المعارضة العربية بعد السلطة للأبد
المعارضة العربية بعد السلطة للأبدحكم البابا (انتخاب) الأستاذ علي صدر الدين البيانوني لولاية ثالثة ولأربع سنوات قادمة مرشداً لجماعة الاخوان المسلمين السورية مرعب، فها هي قيادات المعارضة العربية تقرر أن تلعب نفس لعبة السلطات التي تعارضها، بالتحكم بتنظيماتها والاستمرار إلي الأبد في قيادتها التاريخية، وأغلب الظن بأن العديد من قيادات المعارضة العربية ستلتقط خطوة الأستاذ البيانوني، باعتبارها طوق نجاة أو نافذة فرج في أي امتحان انتخابي حقيقي أو شكلي تجري بين كوادرها للبقاء علي رأس تنظيماتها، ومن المؤكد أن هذه القيادات المعارضة ستخفف في المستقبل من انتقاداتها للسلطات التي تعارضها، وتحديداً في مسألة الاستئثار بالحكم والاستمرار في القيادة، فمن غير المنطقي بعد خطوة مرشد الاخوان المسلمين السوريين أن تعيب المعارضات العربية علي غيرها ما تقبله لنفسها، إلاّ إذا بحثت عن مبررات من قبيل الظروف المختلفة بين السلطة والمعارضة، وأن لقيادات السلطة ميزات، بينما علي قيادات المعارضة مهام، أو كون الانتخاب في صفوف المعارضة كان انتخاباً حقيقياً، وأن المرشد العام أو الأمين العام أو رئيس الحزب ـ سموه ماشئتم ـ أعيد انتخابه لكونه محبوباً، أو لخدماته الجليلة التي قدمها لحزبه، أو لعدم وجود شخصية استثنائية قادرة علي قيادة حزبه أكثر منه، وليس شكلياً مثلما يحدث في انتخابات قيادات السلطات العربية.لا أعرف ما إذا كانت عملية الانتخاب التي جري فيها إحراج الاستاذ البيانوني بالبقاء في منصبه لولاية ثالثة ـ باعتباره نشر رسالة كان قد وجهها لأعضاء تنظيمه يعلن فيها عزمه عن مغادرة المنصب، وتمني لهم الخير من بعده ـ حقيقية أم شكلية، ولكن الخطوة في مجملها تشبه في شكلها الخارجي علي الأقل البروفة الهزلية التي أجراها قبل مدة بسيطة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، والفارق الوحيد بين الحكايتين الدراميتين شكلاً ومضموناً، أن جماهير الرئيس صالح نزلت علانية إلي الشوارع لتطالبه بالتخلي عن اعتزاله للرئاسة، وتعففه عن السلطة، في حين عملية اعتزال وتعفف الأستاذ البيانوني عن المنصب ومن ثم تراجعه جرت كلها ضمن الغرف المغلقة، وكل ما وصل إلينا من اعتذار أو قبول سمعناه من مصادر ناطقة باسم جماعة الاخوان المسلمين نفسها!ولا أظن أن هذه الخطوة الاستثنائية التي قامت بها جماعة الاخوان المسلمين في سورية ستمر بدون أسئلة تطرح ـ مهما حاول البعض اعتبارها شأناً داخلياً يخص تنظيمهم ـ عما إذا كان الخطاب الديمقراطي الذي يعتمدونه حقيقياً، لا مجرد بروباغاندا إعلامية وإعلانية وترويجية، وأي تبرير أو دفاع أو حتي عرض حقائق ونشر محاضر لما جري من تفاصيل في عملية (الانتخابات) التي جري بموجبها التمديد للأستاذ البيانوني، ستزيد من حجم وعدد إشارات التعجب والاستفهام عند كثيرين، بدلاً من تنقصها، وستقلق الجميع، بدلاً من أن تطمئنهم.كنت أفضل أن يكون المثال الأعلي للمعارضات العربية ومن بينها تنظيم الأستاذ البيانوني، الرئيس السوداني عبد الرحمن سوار الذهب، الذي يبدو أنه الوحيد من بين القيادات العربية في السلطات ومعارضاتها، لم تغره ميزات القيادة، مهما صغرت أو كبرت، والذي يتذكره العرب ـ بينهم وبين أنفسهم علي الأقل ـ عند كل انتخاب أو استفتاء عربي، علي أن يكون مثال هذه المعارضات الرئيس اليمني علي عبد الله صالح باعتباره مثالاً للكوميديا الديمقراطية في العالم العربي.9