المعايير الامريكية المزدوجة بين الاتجار بالبشر وامتهانهم

حجم الخط
0

د. ايمن الهاشمي

ماتزال الإدارة الأمريكية تتصرف بأسلوب (الشرطي العالمي) المعنيّ بحفظ (الامن الكوني).. ومحاسبة من (يخرج) عن طاعتها ومعاييرها، ومن أساليبها الإبتزازية في هذا الصدد أن تصدر وزارة الخارجية الأمريكية كل عام مجموعة من التقارير السنوية لمحاسبة وتصنيف دول العالم ـ متجاوزة الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة ـ ومنها (التقرير السنوي حول الإرهاب في العالم) الذي تُصنف فيه دول العالم حسب موقفها من (الحرب) علي الإرهاب وجديتها فيه، ومنها (تقرير حرية الأديان) الذي تصنف فيه دول العالم حسب موقفها من موضوع (حرية الإعتقاد والدين) ومعاملة الأقليات الدينية والمذهبية، ومنها (تقرير حقوق الإنسان في العالم) وتنتقد فيه ممارسات مختلف دول العالم حسب سجلها في مجال حقوق الإنسان، وأخيرا أصدرت الخارجية الأمريكية تقريرها السنوي الجديد عن (وضع الإتجار بالبشر في العالم)، وهو التقرير السادس من نوعه، بعد إقرار الكونغرس لقانون حماية ضحايا الاتجار في البشر لعام 2000، حيث يصدر التقرير في الأول من شهر يونيو كل عام. والهدف المعلن من هذا التقرير هو تحفيز الدول علي إتخاذ الإجراءات وخلق (شراكات) حول العالم لمكافحة تجارة الرق الحديثة، ويتم في هذا التقرير تقييم الدول التي يوجد فيها عدد كبير من ضحايا الاتجار في البشر حيث تصف ضمن واحدة من المراتب الثلاث: الصنف (1) ويضم الدول التي يري التقرير أنها تفي بالمعايير الدنيا للقضاء علي أشد أنواع الاتجار في البشر، والتي حددها قانون حماية ضحايا الاتجار في البشر، أما الدول التي يري التقرير أنها لم تف بشكل كامل بالمعايير الدنيا للقضاء علي أشد أنواع الاتجار في البشر لكنها تبذل جهوداً ملموسة للوفاء بهذه المعايير فيتم تصنيفها في المرتبة 2، أما الدول التي يري التقرير أنها لم تف بالمعايير الدنيا للقضاء علي أشد أنواع الاتجار في البشر ولم تبذل جهوداً ملموسة للوفاء بهذه المعايير الدنيا، فيتم تصنيفها في المرتبة 3، وتكون الدول التي يتم تصنيفها في المرتبة 2 ضمن قائمة المراقبة عرضة للانحدار الي المرتبة 3 ما لم تتخذ خطوات جادة بشأن مآخذ التقرير عليها.

وتخضع الدول المصنفة في المرتبة 3 لمنع دستوري من المساعدات الأمريكية غير الإنسانية وغير التجارية أو في بعض الحالات احتجاز التمويل الخاص بالتبادلات التعليمية والثقافية. ولقد كان لدول عالمنا العربي نصيب وافر في (مؤخرة قاع دول العالم)!!… ويكشف هذا النهج العولمي للإدارة الأمريكية في إفتراض (مسؤوليتها) الأخلاقية والقانونية عن الأوضاع في جميع أنحاء العالم، متجاوزة كل القيم والمعايير الدولية وسالكة منهج (المعايير المزدوجة) الذي إتصفت به سياسات الإدارة الأمريكية منذ أحداث سبتمبر 2001، كما أنها بإصدار هذه التقارير تتجاوز علي المنظمات الدولية المختصة وبالأخص منها منظمة الأمم المتحدة التي يفترض أن تمارس نفسها هي هذا الدور، لا أن تتركه لدولة مليئة بالعيوب والانتقادات، ولا ندري كيف أعطت الإدارة الأمريكية نفسها الحق في التهجم علي الآخرين وإتهامهم بالإنتهاكات المنهجية ضد حقوق الإنسان، بالرغم من أن هذه الدولة هي آخر من يحق لها فعل ذلك لأن بيتها من زجاج أكثر من غيرها. إن الحكومة الأمريكية هي آخر الدول التي يحق لها الحديث عن حقوق الإنسان وحرمة النفس البشرية، فليست هناك دولة علي سطح الأرض قد ارتكبت الفظائع التي لا حدود لتصورها مثل تلك التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية فالتصرفات التي عرف بها العالم تجعل الإنسان يشعر بالخجل الشديد من انتمائه للجنس البشري، فتلك التصرفات عار علي البشرية كلها وهذا تحصيل حاصل ولعل ما خفي كان أعظم. إن الممارسات الأمريكية في العراق وافغانستان وغوانتانامو مازالت رأس جبل الثلج الذي لا يظهر إلا جزء يسير مما هو تحت السطح.

