المعارضة المصرية والحوار الوطني: الأهداف والنتائج المرجوة

حسام مؤنس
حجم الخط
0

بعد أكثر من عام من التحضير منذ إطلاق الدعوة الرئاسية للحوار الوطني في نيسان/أبريل 2022 وبعد مرور أسبوعين من بدء الجلسات الرسمية للحوار، الذي يشمل ثلاثة محاور سياسي واقتصادي ومجتمعي و19 لجنة فرعية ومئات من العناوين لقضايا وملفات مطروحة على مائدة الحوار، وبعد كثير من الحماس والتفاعل مع بدء الدعوة لدى أطراف وأحزاب المعارضة المصرية، ثم كثير من التراجع والتردد عن هذا الحماس على مدار عام كامل، وحتى اللحظات الأخيرة قبل الجلسة الافتتاحية للحوار التي انعقدت في 3 ايار/مايو، يبدو التساؤل الرئيسي الآن بعد أن قررت أغلب قوى وأحزاب المعارضة المدنية المصرية المشاركة في محاوره وجلساته، وكذلك عدد كبير ومعتبر من الشخصيات المستقلة صاحبة المواقف والتوجهات والآراء المعارضة، هو حول ما هي أهداف المعارضة المصرية من خلال الحوار الوطني ونتائجه المرتقبة؟
كان لدى المعارضة السياسية المصرية المنظمة عبر قوى وأحزاب من خلال إطار الحركة المدنية الديمقراطية تصور منذ إطلاق الدعوة للحوار، طرحت ملامحه عبر ما يسمى ببيان 8 مايو، وكان يعبر عن فهم أقرب لحوار مباشر بين السلطة والمعارضة، وهو ما بدا ملتبسا فيما بعد في إجراءات التحضير للحوار نفسه والقوى المشاركة فيه وممثليها، فتحول لما يبدو أقرب إلى حوار مجتمعي واسع، وحول قضايا عديدة دون اقتصارها على القضايا السياسية بالأساس، باعتبار أن طرح الحوار جاء للنقاش حول الإصلاح السياسي كأولوية. ورغم أهمية مختلف الموضوعات والقضايا المطروحة على أجندة الحوار الوطني، إلا أنها بدت أقرب لإغراق الحوار رغم أنه كان يمكن مرحلتها على مراحل متتالية وليست متوازية، كما كان من المهم بلورة رؤى وتصورات متعلقة بالإصلاح السياسي أولا، إلا أنه تحت ضغط الظروف والأوضاع الاقتصادية الراهنة وتأثيرها الرئيسي على عموم المواطنين، بدا من غير الوارد أن تطرح المعارضة المصرية استبعاد القضايا الاقتصادية من دوائر الحوار ولو لمرحلة، خاصة أن لديها رؤى وتصورات وانتقادات على السياسات الاقتصادية الحالية، وهو نفسه ما ينطبق بدرجة أقل على القضايا المطروحة في المحور المجتمعي.
لا يعنى ذلك أن قضايا المحور السياسي المتعلقة بالإصلاح السياسي، سواء فيما يخص النظام الانتخابي أو مباشرة الحقوق السياسية أو حرية الإعلام والتعبير أو حقوق الإنسان أو الأحزاب أمور أكثر أهمية، لكنها تمثل المدخل الأصح في تقديرنا، لكن حتى ما جرى لا يعني أن فرصة تركيز المعارضة على تلك القضايا بالأساس قد أفلتت تماما بل لا تزال قائمة، خاصة أن بعض الجلسات الأكثر سخونة والتي شهدت تفاوتا وتعددا في وجهات النظر فيما انعقد من جلسات الحوار الوطني كانت بالأساس ضمن المحور السياسي وخاصة ما يتعلق بالنظام الانتخابي والأحزاب السياسية.

سجناء الرأي أحد أهداف المعارضة

على مستوى آخر، فقد كان ولا يزال ملف سجناء الرأي أحد أهم مستهدفات المعارضة المصرية من الحوار الوطني، في البداية كضمانة لجدية الحوار وإيجابية الأجواء التي سيجري فيها، ورغم تحقق ذلك بدرجة، إلا أنه لا يبدو مرضيا، وربما كان سببا رئيسيا وراء تحفظ وتردد بعض قوى المعارضة وشخصياتها – ولا يزال – على المشاركة في الحوار حتى اللحظات الأخيرة، بسبب استمرار سياسة الملاحقة على خلفية التعبير عن الرأي في بعض الحالات، وإن كانت دون شك أقل مقارنة بالأعوام السابقة، فضلا عن إخلاء سبيل عدد يفوق الألف على مدار العام التحضيري للحوار بالإضافة للعفو الرئاسي عن عدد من سجناء الرأي الصادر ضدهم أحكام، ورغم أن هذا الملف لا يمكن القول بأنه قد انتهى أو أغلق، ولا يزال يحتاج للكثير من الجهود سواء على صعيد قرارات العفو أو إخلاء السبيل من ناحية، أو على صعيد وضع معايير حقيقية وجادة يجري تطبيقها بشكل عام في هذا الملف، أو على صعيد ثالث وهو وقف سياسة الملاحقة الأمنية لأصحاب الآراء والمواقف السياسية مهما بلغت حدتها أو معارضتها، وربما من هنا وبالتزامن مع قنوات الحوار المفتوحة حول تلك الملفات بين المعارضة والسلطة، فإن مناقشة أوسع وأعمق لقضايا الحريات بشكل عام ولمواد الحبس الاحتياطي في القوانين المختلفة سواء قانون الإجراءات الجنائية أو قوانين الإرهاب أو غيرها تبدو أحد المستهدفات الرئيسية للمعارضة المصرية بمعناها الواسع.
ورغم تخوفات واضحة ومعلنة لدى البعض من أن يكون الحوار الوطني الجاري الآن مجرد مرحلة مؤقتة خاصة مع قرب الانتخابات الرئاسية التي يفترض أن تجرى في 2024 واعتبار البعض أن مسألة الحوار بمثابة محاولة احتواء من السلطة للمعارضة المدنية لتهيئة الأجواء لانتخابات هادئة تمر بسلاسة وبساطة، أو أن تشهد مرحلة ما بعد انتهاء فاعليات الحوار الوطني عودة لنفس السياسات والممارسات الأمنية التي سادت على مدار السنوات الماضية، وذلك حتى وإن كان مطروحا في أذهان البعض، إلا أنها سيناريوهات تبدو صعبة وكلفتها أعلى، خاصة في ظرف سياسي واقتصادي مختلف عن السنوات السابقة، وبالتالي فإن انعقاد الحوار في ذاته، وطرح رؤى ووجهات النظر المختلفة والمعارضة من خلاله، وبما يتواكب مع ذلك من حيوية سياسية غابت لسنوات، سواء على مستوى النقاش العام أو على مستوى التحركات التي لا تزال محدودة بالتأكيد أو حتى على مستوى إعادة القوى والشخصيات السياسية المعارضة لقدر من اللياقة السياسية بعد كثير من غياب العمل السياسي بكل مفاهيمه، كلها تبدو مكتسبات جزئية متحققة بالفعل من الحوار، لكن الأهم هو أن تتسع وتتبلور في رؤى وأطر أكثر تنظيما وجدية وقدرة على الاستمرارية والمواصلة فيما هو مقبل.

انفتاح سياسي

الرهان على الحوار الوطني يعني من ضمن ما يعني أن يساهم في خلق مساحات انفتاح سياسي ولو بشكل تدريجي، وأن يشكل بيئة آمنة تحفز وتشجع المواطنين على المشاركة والتعبير عن رأيهم، وبطموح أعلى قد تعني خطوة – وإن كانت لا تزال غير مؤكدة وتحتاج لمزيد من الوقت والإجراءات للتحقق من جديتها وإمكانيتها – على طريق فتح مسارات سياسية بديلة عن أي انفجارات اجتماعية محتملة، وهو أمر واجب ومحمود للقوى السياسية الواعية خاصة في ظل الأوضاع القائمة سواء على صعيد غياب التنظيمات السياسية والنقابية المتجذرة بشكل حقيقي في المجتمع أو الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الهائلة على قطاعات واسعة من المصريين، لكن القضية الرئيسية هي اختبار مدى إمكانية وجدية خلق هذه الفرص والمساحات السياسية.
فضلا عن كل ما سبق، فإن الحوار الوطني قد يكون فرصة لاستعادة قدرة المعارضة على تطوير خطابها، وتقييم أثره لدى الرأي العام، ومدى الاقتناع به وبما تطرحه، ثم فضلا عن ذلك قدرتها على طرح حلول عملية وواقعية لا مجرد شعارات كبرى تعبر عن طموحات وأحلام مشروعة لكن العبرة بمدى قدرة تلك القوى على تفصيلها لسياسات وإجراءات قد يكون مطروحا جانبا منها من خلال جلسات الحوار، بالإضافة لقدرة الحوار نفسه على بلورة وتقديم وجوه جديدة من المعارضة المصرية وأجيالها الوسيطة والشابة للرأي العام بقدر جديتها وقدرتها على الإقناع وطرح الرؤى والأفكار وإنحيازها لقضايا الحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وأوجاع وهموم الناس.
إذا كان بدء الحوار الوطني يعني تحقق بعض الأهداف بشكل جزئي، لكلا من السلطة والمعارضة معا وليس لطرف على حساب الآخر، فإن استكمال تهيئة الأجواء المحيطة بالحوار يظل هدفا رئيسيا، وهو ما يفترض الالتفات له والتعامل معه بجدية، وما يتعرض لبعض الاهتزازات والشكوك على مدار الفترة السابقة، فضلا عن ضرورة تطوير آليات وإجراءات الجلسات نفسها ليصبح النقاش أكثر عمقا ولإتاحة المساحة للاشتباك بين مختلف وجهات النظر وليس مجرد استعراض عمومي لكل طرف، أما العبرة فسوف تكون من خلال ما قد ينتج عن هذا الحوار من توصيات، ومن ثم مدى القدرة على متابعة تحقيقها، والجدية في تنفيذها والاستجابة لها، وما سوف ينتج عنه من أجواء تتيح ممارسة سياسية حقيقية، ومع ذلك كله وقبله وبعده إغلاق ملف سجناء الرأي والتوسع في عمليات العفو والإفراج عن كثير من السجناء السياسيين الذين لم يتورطوا في عنف أو دم ولم تكن جريمتهم سوى أن قالوا رأيا أو مارسوا عملا سياسيا سلميا معارضا، ولو تحقق ذلك وحده لكان نتيجة مرضية وواجبة من هذا الحوار الجاري الآن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية