إسطنبول:
بين حين وآخر، يبرز معارضون مصريون في الخارج ينتقدون السلطات في بلدهم، وتجد تصريحاتهم متابعات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما اعتبره أكاديمي تعبيرا عن حالة من الغضب المكتوم داخليا؛ جراء الأوضاع في مصر.
عقب تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة، في 2014، غادر مشاهير مصريون بلدهم، رفضا للنظام، أبرزهم من السياسيين محمد البرادعي نائب الرئيس الأسبق، وأيمن نور رئيس حزب “الغد”.
ومن الممثلين: هشام عبد الحميد، هشام عبد الله، محمد شومان، وجدي العربي، خالد أبو النجا، وعمرو واكد، ومن مقدمي البرامج التلفزيونية: معتز مطر ومحمد ناصر.
أسس أيمن نور فضائية “الشرق” خارج مصر، فيما دشن معارضون آخرون قناة “مكملين”، وهي تتناول الأوضاع في مصر، وأظهرت استطلاعات رأي أنها الأكثر انتشارا داخل مصر مقارنة بنظيراتها المصرية، التي غلب عليها الرأي الحكومي وإقصاء غالبية المحاورين البارزين لمجرد انتقادهم للأوضاع.
وحظيت تدوينات بعضهم على منصات التواصل الاجتماعي، وبينهم البرادعي وواكد، بصدى كبير، غير أن النظام المصري وأذرعه الإعلامية عادة ما يقللون من أهمية المعارضين في الخارج، ويتحدثون عن رفض شعبي لهم.
وعملت رئاسة الحكومة عبر “مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار” وبعض الفضائيات، على الرد على ما تبثه تلك القنوات وحسابات التواصل الاجتماعي، باعتبارها شائعات تستهدف زعزعة استقرار مصر.
وبرز مؤخرا، محمد علي (40 عاما)، وهو ممثل مصري متوسط الشهرة يمتلك شركة مقاولات شاركت في تشييد مشروعات في مصر، ويتحدث عن وجود وقائع فساد كبرى اتهم فيها مسؤولين بارزين في الدولة، بينهم السيسي، الذي كان وزيرا للدفاع، عام 2013 حين أُطيح بالرئيس المصري الراحل، محمد مرسي، بعد عام واحد من رئاسته.
وتحدث “علي” في مقاطع فيديو، ظهر فيها بفنجان قهوة وسيجارة وموبايل، عن مشاركته للقوات المسلحة المصرية في إنجاز مشروعات، قال إن “فيها إهدار مال عام كبيرا”، دون تقديم وثائق تثبت صحة حديثه.
كما تحدث عن وقائع إهدار مال عام شملت رموزا في أجهزة الدولة، قال إنها لم تسدد مستحقاته المالية المقدرة بالملايين، ولذلك اضطر للهرب وكشف تلك الوقائع، على حد قوله.
وتشمل تلك المشروعات إنشاء فنادق، وتجديد استراحات لمسؤولين رفيعي المستوى، من دون أن يقدم “علي” دليلا يوثق حديثه عن وجود وقائع فساد.
وتلك الحالة هي الأولى البارزة منذ وصول السيسي للحكم في 2014، التي تثير ضجة واسعة لعدة أيام، وسط تشكيك وهجوم من جانب مؤيدين بارزين للنظام.
عبر منصات التواصل الاجتماعي، تكاثرت أحاديث لمعارضين عن فيديوهات “علي”، وقالوا إنها تُحجب عقب وقت قصير من نشرها، وهو حجب استنكرته مؤسسة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية الدولية.
وبعد صمت رسمي لأيام، خرج السيسي، السبت، لينفي صحة تلك الاتهامات، في أول تعليق على مقاطع “علي”، التي تثير جدلا واسعا منذ أيام على منصات التواصل الاجتماعي.
جاء النفي في كلمة للسيسي خلال مؤتمر للشباب، منعقد شرق القاهرة، جرى تخصيصها للحديث عما ينشر من “أكاذيب ضد الدولة”.