لقد علمتنا التجارب والوقائع أن الإرهاب ماهو إلا (صناعة أمريكية) بإمتياز، فهي التي أرضعت أولئك الذين أصبحوا زعماء في الإرهاب بتصرفاتها المدروسة جيدا وتزيد من شعبية الإرهابيين. كما أن حقوق الإنسان المنتهكة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية شيء لا خلاف عليه وهذا الانتهاك ليس ضد مواطنيها فقط بل امتد انتهاك حقوق الإنسان إلي جميع أصقاع الأرض وعكس ما تهتم به الدول الأخري التي هي متهمة بانتهاك حقوق مواطنيها أما الولايات المتحدة الأمريكية فإنها منتهكة فعلا لحقوق الإنسان في جميع أصقاع الدنيا، وفي نهاية كل عام تأتي وزارة الخارجية الأمريكية وبكل وقاحة فتكيل الاتهامات جزافاً للدول الأخري وترتفع هذه الاتهامات وتنخفض بمقدار رضا أمريكا عن الدولة بغض النظر عن حقيقة ما يجري في تلك الدول. إن علي الساسة الأمريكيين أن يعرفوا أن استعداء الشعوب في العالم سوف يؤدي آجلا أو عاجلا إلي نبذ أمريكا وجعلها تقف وحيدة منبوذة مكروهة.

ويبدو أننا أمام قطار أمريكي جامح.. متعجرف مهمته التدخل السريع والخاطف في كل شيء، بما في ذلك سيادة الدول واستقلالها.. واللافت أن كل انتهازي يريد أن يحجز لنفسه مكانا في هذا القطار الذي يستغل الإنساني باطلاً وحقا لتحقيق الاقتصادي والسياسي من الأهداف.. فالأمريكيون جاهزون دائماً للتباكي علي حقوق الإنسان في 190 دولة ليس من بينها الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل غير أن عند الولايات المتحدة مشكلة بكل اللغات.. العربي.. الصيني.. الفارسي ولغات عديدة تتمدد في قارات لا تستثني حتي القارة الأمريكية الشمالية نفسها. وتتمثل المشكلة في تبلور قناعات راسخة مفادها.. حيث يكون الموقف الأمريكي من حقوق البشر ومن العدالة يكون الخطأ.. ومجموع هذه المواقف قادت حتي الصحافة الأمريكية للتحذير من أخطار سياسة لا أخلاقية.

وتقرير الخارجية الأمريكية عن الإتجار بالبشر وحقوق الإنسان بصرف النظر عما فيه من معلومات لا يستطيع إغفال أن أمريكا تستغل مبدأ حقوق الإنسان لفرض أهدافها وابتزاز الأنظمة والتدخل في خيارات الشعوب بل وإرهابها.. وهي وإن كانت تمتلك أوراق اللعبة الدولية إلاّ أن هذه الأوراق في مجموعها أوراق مكشوفة.. وكفي بالمتابع أن يقرأ أو يشاهد ما تكتبه وتبثه وسائل الإعلام الغربي عن حوادث الغرور والغطرسة وامتهان كرامة الإنسان.. وحسنا فعل التنين الصيني في مواجهة غطرسة الشرطي الكوني حين قامت وزارة الخارجية الصينية بإعداد تقرير سنوي حول وضح حقوق الإنسان في الولايات المتحدة والممارسات الأمريكية حول العالم والمنتهكة لحقوق الإنسان، إن صورة المجندة الأمريكية سابرينا هارومان وهي تسحب معتقلاً عراقيا عارياً وهو مربوط بحبل جلدي يستخدم لسحب الكلاب.. هذه المجندة أبلغت صحيفة الواشنطن بوست بأنها كانت تتلقي أوامر التعذيب من ضباط المخابرات الذين يديرون السجن لدفع المعتقلين للانهيار الجسدي والمعنوي الشامل.. الأمر الذي يشير الي أن ما يحدث في العراق وأفغانستان وغوانتانامو من الأهوال ليس سلوكاً فرديا وإنما عناوين بسيطة لمجموعة القيم الأمريكية.. وأي عرض لاسطوانات حقوق الإنسان ليس إلا شعارات لا تعكس أي مبادئ.

إن سياسة الإدارة الأمريكية هي سياسة قائمة علي الابتزاز والغزو والهيمنة والتسلط لا يمكن أن تنال من قناعات نلمسها في صور تقول: لا نريد من أمريكا لا ديمقراطية ولا حرية.. فلقد جربها الأفغانيون ويجربها العراقيون ويجربها حتي المهاجرون.. هل أتاكم خبر انبرلويما المهاجر الهاييتي الذي تعرض للتعذيب الوحشي من ضباط شرطة في بروكلين.. نيويورك انتهي بانتهاك عرضه. ويكفي أن كاتبة أمريكية مورين داود قالت ان الإدارة الأمريكية دفعت 97 مليون دولار الي شركة علاقات عامة لشراء ذمم كتاب أعمدة وصحافيين.. لنعرف كيف يتم التلاعب بالحقائق وكيف يتم شراء ذمم صحافيين وسياسيين لتحسين ما يصعب تحسينه.

ان الولايات المتحدة الأمريكية بقدر ما يثيرها طرح موضوع حقوق الانسان في الحياة السياسية والأخلاقية الانسانية اليومية وعلي أراضيها فإن من حق جميع الدول ان ترفض تقييم الادارة الأمريكية لها علي أساس ولاية الدولة العظمي علي شعوب دول وشعوب العالم النامي. وإذا كانت الإدارة الأمريكية حريصة علي (حرية البشر وعدم إمتهان كرامتهم) فعليها أن تثبت لنا أنها تحترم (آدمية البشر وكرامتهم) في العراق وأفغانستان وباقي أنحاء العالم. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية