المعارضة في البحرين ومساواة الضحية بالجلاد

حجم الخط
0

يوسف مكي في اللقاءات الاخيرة التي تمت بين وزير العدل البحريني وبعض جمعيات المعارضة، طلب الوزير ادانة العنف، وقد اعلنت بعض هذه الجمعيات، في تصريحاتها اللاحقة انها تدين العنف من أي جهة كان. هذا هو حاصل الاجتماع مع الوزير. وهو حاصل غير مفيد للحراك الشعبي إذْ يساوي بين النظام وعنفه وضحايا النظام وعنفهم. أي ان هذه الجمعيات بقدر ما تدين عنف السلطة الغاشمة، فهي بنفس الدرجة تدين عنف الشارع والمنتفضين، وهذه مساواة غير جائزة، وهي تبرر للنظام استمراره في العنف المفرط وبشتى اشكاله تجاه المحتجين بحجة انه يرد على عنف الشارع، في حين انه في الحقيقة يقمع الشارع بما في ذلك الجمعيات المعارضة. وهذا موقف سياسي من قبل المعارضة غير موفق، وليس من الحنكة السياسية في شيء، لأن الأساس في العنف الجاري في البحرين منذ اكثر من سنة ونصف قد بدأته السلطة، ولم يبدؤه المحتجون، فمن المعروف ان الحراك الشعبي في 14 فبراير قد بدأ سلميا، فقام النظام الخليفي بالرد على هذا الحراك بطريقة حربية وعسكرية اكثر من مرة، استخدم فيها شتى صنوف الاسلحة بما في ذلك طائرات الهليوكبتر والناس نائمين في دوّار اللؤلؤة، واستمر في قتل وسجن وتعذيب المحتجين وغير المحتجين واقتحام بيوتهم وترويع اطفالهم وهدم مساجدهم ودور عبادتهم، ناهيك عن العقاب الجماعي واستباحة القرى والبيوت والمستشفيات. لذلك وبناء على الوقائع على الارض لا يتساوى عنف السلطة مع عنف المحتجين، فعنف السلطة عنف منظم وممنهج واوسع ويمثل سياسة قديمة تجاه المعارضين. في حين ان عنف المحتجين لا يساوي شيئا بالقياس لعنف السلطة وآلتها القمعية الرهيبة، كما ان عنف المحتجين يمثل ردة فعل على عنف السلطة، ودفاعا عن النفس، والا ما معني صرخة (اسحقوهم) الم يطفح الكيل بالناس من جراء العنف العاري للنظام وتجاوزاته، وبشهادة تقرير لجنة بسيوني والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية المعتبرة .واذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن للمعارضة الرسمية ان تدين عنف من يدافع عن نفسه وبشكل فردي من جبروت السلطة، كما تدين عنف السلطة، انها قسمة المعارضة الضيزى، وغير المنصفة. إن عنف السلطة اكثر كما ونوعا بما لا يقاس من عنف الشارع. ولا ينبغي المساواة بين الاثنين، والاصل هو ادانة عنف السلطة. كان من الأجدى على المعارضة ان تميز بين العنفين، عنف مشروع يتمثل في الدفاع عن النفس، وهو ما تقره المواثيق والشرائع الدولية، وعنف مدان وهو الذي تمارسه السلطة بحق ابناء الشعب بشكل فردي وجماعي عندما تغرق القرى والمدن بمسيلات الدموع والغازات الخانقة والسامة والرصاص الانشطاري، لا لشيء انما بسبب التعبير عن آرائهم ومطالبهم السياسية في شكل مسيرات ومظاهرات ومهرجانات خطابية، وهي اعمال سلمية بامتياز وليست عنفية، وسرعان ما يتم مواجهتها بعنف مفرط من النظام. من المفترض من المعارضة الرسمية او بعض اطرافها على الاقل ان تدين عنف السلطة وليس عنف المتظاهرين، لسبب جوهري وهو ان عنف المتظاهرين هونتيجة منطقية وموضوعية ولاحقة لعنف السلطة، وايضا هو عنف فردي وغير منظم او غير ممنهج، في حين ان عنف السلطة سابق ومنظم وممنهج وخارج عن الاطر القانونية، إنه عنف اعمى من قبل الدولة تجاه اناس عزل إلا من ارادتهم وقلوبهم التي حملوها على اكفهم في سبيل قضيتهم العادلة. وعليه فهل يجوز ادانة من يدافع عن نفسه وقريته، ومن يمارس القمع والعنف بشتى صنوفه على القرى واهليها .وكان على المعارضة ايضا ان توصل رسالة الى الوزير الذي التقاها، مفادها ان على عنف السلطة ان يتوقف حالا وفورا وهو الأصل في المشكلة لا ان تدين العنف من أي جهة كان – لا بد من تحديد الجهة الاصلية المعنية بالعنف – وتؤكد له عندما يتوقف عنف السلطة سيتوقف تلقائيا عنف الشارع، وايضاح الفارق الكبير بين عنف المحتجين وعنف النظام المنظم حيث الكفة لصالح عنف النظام. لا ان تساوي بين عنف ردود الافعال من قبل المحتجين، وعنف السلطة الشامل والممنهج، وتقع من جراء ذلك في فخ مساواة ما يصدر من الشارع من جهة وما تقوم به السلطة من جهة اخرى، مع انها تعلم كمعارضة اكثر – والعنف موثق – من غيرها انه لا مجال للمقارنة بين عنف السلطة المهول وعنف الشارع على امتداد اكثر من سنة ونصف، يكفى التدليل على عنف السلطة المنظم والممنهج واشامل من خلال حجم الضحايا من عنف النظام .هنا يتساءل المرء وفي ظل الاوضاع في البحرين هل يجوز ادانة العنف من أي جهة كانت كما تصرح المعارضة الرسمية، ام الاصح هو ادانة العنف من جهة معينة هي النظام ومطالبته بايقاف آلة العنف والقتل والفتك، وترك الناس يحتجون ويعبرون عن انفسهم ومطالبهم بطريقة سلمية كما كانوا وما زالوا، وعندها سيرى ان المحتجين كم هم مسالمون وغير ميالين للعنف .اخيرا، إن ادانة العنف هكذا من أي جهة كانت، هي اشبه بتبرئة غير مباشرة لعنف النظام، واعطائه صك براءة من ممارساته القمعية، وفي نفس الوقت تبرير استخدامه لمزيد من العنف تحت ذريعة استخدام المتظاهرين للعنف، وكأن هذا الأخير معادل لعنف النظام، وهذا غير صحيح، وهذه الادانة المزدوجة هي خطأ سياسي ترتكبه المعارضة بمساواة الجلاد مع الضحية، وهذا لا يجوز سياسيا ولا اخلاقيا، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تخبط وارتباك بعض قوى المعارضة الرسمية في عدم التمييز بين الجلاد والضحية، وبين المتشابه والمختلف، وبين عنف النظام السبب، وعنف المحتجين النتيجة. وبالنتيجة العنف غير متكافىء بين الطرفين، احدهما معتدي يمارس العنف مع سبق الاصرار، والآخر معتدى عليه يدافع عن نفسه ما امكن الى ذلك سبيلا، فلماذا الادانة المتساوية وغير العادلة للعنف بين الطرفين. ‘ باحث بحريني في علم الاجتماع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية