المعارض السوري عبد الباسط سيدا: ثماني سنوات على الثورة: الشعب لم يُهزم والأسد لم ينتصر بعد

حاورته: رلى موفّق
حجم الخط
0

يبقى المعارض السوري عبد الباسط سيدا، ابن محافظة الحسكة، مؤمناً بمسار الثورة السورية وبأن إرادة التغيير لا تزال عند السوريين رغم كل النكسات التي أصابتها في السنوات الثماني الماضية. فوفق توصيفه، لا الشعب انهزم ولا النظام انتصر بعد. وقد خرجت المسألة من أيدي السوريين، نظاماً ومعارضة.

قد يتمّ فرض حل عليهم بتوافق إقليمي – دولي لكن ذلك لن يؤدي إلى الاستقرار والسلم، إذ أن الكوارث التي حدثت على صعيد تدمير البنيتين المجتمعية والعمرانية لن تُحل إلا بتوافق سوري – سوري.

عبد الباسط سيدا الذي شغل رئاسة المجلس الوطني السوري في بدايات الثورة، لا يستسيغ تسميته بالمعارض الكردي بفعل أن وطنيته تتقدّم على قوميته، وهو اليوم خارج مؤسسات المعارضة السورية لكنه ليس مستقيلاً من مسؤوليته. تراه يدعو بقوة إلى تجاوز مصطلح “موالاة ومعارضة” وإلى البحث عن منطق جديد ينتج أدوات تفكير جديدة، ويبدي قناعة بأن القوى الفاعلة في المجتمع السوري لدى الطرفين قادرة على القيام بهذا الدور للوصول إلى حوار يُقدّم فيه السوريون ضمانات لبعضهم البعض، لكن المعضلة – التحدّي هي: كيف وأين؟

بالنسبة إليه، فإن صورة المستقبل في سوريا عموماً مرهونة بما سيقرره الأمريكي الذي لم يحسم وضعه بعد، ما يجعل كل الأمور ضبابية ومشوشة، حتى بالنسبة للمناطق الكردية، رغم أنه يؤمن أن لا إمكانية واقعية لأي انفصال لها أو لقيام “كردستان سوريا”، لكن ذلك سيكون أيضاً مرتبطاً بما إذا كانت سوريا ستكون موحّدة ضمن دولة قابلة للحياة بغض النظر عن طبيعة النظام، أم دولة هشّة مقسّمة بين مجموعة من مناطق النفوذ، من دون إعلان التقسيم.

وهنا نص الحوار:

* تحل الذكرى الثامنة لانطلاقة الثورة السورية، هل ما زال بالإمكان توصيفها بـ “الثورة”؟

** بلا شك هي ثورة. انطلقت وما زالت مستمرة رغم النكسات التي تعرّضت لها. هي ثورة لأن الشعب السوري بغالبيته وبمختلف مكوّناته شارك فيها. لكن ما حصل، وكما نبّهنا منذ العام الأول لانطلاقتها، أن النظام خبير بوضع العالم أمام خيار الإرهاب والفوضى الشاملة أو خيار الاستبداد والفساد. في نهاية المطاف للدول حساباتها ومصالحها الخاصة. لذلك بدت الأمور تميل في فترة ما باتجاه أن النظام سيبقى ويستمر طالما أن البديل الآخر لا “يُبشّر”. لكن في الفترة الأخيرة بتنا نلاحظ أن المواقف تغيّرت بعض الشيء نتيجة التشدّد في الموقف الأمريكي، وباعتقادي أن أمريكا، في نهاية المطاف، هي التي ستحدّد المعطيات أو “البوصلة” لكنها لم تقل كلمتها الأخيرة بعد لأسباب كثيرة، منها ما يتعلق بالواقع الأمريكي ومنها ما يتعلق بظروف المنطقة والتحوّلات المقبلة. بكل تأكيد كانت ثورة فعلية رغم ظهور الجماعات المتشددة والإرهابية والوضع العسكري العشوائي وغيره، إلا أنه لا يخامرني الشك بأن إرادة التغيير ما زالت موجودة عند السوريين رغم كل المصاعب.

