ابراهيم درويشلندن ـ ‘القدس العربي’: تقترب الذكرى السنوية الثانية على بداية الانتفاضة السورية التي تركت حتى الآن 60 الف قتيل والالاف من المعتقلين والمفقودين ومشاهد دمار شامل في كل انحاء البلاد، وفوق كل هذا تعاني الحرب من جمود في التحركات السياسية والعسكرية.فقد اعلن عن ساعة الحسم اكثر من مرة، واعترف بتشكيل جديد للمعارضة السورية، حيث فشل هذا التنظيم في الحصول على دعم داخل سورية ومن القواعد المؤيدة للنظام واقناعها بانها تدعم نظاما يقترب من نهايته ولم يقنع المعارضون الاقليات التي يعتبر دعمها مهما للتوصل الى تسوية ولمنع تحول سورية الى دولة فاشلة.وعلى الرغم من التصريحات المتكررة من قيادات وممثلي المعارضة السورية في الخارج من انها تعمل على بناء سورية للجميع، وانها ستضمن حقوق الاقليات وتوفر الحماية لها في مرحلة ما بعد الاسد، بما فيها الطائفة العلوية التي ينتمي اليها الرئيس بشار الاسد، وانها لن تحاسب الا من تلوثت يداه بالدماء، الا انها لم تقدم حلا عمليا ومشروعا سياسيا يقنع هذه الاقليات التي تؤيد النظام او المترددة، التي تقف على الحياد، كما في حالة بعض القطاعات الكردية. وتنقل صحيفة ‘نيويورك تايمز’ عن بيتر هارلينغ من مجموعة الازمات الدولية في بروكسل قوله ان المعارضة تقوم بدعم بقاء النظام من خلال عدم توفر استراتيجية لها عندما يتعلق بالحفاظ على ما تبقى من الدولة، في مرحلة ما بعد الاسد، مشيرا الى ان المعارضة لم تكن قادرة بعد على جذب العلويين واقناعهم او حتى تلك الجماعات التي لا تعرف مع من تقف: النظام ام المعارضة. وبناء على محللين لهم اتصالات في داخل سورية قالوا ان المعارضة فشلت حتى الان بتوضيح موقفها حول قضايا وتحديات ملحة من مثل كيفية التعامل مع البعث والجيش والقطاع العام الذي يعمل فيه 1.2 مليون سوري. وكذا لم تقدم المعارضة اية توضيحات حول كيفية التعامل مع الملف الطائفي، في ظل وضع تحول فيه النزاع الى حرب طائفية. وكانت المعارضة السورية قد اجتمعت في بريطانيا وبدعوة من الخارجية البريطانية لدراسة وضع سورية والتحضير للمرحلة القادمة، حيث شكلت لجان عمل لوضع خطط حول الدستور وعملية التحول السياسي وحماية مؤسسات الدولة من الانهيار. وتخشى الدول الداعمة للمعارضة والرافضة للتدخل الغربي في سورية من تكرار درس العراق، حيث اسست السياسات التي طبقها مجلس الحكم الانتقالي والدستور الى ولادة الدولة الطائفية والمحاصصة الطائفية. ولا تزال اثار البيانات الاولى للحاكم المدني الامريكي بول بريمر من حل للجيش وملاحقة للبعث واضحة في العراق اليوم. ويعتقد نقاد المعارضة ان الاخيرة قد ضيعت الكثير من الفرص لزرع اسفين بين النظام ومؤيديه، وسمحت بالتالي للنظام كي يصور نفسه على انه حامي البلاد من الجماعات ‘الارهابية’ التي تريد تدمير البلاد بدعم وتمويل من الخارج، كما جاء في خطابه الذي القاه الاحد الماضي في دار الاوبرا بدمشق (6/1/2013).قال انه الحاميويعلق هارلينغ على الخطاب بقوله ان الاسد اقنع الكثيرين بانه لا يزال الخيار المعقول، وعكس اعتقاد النخبة المحيطة بالرئيس بان الشعب سيعود للرئيس لان لديه رؤية واضحة عن البلاد. وعلى الرغم من اعتبار الكثير من المحللين خطاب الاسد على انه قتل لمهمة الابراهيمي والحل السياسي الذي بدا الاقرب لحل الازمة السورية في ظل فشل الطرفين بهزيمة الاخر، الا ان روسيا وايران اعتبرت خطابه يقدم رؤية معقولة للتسوية، وبدا واضحا في تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف الذي دعا المعارضة يوم الاحد بتقديم رؤية واضحة ومضادة لرؤية النظام، كما انتقد المبعوث الدولي السابق، كوفي عنان، روسيا والولايات المتحدة لانهما لم تقوما بالكثير من الجهد لجمع الطرفين.