفاقات أمنيّة تلبّي مطالب أنقرة القوميّة المتمثلة بالتعهّد بمنع إنشاء إقليم حكمٍ ذاتي يتحكم به حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريّا، مقابل دعم مساعي روسيا في إقرار حلٍّ سياسيٍّ متعدد الخطوات، مما دفع الطرفين إلى إرساء تفاهمات مختلفة تمّ الاتفاق عليها في مسار أستانة ومؤتمر سوتشي الأوّل والثاني، لافتاً في حديثه مع «القدس العربي» إلى إصرار موسكو على تغيير مضمون الاتفاقات المبرمة بين الطرفين على الرغم من أن الاتفاق يوضّح وضع الطرق الدولية تحت السيطرة المشتركة والتي تحيط بها مناطق عازلة من قوات النظام والمعارضة.
ودفع الجيش التركي بأضخم تعزيزات عسكرية إلى ريفي إدلب وحلب، كما أقام عدداً من القواعد العسكرية تمركزت على الطرق الدولية ومحيط مدينة سراقب التي يتقدم نحوها النظام بسرعة بغطاء جوي من روسيا التي اتهمتها أنقرة بعدم الالتزام بتعهداتها بموجب اتفاق أستانة وتفاهمات «سوتشي».
ووسط توتر غير مسبوق في العلاقات السياسية والعسكرية بين أنقرة وموسكو حول سوريا، وعلى مدار يومي السبت والأحد، دفع الجيش التركي تباعاً بـ»أضخم» تعزيزات عسكرية إلى مناطق مختلفة في شمال سوريا، ودخلت أرتال عسكرية تضم دبابات ومدافع ومدرعات مختلفة ومعدات عسكرية وقدرت بـ200 آلية وثقتها عشرات مقاطع الفيديو من سكان المناطق التي عبرت منها الآليات إلى مناطق مختلفة من ريفي إدلب وحلب، وهي المناطق التي كثف النظام السوري هجماته عليها في الأيام الأخيرة بدعم عسكري روسي مباشر.
وإلى جانب ذلك، أقام الجيش التركي عدداً من القواعد العسكرية في محيط مدينة سراقب التي يتقدم نحوها النظام السوري في محاولة للسيطرة عليها عقب أيام من سيطرته على معرة النعمان، وتشير خريطة انتشار الجيش التركي إلى أنها محاولة غير مسبوقة لمنع سقوط هذه المدينة في يد النظام. كما أنها ركزت على السيطرة على الطريق الدولي الذي تعتبر السيطرة عليه الهدف الأول لهجوم النظام وسط أنباء عن إعلان الجيش التركي طريق حلب – اللاذقية «منطقة عسكرية مغلقة».
ويولي الجيش التركي أولوية بالغة لمنع سقوط سراقب الاستراتيجية التي تعتبر من أبرز مدن إدلب ومحور مرور الطرق الدولية في شمال سوريا والتي تعتبر أبرز أوراق الضغط بيد أنقرة في وجه روسيا والنظام لدفعهما للاستمرار في المسار السياسي في سوريا.
وكانت مصادر تركية خاصة أكدت، الخميس، لـ»القدس العربي» أن الجيش التركي قرر إقامة ما يشبه الدرع العسكرية في محيط المناطق التي يسعى النظام السوري للسيطرة عليها، وهو ما أكده أيضاً تقرير لصحيفة «صباح» المقربة من الحكومة التركية، الأحد.
تلويح بالقوة
ولكن وفي المقابل، لا يمكن وصف توافد الأرتال التركية الضخمة بأنه إعلان لنقض الاتفاقات التركية – الروسيّة، حسب ما يقول الباحث السياسي عرابي عرابي وإنما يمكن عدّ ذلك تلويحًا بالقدرة على منع روسيا من المضيّ قدمًا في خطتها العسكريّة من خلال منع قوات النظام من التقدّم والسيطرة على ما تبقى من الطريق الدوليّ حيث تمثل عقدة سراقب زاوية مهمّة في استكمال ربط طريق حلب – دمشق بمناطق سيطرة النظام في ريف إدلب الجنوبي من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد يكون لحضور هذه الأرتال دور في فرض إيقاف لإطلاق النار ريثما يتم التفاوض على اتفاق جديد يوقف موجات النزوح.
وبخصوص العمليات العسكريّة في منطقتي الباب وحلب، اعتبر الباحث السياسي أنها داخلة في إطار التلويح بأوراق القوة التي يمكن من خلالها استنزاف النظام وتكبيده خسائر كبيرة، إلا أن الردّ الروسيّ بقصف مدينة الباب أمس يشير إلى استعداده الذهاب في أقصى درجات العنف لخلط الأوراق التي تؤثر على الواقع السوريّ برمّته.
وحول الموقف الأمريكي، أشار المتحدث لـ»القدس العربي»، إلى وجود موقف داعم لمطالب تركيا بإيقاف القصف وإرساء هدنة طويلة في المنطقة، ويدعم ذلك أيضًا الخلافات المتكررة بين الجنود الأمريكيين والروس في محافظة الحسكة، إلا أن دعم تركيّا في موقفها من الروس يتطلب دعمًا فعليًّا عبر الوسائل الدبلوماسيّة والتنسيق مع حلفائها لدفع روسيا على إيقاف الهجمة الأخيرة.