* كيف يمكن لإرادة التغيير أن تتحقق في ظل إعادة سيطرة النظام على غالبية المناطق واعتبار بشار الأسد نفسه منتصراً؟

** بالإمكان توصيف الوضع على الشكل التالي: الشعب لم يُهزم والنظام لم ينتصر بعد. النظام السوري قبل الثورة بسنوات كان يدّعي بأنه تمكن من تحقيق الاستقرار في سوريا، لكن نحن كنا نحلّل الوضع ونقول بأن هذا الاستقرار زائف، لأنه استقرار أمني وعسكري، فيما الاستقرار الحقيقي هو الذي يستند إلى اقتصاد ووضع اجتماعي مستقرين، وإلى نسيج وطني متكامل.

الجميع يعرف كيف تمكّن النظام من استعادة السيطرة على المناطق التي خرجت عن نطاقه. هو اعتمد على الميليشيات التابعة لإيران، والتي عادت وشاركت مباشرة. وعندما عجزت طهران طلبت من موسكو التدخّل، وجاءت روسيا بتوافق مع الأمريكي. هذا كله يؤكّد أن النظام حقّق هذه التحوّلات بإرادة وأسلحة الآخرين. ولكن السؤال: ماذا بعد؟

* في اعتقادك هل سيستطيع الأسد المحافظة على ما حققه؟

** أعتقد أن هذه المسألة في غاية الصعوبة، لأن المناطق التي استرجعها عسكرياً مُنهكة وتحتاج إلى جهود ضخمة لإعادة الإعمار، ولإقناع الناس بالعودة وتأمين البنى التحتية والإرادة الشعبية. كل هذه المسائل ما زالت بعيدة التحقق في المدى المنظور.

* هل يريد فعلاً عودة اللاجئين السوريين، وهم في غالبيتهم من اتجاه مناهض؟ وهل هو فعلاً يستعجل إعادة إعمار هذه المناطق؟

** أكثر من مرّة، صرّح النظام بأنه يُفضّل نوعاً من النقاء المجتمعي في سوريا، أي السوريين الملتزمين بتوجهاته. طبعاً هناك مشاريع إيرانية بالنسبة للتغيير الديموغرافي والمذهبي لم تعد خافية على أحد. اليوم أكثر من نصف السوريين نازحين داخل الوطن أو في أماكن اللجوء في الدول المجاورة (لبنان، تركيا، الأردن وكردستان العراق) التي تُعاني أيضاً من المشاكل وتُشكّل حالة ضغط على المجتمع الدولي.

أعتقد أن الأمور ستُحل، في نهاية المطاف، بتوافق إقليمي – دولي وليس بإرادة النظام. ولكن يبدو أن اللعبة المستمرة تستوجب أن يدّعي النظام بأنه انتصر. نعلم طبيعة وحدود موقعه وعلاقته مع حليفيه الروسي والإيراني، فيما يحاول أن يعطي انطباعاً زائفاً مُضللاً، سواء لأنصاره أو لبقية السوريين، بأنه سيعود إلى الساحة بقوة. هذا ما صرّح به بعد حمص أو بعد حلب، لكن المسائل لم تصل إلى المدى المرجو من جانب النظام، لذلك أعتقد أن الوضع في سوريا سيستمر بشكله الحالي من عدم الاستقرار إلى مرحلة طويلة نسبياً.

