ابراهيم يسريتحدثت في مقال سابق عن فانتازيا المشهد السياسي المصري وقلت ان الدراما ستنتهي بالسيد الرئيس الأب او الإبن يلقي بالقسم أمام مجلس الشعب المبرمج، وقبل ذلك قلت ان المعارضة تلعب على حجر النظام، وانها تسير في الخطــــوط المرسومة لها ولا يسمح لها بتجاوزها مع تغطية ذلك كله بفرقعات صـــوتية ترضي المعارضة، وتوحي للشعب المسكين بأن نوابه يمارسون رقابة صارمة على النظام ويمنعونه من إصدار قــــوانــين سيئة السمعة ويقــــيلون الحكومة ويحاكمــــون الوزراء ويناقشـــون ميزانيات الجهات السيادية، وأن المعارضة قادرة على فرض تداول السلطة بالفوز على الحزب الحاكم من خلال صندوق الانتخابات. ولكن بصيصا من الأمل راودنا عندما قامت قوى وطنية واعية وجادة باعلان مقاطعتها للإنتخابات التي تضع صندوق الاقتراع وارادة الأمة رهن تصرف الجهات الأمنية والحزب الحاكم تقدمتها حركة كفاية وناشطون من كافة الوان الطيف السياسي وأقرها حزبا الجبهة الوطنية وحزب الغد والجمعية الوطنية للتغيير.
ولكن هذا الأمل تلقى ضربات قاصمة عندما تراخت الأحزاب الرئيسية التي فقدت مع الأسف قواعدها الجماهيرية منذ وقت طويل والتي تحولت إلى كيانات نخبوية فوقية، فتوسلت للنظام أن يحقق لها قائمة من الضمانات حتى تقبل المشاركة في العملية الانتخابية، ولكن الأمر العجيب هو أن تلك الأحزاب قبلت جميعا الدخول في المسرحية الانتخابية رغم إحجام النظام عن تقديم ضمانات حقيقية وجادة. وهكذا تمخضت المطالب الخطابية والعنترية الجوفاء عن خواء سياسي واتحفتنا بمشهد كوميدي يتفوق على كوميديا نجيب الريحاني، عندما تضاءلت وخضعت للخطوط التي رسمها النظام، وقررت دخول الانتخابات على حجر النظام وبشروطه وتحت سيطرته، ولحفظ ماء وجهها صرح زعماؤها بأنهم سيشتبكون مع السلطة وسييواجهون اي محاولات للتلاعب بنتائج الانتخابات وهو الأمر الذي يثير الضحك فضلا عن البكاء على مصير هذا الوطن العريق صاحب الحضارة والتاريخ. وكان النهج الديموقراطي الفريد الذي شهدناه في معركة رئاسة حزب الوفد قد رفع سقف التوقعات المتفائلة بحدوث تغيير حقيقي وشيك، إلا أن نهايات هذه الآمال قد ذبحت بقسوة عندما قاد الوفد جبهة الخاضعين للنظام وتنازل عن تأمين الضمانات المطلوبة، وحصر أهدافه بأن يحصل على مقاعد تنقله الى مركز أكبر أحزاب المعارضة في البرلمان، متنازلا بكل سهولة عن مبدأ تداول السلطة ومكرسا بقاء النظام الذي يؤدي حتما الى نجاح مشروع التوريث. والذي يبدو للمراقبين أن القوة السياسية الكبرى في مصر كانت تنتظر قرار الوفد لكي تحذو حذوه وتدخل في اللعبة التي يديرها النظام وما زال يحدونا الامل في ان تلتحم هذه القوة النبيلة مع آمال الجاهير. ومن الجدير بالتسجيل هنا ان سقف توقعات أي من الأحزاب والقوى المشاركة لم يزد على مائة مقعد أو يزيد قليلا دون ان يتخطى ثلث المقاعد، وهي بذلك تتنازل علنا وبكل الرضا عن هدف الوصول الى الحكم وتفعيل مبدأ تداول السلطة وهو أهم ما يمكن ان تحرص عليه المعارضة اذا ارادت اصلاحا ديموقراطيا حقيقيا في مصر، والراجح والحالة هذه أن الأحزاب والقوى السياسية في حالة انغلاق على الذات لا ترى أبعد من مصلحة التنظيم ولا ترنو ببصرها الى مقتضيات الإصلاح السياسي، ومستقبل الوطن والأمة.