ويبدو ان العائق الوحيد للتوصل لتسوية هو اصرار المعارضة على رحيل الاسد كشرط للتفاوض، وهو شرط يطيل امد النزاع لا يسرع بحله.وتشير ‘نيويورك تايمز’ الى ان مخاوف عنان وروسيا يشترك فيها عدد من المحللين والمراقبين. فبحسب فردريك هوف المستشار السابق في الشؤون السورية فالمعارضة وان قدمت التطمينات لثلث من السكان السوريين الذين ينتمون الى الاقليات، الا ان عدد من يصدقونها يحصى على الاصابع، خاصة ان العامل الجهادي يزداد تأثيره في العمل العسكري، وما اظهرته اشرطة فيديو بثت على ‘يوتيوب’ عن عمليات اعدام ذات طابع طائفي. ولعل العائق الوحيد امام المعارضة لاقناع القطاعات المترددة من السكان نابع من تشرذمها وانها لا تتحدث بصوت واحد، فهي منقسمة بناء على الخطوط العلمانية والاسلامية، وعسكريا فيها فصائل معتدلة واخرى متشددة وجهادية الطابع. وتبدو ازمة المعارضة واضحة من انه وبعد اكثر من شهرين على الاعتراف بالائتلاف الوطني السوري، الذي ولد برعاية غربية وعربية، وحظي باعتراف دولي فانه لم يتفق بعد على حكومة منفى او انتقالية. وعلى الرغم من الانتقادات التي تلقى على المعارضة الا انها ترفض من يصف الثورة السورية بانها سنية، وبالتالي تربط العنصر الجهادي بها، حيث يتخذ هذا الوصف كمبرر لعدم دعم الثورة السورية بالسلاح، وتتهم المعارضة النظام باختطاف الطائفة العلوية عبر ربط مصيرها بمصير النظام. ويقول يزيد صايغ من معهد كارينغي الشرق الاوسط في بيروت ان الكثير من الوقت ضيع في المطالبة برحيل الاسد كشرط للتفاوض، مشيرا الى ان هذا الطلب هو حديث عن انتصار لا عملية سياسية. ومن العوامل الاخرى التي تعيق تقدم المعارضة على الارض في جانب كسب العقول والقلوب ان المناطق التي وقعت تحت سيطرة المقاتلين، حيث تعاني من نقص في الغذاء والحاجيات الاساسية، خلافا للمناطق التي تقع تحت سيطرة النظام الذي ظل على الرغم من مصاعبه المادية قادرا على دفع الرواتب وتوفير الكهرباء التي تنقطع بين الفينة والاخرى. ويتهم المعارضون النظام بانه يقوم باستهداف مناطقهم عبر القصف الجوي الدائم في محاولة منه للتاُثير على مواقف السكان.برقية في سياق اخر، نقلت ‘نيويورك تايمز’ ما نشر في موقع ‘فورين بوليسي’ عن برقية ارسلها القنصل الامريكي العام في اسطنبول، جاء فيها معلومات عن تحقيق اجرته القنصلية حول ادعاءات عن قيام النظام السوري باستخدام غاز سام في مدينة حمص، وذلك في 23/12/ 2012 . وقالت الصحيفة انه على الرغم من تقليل المسؤولين في الخارجية الامريكية من اهمية الاخبار التي تحدثت عن استخدام الاسلحة الكيماوية الا انهم لم يعلقوا مباشرة على ما ورد في البرقية ولم ينفوا امكانية استخدام عناصر كيماوية.وفي بيان للبيت الابيض يوم الثلاثاء جاء فيه ان التقارير التي تتحدث عن استخدام سورية للسلاح الكيماوي ‘ليست منسجمة مع ما لدينا من معلومات حول برنامج الاسلحة الكيماوية السورية’، فعلى الرغم من تحذير الولايات المتحدة للنظام السوري بعدم استخدام اسلحته وانها خط احمر، قد يستدعي ردا امريكيا، الا ان الحديث عن تحركات سورية للتحضير لهجمات كيماوية سرعان ما استبدل بالقول ان سورية اوقفت نشاطها وانها فهمت التحذير مع ان مارتن ديمبسي رئيس هيئة الاركان الامريكي قال ان واشنطن لن يكون بامكانها منع سورية من استخدام ترسانتها، لكنه على الرغم من ذلك لم يستبعد عملا عسكريا. وكان ناشطون ومعارضون عسكريون فروا الى تركيا قد قالوا ان النظام استخدم الكيماوي في مدينة حمص، وهي تقارير لم يتم التأكد من صحتها. وقد اعتمد التحقيق الذي اجرته القنصلية الامريكية على شهادات منشقين سوريين، اطباء وناشطين.