* الحل يحتاج إلى طرفين، هناك نظام، ولكن هل هناك معارضة؟

** المعارضة تعاني من أزمة، وهذه الوضعية كانت موجودة منذ بدايات تأسيس “المجلس الوطني السوري”. المشكلة الأساسية التي نعاني منها في سوريا تتمثل بعدم وجود أحزاب قوية تستطيع أن تتحوّل إلى “حامل اجتماعي” لأهداف التغيير أو للأهداف التي عبّر عنها السوريون. لدينا شخصيات معارضة، إذا صح التعبير، لكن الأحزاب الموجودة ضعيفة وتُعاني من الترهّل ومن الانعزال الشعبي، ومع ذلك بذلنا جهداً في سبيل تشكيل حالة وطنية من خلال المشروع الوطني السوري، ودائماً كنا نصرّح في جميع المناسبات بأن هذا المجلس يمثل مشروعاً وطنياً سورياً غير ناجز، بمعنى أنه مفتوح لكل التوجهات الوطنية، لكن الظروف – والمجال لا يتّسع الآن لتناول هذه التفصيلات والتطورات – هي التي دفعت باتجاه “الائتلاف الوطني السوري” الذي كان بإرادة وتدخلات دولية مباشرة. الأمور الآن وصلت إلى حد أن الكثير من الشخصيات السياسية المعروفة تركت الائتلاف. و “الهيئة العليا للمفاوضات” في نسختها الثانية تمّ تشكيلها بناء على توافق بين الروس والأمريكان والدول الإقليمية.

 نحن نُعاني من جملة مشكلات، لكن سواء في الائتلاف أو في الهيئة العليا للمفاوضات، ما زال هناك أخوة لهم تاريخ في المعارضة يعملون ويحاولون. هذه الأزمة التي تعانيها المعارضة لا تعني أن الأزمة الكبرى على الصعيد الوطني غير موجودة، أو أن الشعب السوري سيقبل بهذا النظام. الشعب السوري في المناطق الخاضعة للمعارضة ينتقد المعارضة، والشعب السوري في المناطق الخاضعة للنظام التي تسمّى تجاوزاً باسم الموالاة، هو الآخر ينتقد النظام. طبعاً أنا من أنصار تجاوز هذا المصطلح، أي مصطلح المعارضة والموالاة، لأن هناك حالة سورية عامة لا بدّ أن نجد لها مخرجاً، وهو قطعاً – أي المخرج – لا ينسجم مع وجود هكذا نظام أوصل البلاد إلى هذه الحالة الكارثية على مختلف الأصعدة.

* لنقل أن هناك اتجاهاً اليوم لجلوس السوريين إلى طاولة المفاوضات، سنجد أن فريق النظام رغم مساوئه موجود وممسك بقدرات ما، هل الهيئة العليا للمفاوضات، بما تشكّل، حاضرة ومتماسكة وقادرة على إثبات نفسها؟ أليس واقع المعارضة سبباً من أسباب ارتباك المجتمع الدولي؟

** الوضع سيكون أفضل بالنسبة للسوريين لو كانت هناك معارضة سياسية تاريخية معروفة ولها مصداقية، بمعنى أنها مخوّلة من قبل السوريين، تثق بذاتها وبإمكانها اتخاذ القرارات الصعبة، لأننا شئنا أم أبينا سنضطر في مرحلة ما إلى اتخاذ هذه القرارات. لا تستطيع أي جهة في المؤسسات الرسمية الحالية اتخاذ هذه القرارات لأنها غير مغطاة شعبياً وغير مدعومة بتاريخها المعروف لدى الشعب، ولذلك نعاني من هذه الوضعية، لكن في اعتقادي أن المسألة خرجت من أيدي السوريين، النظام والمعارضة على حد سواء. النظام يُعاني من حالة صراع بين أجنحته المختلفة والصورة مختلفة عما يحاول أن يسوّق نفسه به. في نهاية المطاف سيكون هناك توافق دولي – إقليمي، لكن عملية الإخراج لا يمكن أن تتمّ من دون واجهة سورية سواء في المعارضة أو من جانب النظام. السوريون بحاجة إلى نوع من الحوار الداخلي البينيّ البعيد عن الأضواء وعن ضغط المفاوضات، بمعنى أننا نحتاج إلى ترميم النسيج الوطني السوري من خلال ضمانات متبادلة.

نحن في سوريا بحاجة إلى 3 خطوات، أولاً: إزالة الهواجس الموجودة عند هذه الجهة أو تلك، لطمأنة الجميع دون تمييز بين المكونات الدينية والمذهبية والقومية، ولتأكيد بأن سوريا المقبلة ستكون للجميع وبالجميع. وهذه تكون بعقود مكتوبة بعد حوارات معمّقة. ثانياً: إثبات المصداقية من خلال ممارسة منسجمة مع العقود المكتوبة بحيث لا تكون الممارسة متناقضة معها. وثالثاً: التوافق على آلية حل الخلافات. ولكن في البداية، لا بد من حوار وطني داخلي معمق.

*أنت من أنصار تجاوز مصطلح الموالاة والمعارضة، بمعنى الذهاب إلى حالة سورية جديدة مرتكزها الحوار الداخلي، من سيقوم بذلك، وهل هو مسموح أصلاً؟

** هناك قوى فاعلة في المجتمع السوري من الطرفين، قادرة على أن تقوم بهذا الدور. ولكن العقدة الأساسية من أين سنبدأ وكيف؟ هل يمتلك السوريون الإرادة لذلك وهل بإمكانهم ممارسة نوع من الضغط للدفع بقبول نتائج التوافقات؟ الوضع في غاية التعقيد. وفي رأيي أن المفاوضات بصيغتها الحالية ربما أدت إلى فرض حل دولي – إقليمي على السوريين، لكن الكوارث التي حدثت على صعيد تدمير البنيتين المجتمعية والعمرانية لن تُحل إلا بتوافق سوري – سوري.

* نحن اليوم أمام استحقاق مستقبل المناطق الواقعة تحت النفوذ الأمريكي في المنطقة الشرقية والشمال الشرقي ومَن الذي سيُمسِك بالأرض، كيف يمكن أن يكون عليه واقع المناطق حيث التواجد الكردي؟

** نحن نحتاج إلى معرفة التصوّر الأمريكي النهائي لوضعية المنطقة ولوضعية سوريا بالذات، بمعنى هل سنشهد سوريا موحّدة ضمن دولة قابلة للحياة بغض النظر عن طبيعة النظام، أم أننا سنشهد دولة هشّة مقسّمة بين مجموعة من مناطق النفوذ، من دون إعلان التقسيم؟ اليوم تركيا تتصرّف في الشمال الغربي، وأمريكا في المنطقة الشرقية والشمال الشرقي، وروسيا وإيران في المنطقة الساحلية ودمشق ومحيطها، بينما في الجنوب هناك الأردن والتفاهمات مع إسرائيل، هذه مسائل غامضة لا بدّ من الوصول إلى أجوبة بشأنها.

حالياً نسمع كثيراً في الإعلام عن تشدّد واشنطن تجاه إيران وجهودها في سبيل تشكيل حلف إقليمي أمني يمثل اجتماع وارسو بداية جنينية له، ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو يقول بأننا سنشهد المزيد من التقدّم في هذا الموضوع في الفترة المقبلة، هذا يعني أن هناك تصوراً لإعادة ترتيب المواقف في المنطقة. الأمريكيون الذين يقولون بأن لا نيّة لديهم لإبقاء قواتهم على الأرض، يستعملون المنطقة الشرقية كورقة ضغط تجاه تركيا وإيران، لأن لهذه المنطقة ارتباطاً مباشراً بالعراق. لكن في النهاية ربما تكون هناك توافقات بينهم وبين الجانب التركي، بمعنى الاعتماد على مجموعة من القوات المحلية يؤمن الأمريكيون لها التغطية الجوية بمساعدة الأوروبيين وربما بمشاركة بعض الدول العربية، إنما هذا كله يعتمد على التوجّه الذي ستتبناه الإدارة الأمريكية بالنسبة للوضع السوري. لا أعتقد أن أمريكا ستنسحب من المنطقة وتسلّمها لأي كان، رغم أن تصريحات دونالد ترامب أوحت، في فترة ما، بشيء من هذا القبيل، لكن الضغوط التي مورست عليه أثبتت أن السياسة الأمريكية لا يمكن لشخص بمفرده أن يقررها حتى وإن كان رئيساً.