ومؤدى هذه المواقف العرجاء هو اننا سندخل في مرحلة طويلة أخرى جدباء بلا أي أمل في التغيير والإصلاح السياسي، فسنبقى في ظل حالة الطوارئ وفي حالة تزاوج السلطة مع راس المال، وتحت رحمة دولة قمعية بوليسية ومن ثم قبول المذهب الأمني والعقلية الأمنية في إدارة سياسة البلد الداخلية والخارجية، وفي اهدار مصالح الوطن في مياه النيل وفي الوقوف أمام الطغيان الصهيوني الذي يوشك على ضم القدس وابتلاع الجزء الأكبر من الضفة الغربية، وفي عودة مصر للعمل المؤثر والفاعل في مجالها العربي والافريقي وعدم الانحياز وفي قرار سياسي مصري مستقل غير تابع لواشنطن او غيرها، وفي اهدار حقوق الانسان المصري وكرامته، وفي عمليات نهب المال العام، وفي طول بقاء الوزراء في مناصبهم لا يستقيلون ولا يقالون وفي انعدام المسؤولية السياسية للوزراء، وفي استمرار اخفاقاتنا في تحقيق مستوى لائق لمعيشة الانسان المصري وزيادة من يسقطون تحت خط الفقر، وفي تقاطر خيرة شبابنا نحو الموت في قوارب الهجرة، بل والتوسع في الهجرة الى بلاد العدو. لقد مارس نواب المعارضة دورهم بكل صلابة وبسالة وتصدوا للطغيان والفساد ولكن لم يتمكنوا من استكمال استجواب واحد طوال ثلاثة عقود حيث تنتهي الاستجوابات بصيغة الانتقال الى جدول الأعمال، كما لم تسفر طلبات الاحاطة عن نتائج ملموسة، وحيث لا يأبه بعض الوزراء بالإجـــابة المقــتعة عليــــها، بل ان بعض الوزراء لا يلبون دعوات اللجان البرلمانية دون أدنى قدر من الإحترام لممثلي الشعب. وفي حالات كثيرة تحكم المحاكم وعلى الأخص محاكم مجلس الدولة بما لم تستجب له الحكومة في مجلس الشعب مثل قضية الغاز ومدينتي وقوافل الإغاثة وغيرها. وهنا لا أستطيع مغالبة نفسي في تكرار صيحة جرير للفرزدق عندما زعم انه سيقتل مربع فقال: أبشر بطول سلامة يا مربع. فالقوى السياسية تثبت بدخولها الانتخابات أنها ضعيفة مهلهلة وانها اما ان تخشى النظام أو تسعى لتوقي بطشه وجبروته، وهذا يضعنا في موقف خطير حيث بلغ الغضب في الشارع أقصى مداه، وهو يتجمع ويتكور في شكل بداية إعصار جارف أو بركان مدمر سيأتي على الأخضر واليابس وربما سارت فيه أنهار من دماء الأبرياء، كذلك فإن هذا الوضع الفوقي القمعي الماسك بمقاليد السلطة قد يفتح الباب أمام احتمالات انقلاب على النظام، وكلا الأمرين يمثلان خطرا شديدا لا يسعى إليهم أحد، بل ان العمل السياسي الجاد لا بد أن يكرس جهوده في تحقيق تداول السلطة عبر صندوق الانتخابات بدلا من وسائل العنف واتجاهات الثورة على النظام. وقبل أن اختم أقول ان ابواب الأمل ما زالت مفتوحة لأن عددا من الحركات السياسية الجديدة والنظيفة التي لم تتلوث بما اسميه دائما فيروس النخب، والتي تعتمد في مجملها على جيل جديد من الشباب الواعي الرافض للوضع الحالي والذي ينشد التغيير من اجل صالح هذا الوطن وهم يمارسون نشاطهم في اطار حركات مثل كفاية والجمعية الوطنية للتغيير وشباب 6 ابريل يؤيدهم شباب واع ورافض من أعضاء الأحزاب التي جمدتها السلطة أو التي قبلت الدخول في صفقات مع النظام، وهي تعبر عن غضبها ورفضها وتصمم على التغيير بالضغط المتصاعد على النظام الى حد العصيان المدني السلمي. الى اين تسير مصر ومتى يغضب المصريون؟
المحامي بالنقض عضو اتحاد الكتابمعاون وزير الخارجية المصري الأسبق