ضحايا من نوع اخررغم كل ما سبق فلم يتغير شيء على المشهد السوري الا زيادة عدد القتلى اليومي والهروب المتواصل للمواطنين واستمرار الدمار، وقصص المعاناة في المخيمات وانتظار الهبات من مؤسسات العون الدولي في الدول التي لا تسمح حتى الان باقامة مخيمات للاجئين السوريين. وكانت دراسة قد كشفت ان السوريين يهربون من بلادهم خوفا من الاغتصاب الذي اصبح سلاحا في الحرب الدائرة في سورية، وذلك بحسب دراسة قامت بها مؤسسة الانقاذ الدولية ومقرها الولايات المتحدة، حيث قامت الدراسة على حالات من بين 600 الف لاجئ فروا من ديارهم.وقالت ان النساء السوريات معرضات لخطر الاغتصاب، حيث يتم اخذهن جانبا وتنتهك اعراضهن، كما سجلت حالات اغتصاب جماعي لنساء من جماعات مسلحة عند نقاط التفتيش، حيث لم يحدد التقرير ماهية الجماعات المسلحة، ولكن النظام متهم بانتهاكات حقوق الانسان وتعذيب وقتل. وتثير القصص التي اوردها التقرير الصدمة حيث قالت نسوة انه تم الاعتداء عليهم في بيوتهن واحيانا امام افراد العائلة. وفي حالات اخرى تم اختطاف فتيات حيث تم الاعتداء عليهن ثم عذبن وقتلن، وفي حالة تم الاعتداء على فتاة صغيرة، حيث اغتصبت جماعيا وعذبت وامرت بالعودة الى اهلها عارية.وضحايا الاغتصاب هن جزء من مآسي الحرب في سورية، ففي تقرير عن جرحى الحرب لصحيفة ‘واشنطن بوست’ من مدينة ريحانلي التركية، حيث زارت مركزا طبيا يعالج فيه الجرحى من مدنيين ومقاتلين، يتلقى بعضهم العلاج لاسبوع او شهر ثم يعود المقاتل لسورية اما المدني فيتم اسكانه في بيت مؤقت، لكن المعوقين باعاقات دائمة لا يمكنهم العودة وعليهم تقبل اوضاعهم الجديدة ـ والتعلم على استخدام العكازات.وتقول الصحيفة ان الدولة في ما بعد الحرب يجب ان تأخذ بعين الاعتبار المعوقين او اصحاب الاحتياجات الخاصة من المدنيين والمقاتلين بعين الاعتبار ونقلت عن المقاتل احمد زعير الذي اصيب برصاصتين في حوضه وهو يقاتل الحكومة في ادلب ادت لشلله ان الناس لن ينسوا المقاتلين، مؤكدا ان ‘الحكومة ستهتم بهم’.ويشير التقرير الى ان اصحاب الاحتياجات الخاصة، خاصة من يعيش منهم في الريف لم يكونوا يحصلون على مساعدات طبية. ففي تقرير للبنك الدولي عام 2002 وجد ان نسبة خمسة بالمئة من اصحاب الاحتياجات الخاصة يحصلون على عناية ومساعدة ، من بين ما يقدر عدده من نصف مليون الى مليون ونصف المليون مصاب. ومع ان الحكومة حاولت في العقد الماضي تحسين الخدمات الا ان خطواتها كانت بطيئة وتوقفت الان بسبب الحرب. ويقول الاطباء انه يعانون الكثير من اجل معالجة الجرحى في المستشفيات الميدانية قبل نقلهم الى البلدان المجاورة خاصة تركيا.ومن اجل مواجهة الاحتياجات الخاصة قام فريق من الاطباء السوريين في الخارج باقامة مركز طبي، مدرسة سابقة في ريحانلي من اجل توفير العناية للمصابين باصابات دائمة، ويستوعب المركز 80 مصابا تتم معالجتهم مجانا حيث تغطى تكاليف الاقامة الشهرية 100 الف دولار من تبرعات المنظمات الطوعية. ويقول طبيب فر من سورية ان الاصابات التي تؤدي للشلل ناجمة عن استهداف القناصة للظهر والرأس وذلك من اجل جعل الشخص يعاني طوال حياته.qarqpt