* وسط ترقب لمعرفة تأثير الحرب على وحدة الأراضي السورية، هناك المسألة الكردية. مؤخراً برزت اجتماعات قيل إن هدفها الوصول إلى مرجعية كردية لضمان حكم ذاتي كردي في سوريا على طريقة الحكم الذاتي في العراق؟

**الوضعية الكردية معقدة، لكنها جزء من الحالة الوطنية السورية العامة، بمعنى أنه لم يَطرح أي حزب كردي مشروعاً للانفصال أو الاستقلال. بالمناسبة لا توجد أي إمكانية واقعية لأي انفصال للمناطق الكردية أو لـ “كردستان سوريا”.

ما حصل أن النظام تنبّه لمعنى انضمام الكرد للثورة السورية. ويدرك أن منطقة الجزيرة هي استراتيجية كونها تقع على مقربة من الحدود التركية والعراقية، وأن هناك حالة تذمر كردية مزمنة نتيجة سياسة الاضطهاد المزدوج التي انتهجها بحقهم والتي قامت على عدم الاعتراف بوجودهم وحقوقهم الدستورية من جهة وتهميشهم واتخاذ إجراءات تمييزية حيالهم من جهة أخرى. لذلك كان تخطيط النظام هو إخراج الأكراد من الثورة السورية من خلال التوافق مع “حزب العمال الكردستاني”   (PKK)  باتفاق أمني واضح وصريح قضى بتسليمه حقول النفط مقابل قيامه بالخدمات المطلوبة. كانت عملية تسلّم وتسليم.

لقد دخل “حزب الاتحاد الديمقراطي” (PYD)  إلى الساحة السورية من هذه البوابة. في البداية كان يتحدث عن الخصوصية الكردية، ثم تقدّم الطرح إلى الإدارة الذاتية. تطوّرت الأمور معه، بعد تكفّل الأمريكيون بالتوافق مع الروس بمحاربة “داعش” في المنطقة الشرقية، وبعدما رفض “الجيش الحر” الطلب الأمريكي بالتركيز فقط على محاربة “داعش” دون النظام، كان الـ(PYD) هو البديل لدى أمريكا التي لها عدة أهداف من هذا المشروع. فهي من ناحية أمّنت مقاتلين بتكلفة بسيطة مع الجيش الأمريكي في العمليات على الأرض، ومن ناحية ثانية، استخدمتهم ورقة للضغط على تركيا لتحسين مواقفها بعد تأزم علاقتها مع واشنطن.

*في ظل تعقيد المشهد الكردي وكثرة اللاعبين، هل يمكن توقع “سيناريو ما” مستقبلي؟

** المشهد الكردي متداخل جداً. هناك انقسام بين القوى والأحزاب الكردية بما يشبه الانقسام الفلسطيني بين حماس وفتح. أعتقد أن أمريكا على تواصل مع المجلس الوطني الكردي الذي يتمتع بشعبية في الداخل ومع بعض الشخصيات الكردية الأخرى، إلى جانب علاقتها بحزب الاتحاد الديمقراطي. حزب (PYD) يتصرّف كأنه حزب مستقل، لكن فعلياً هو جزء من منظومة “حزب العمال الكردستاني”، وهذه مسألة غير مقبولة من الكرد السوريين ومن السوريين عموماً ومن تركيا وغيرها. فهل ستستطيع أمريكا، من خلال ثقلها ووزنها، الضغط على الـ(PYD)  للانفصال عن الـ(PKK) من أجل إراحة الأجواء الداخلية بين الأكراد ومع المحيط ولا سيما مع الأتراك؟ والسؤال الذي يطرح اليوم: هل من مصلحة الدول الوصول إلى نوع من التوافق الكردي – الكردي كجزء من التوافق السوري العام أم أن كل جهة إقليمية – دولية ستظل ممسكة بهذه الورقة في سبيل تصفية الحسابات، فيكون الكرد مجرّد بيادق بيد الآخرين؟