وقال السيسي إنه رفض الالتزام بتوصية أجهزة بالدولة بعدم التعليق على ما أثير، مضيفا أن “مخاطر الكتمان أكبر بكثير من السكوت، ومن أسبوعين هناك موضوع مستمر”.
ونفى صحة غالبية تصريحات “علي”، غير أنه أقر بالفعل بتشييد قصور رئاسية جديدة.
وشدد على أنه لن يخيفه “أي حديث بالباطل”، محذرا مما اعتبره مؤامرة لـ”تشوية جهود الجيش”، وتغيير حكم مصر.
وطور “علي” حديثه، داعيا السيسي إلى الرحيل، ومدشنا حملة إلكترونية لهذا الغرض، غير مستبعد حشد الجماهير ضده.
غياب الإعلام
سعيد صادق، المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، قال إن المعارضة خارج مصر قديمة، وليست جديدة، من بداية القرن التاسع عشر.
وأضاف صادق: “بعد ما حدث خلال السنوات الست الماضية بعد 2013، والإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي، برز كثيرون في الخارج، إلا أنهم لم يحظوا بصدى كبير في الداخل؛ جراء وجودهم في دول ليست على علاقة جيدة بمصر، وترويج النظام أنهم يخدمون أجندات خارجية”.
وتابع أن تأثيرهم لم يكن قويا، وهو ما برز خلال فعاليات دعوا إليها، ولم تلق رواجا، وأبرزها “ثورة الغلابة (الفقراء)” ضد الغلاء، في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016.
واستدرك: “إلا أنهم نجحوا في شيء واحد فقط، هو أن الفضائيات الخاصة بهم ناقشت ما لا يقدر إعلام النظام على مناقشته، ومن ثم نالوا مشاهدات عالية”.
أسباب نجاح “علي”
اعتبر صادق أنه توجد أربعة عوامل أدت إلى نجاح المقاطع المصورة لـ”علي”، هي: وجوده في دولة أوروبية (إسبانيا)، وكونه جزءا من النظام، وأسلوبه الشعبوي الذي يصل إلى المواطن العادي، وحديثه عن وقائع بمصادر.
وزاد بأن المواطن يستقي معلوماته عبر ثلاثة مصادر، هي الإعلام الوطني، وقد أصبح ضعيفا، والإعلام الأجنبي، ومنصات التواصل الاجتماعي، والأخيرة هي الأقرب للعامة.
ورأى أن “علي” استخدم منصات التواصل الاجتماعي بشكل جيد لدرجة جعلت النظام لأول مرة يرتب مؤتمرا خصيصا للرد عليه، في إشارة إلى مؤتمر الشباب.
تأثيرات تراكمية
اعتبر صادق أن هناك تأثيرات تراكمية لما يردده “علي” بشأن النظام المصري، لكنها لن تصل حد الثورة؛ لعدم وجود كيانات وآليات بالداخل تساعد على ذلك.
وقال إنه يوجد تفاعل مع مقاطعه المصورة؛ لأنه كسر العديد من التابوهات (المحظورات)، ومنها الحديث عن الرئيس بصفة مباشرة، والجيش الذي لم يجرؤ أحد على الصدام معه.
وتابع أن الناس تتفاعل مع “علي” لكونها محبطة من الإجراءات الحكومية والأوضاع الداخلية التي أفقدت السيسي الكثير من شعبيته.
واستطرد: “يوجد نقص في الآليات التي تدعم أي حراك، فلم تتحرك النيابة ولا البرلمان، عبر طلب جلسة طارئة أو تحقيق حول ما يُتداول، ولا توجد معارضة تتكلم، على عكس الموجود في غالبية الدول”.
واعتبر أن الدعم الغربي للسيسي، وتغييب الثقافة المصرية، وغياب موازين القوى السياسية، يقلل من أهميتها (مقاطع علي).
فيما نشطت منصات التواصل الاجتماعي في دعم “علي”، واعتُبر الأمر في أكثر من تغريدة وتدوينة فرصة لرحيل السيسي.
ويقول السيسي إنه غير متمسك بحكم مصر، وحين تخرج ملايين في الشوارع ضده سيتنحى فورا، باستثناء وجود خطر يهدد مصر، وفق أحاديث سابقة.
(الأناضول)