*منسوب الحساسية مرتفع بين الكرد والعرب في المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد؟

** علينا التمييز بين حزب الاتحاد الديمقراطي وبين الكرد، كما علينا أن نميّز بين “داعش” والعرب السنّة. لا يجوز أن نقول أن العرب السنّة يريدون ذلك إذا كنا نتحدث عن “داعش”. ولا يجوز أن نتحدث عن الكرد إذا كنا نتناول حزب الاتحاد الديمقراطي. المرجعية الكردية الأساسية تتمثل في الأحزاب الكردية السورية الموجودة أصلاً والتي لها تاريخ.

حزب الاتحاد الديمقراطي يفرض سيطرته بفعل السلاح ولا يطرح مشروعاً جامعاً بين مكونات المنطقة، بل يسعى إلى فرض نفوذه عبر استخدام “واجهات” عربية وأحياناً سريانية للقول بأنه يمثل الجميع. اللافت أن زعيمه عضو في اللجنة المركزية لحزب العمال الكردستاني، والأمريكان وغيرهم يتعاملون معه من منطلق “نحن أقوياء وبالتالي نستطيع الاستفادة من طاقاته وإمكانياته، وعند اللزوم لدينا القدرة على التخلص منه”.

* كيف تقرأ مستقبل داعش بعد هزائمه؟

**داعش الذي هو باعتقادي “كوكتيل” مخابراتي انتهى عسكرياً وميدانياً، لكن فكره المتشدد ناجم عن عوامل القهر، والتمرّد على الموقف القائم. وإذا لم أكن متأكداً من الجهة التي تساند داعش في الخفاء، فأنا أدرك تماماً أن النظام الإيراني هو الجهة المستفيدة من داعش سواء في العراق أو في سوريا. كلنا نعلم أنه أيام معارك القلمون كانت فصائل الجيش الحر تقاتل على جبهتين، “حزب الله” من جهة وداعش من جهة أخرى، النظام السوري لم يكن متواجداً في تلك المنطقة، هذه عملية تبادل للأدوار. ولا ننسى عمليات التسليم والتسلّم التي كانت تتمّ في تدمر.

أعتقد أن المنطقة لن تشهد استقراراً ما لم نقرّ بطريقة ما بعملية الفصل بين “الديني والسياسي”، نسمّيها علمانية أو مدنية أو ما شئنا، لكن لا نستطيع أن نستمر في حالة الدمج بين منظومتين متناقضتين، بمعنى أن الدين حقائقه مطلقة لا تقبل المساومة أو الحلول الوسط، والسياسة تعتمد على النسبية التي تتغيّر بتغيّر الأزمان والأماكن.

* لا بد من أن نعرّج ولو باختصار على إدلب، ماذا ينتظرها؟

** إدلب تضم حوالي 3 ملايين نسمة، وهذا يشكل تحدياً كبيراً للجميع. الفصائل الموجودة هناك خاضعة للنفوذ التركي، وهناك تواصل بين الأتراك والروس ومتابعة من قبل المجتمع الدولي من الأمريكان والأوروبيين في سبيل الوصول إلى حل ما. لكن في نهاية المطاف أعتقد أن تركيا سيكون لها دور كبير في المدى المنظور طالما الأمور في سوريا باقية على وضعها الحالي، بلد موزّع بين مجموعة من مناطق النفوذ، لكن حينما نصل إلى توافق إقليمي – دولي حول سوريا، ستكون الانسحابات وسيكون التوافق على أطر أو معادلات جديدة. الصورة ما زالت ضبابية، والكل بانتظار الموقف الأمريكي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية