غالباً ما تنهض اقتصادات الدول على الاستثمار في مصادر طبيعية قادرة على رفع الناتج المحلي، ومع ذلك، فإن ثمة العديد من الاقتصادات التي تقوم على تمكين الجوانب المعرفية بوصفها خياراً بديلاً في ظل تراجع الخيارات الأخرى، ولعل هذا أمر بات شائعاً نتيجة توفر الإدراك والوعي بأهمية بناء اقتصاد يتجاوز فقر الموارد، لكن تكمن المشكلة في الفلسفة والتطبيق، وهنا نقع على أهم معضلة لدى بعض الدول العربية كون هذا لا يستقيم على مستوى الفلسفة أو التخطيط، وأخيراً التنفيذ، فهو يقع دائماً في مجال الخطابة، والاستهلاك، وانقضاء الأمر، ولعل معنى التمكين الاقتصادي يتحدد بالمعرفة بوصفها وسيلة إنتاج، وهو ما بات يعرف بالاقتصاد المعرفي، ويعني أن تتحول المعرفة إلى مصدر دخل أو إحدى المصادر الرئيسية للدولة.
مؤخراً صدر كتاب بعنوان «أكاديميا مظلمة» 2021 للباحث بيتر فليمنغ يتحدث فيه عن دور الليبرالية الجديدة في تحويل الأكاديميات الغربية إلى نموذج رأسمالي يسعى للتكسب والتربح، ما أطلق تداعيات طالت فلسفة التعليم، وأخرى سلبية طالت العاملين في هذا الحقل، وهنا نلاحظ أن منظومة التعليم باتت تشكيلاً ربحياً بداعي تطور إدارة المؤسسات المعرفية، إلى الحد الذي أطلق سلسلة تحذيرات، لكن ما يثير الانتباه أن هذه الخطوة تعني مدى تحقق الاستثمار المعرفي، على الرغم من المحاذير السلبية، بيد أنَ في قطاعات كثيرة من الدول النامية فإن التعليم ما زال نمطياً تقليدياً، لا يسهم بفاعلية في النموذج الاقتصادي الحقيقي، ولا يتصل بشكل مباشر مع المجتمع، أو الدولة، ليكون أحد مصادر الدخل الأساسي.
يرى بيتر دراكر أحد واضعي مفهوم اقتصاد المعرفة، أن رأس المال ربما يكون فكرياً، فالمعرفة قد تبدو على المحك، إذا لم نحسن التعامل معها، وهنا يقصد أن المعرفة تختلف عن الموارد الأخرى، كونها معرضة للموات المستمر، فالمعرفة دائمة التجدد، فما أن تتشكل معرفة حتى تصبح قديمة أو غير مجدية، كما أنها عرضة للتغييرات السريعة، والمفاجئة؛ ما يعني أن المؤسسات أو السلطات ينبغي أن تحسن التعامل مع المعرفة، وإلا سوف تبقى أسيرة اجترار معرفة منقضية، لا تنتج شيئاً حقيقياً، سوى أن تكون ظاهرة لتغذية النموذج الخدمي.
لا يمكن أن ننكر ما للتكنولوجيا من دور في زيادة فاعلية المعرفة، وهنالك الكثير من الدول التي تمكنت من ترجمة هذا إلى واقع، في حين أن بعض الدول ما زالت غير قادرة على الاستفادة من هذا التحول، وبذلك فإن بعض المؤسسات باتت متراجعة خطوتين: الأولى عن مرحلة الثورة الصناعية، والثانية عن إدراك مرحلة التكنولوجيا، حيث ما زالت هذه المؤسسات تراوح في دائرة الاستهلاك والاجترار. هذا التراجع لوحظ لدى العديد من الدارسين تبعاً لقضايا متشابكة بين النموذج السياسي والخلفيات الثقافية والاجتماعية، وهذا أمر يطول شرحه، لكن هنا علينا تأمل واقع المؤسسة الأكاديمية العربية، التي إلى الآن لم تتمكن من أن تصبح منتجة أو فاعلة في تحقيق تنميتها على مستوى الذات، فالكثير من المؤسسات الأكاديمية والجامعية، ما زالت تعاني من مديونية عالية، وهذا ربما يُحال إلى مشكلة في الإدارة التي تتصل بقصور تمكين المعرفة ضمن تخطيط اقتصادي مربح، وهي إشكالية عميقة تتصل بمفهوم الإدارة على مستوى الدولة، التي تعد أحد مراجع المشكلة.
لا بد من أن تتولى المؤسسة الأكاديمية نهجا آخر يتجنب الجمود، كونها تعدّ مصدر المعرفة القائمة على التخطيط، وبأن تسارع إلى تبني أدوات البناء المعرفي من منطلق، أنه لا يمكن لأي أمة أن تنهض قبل أن تنهض مؤسساتها الأكاديمية، كونها تشكل النواة الحقيقية لأي نهضة.
إن أحد أهم عوائق تحقق هذه الفاعلية الاقتصادية، الارتهان المنظور الذي تحتكم إليه هذه المؤسسات في قراءتها لدورها، حيث ما زالت تخضع أو متأثرة بالنظم البيروقراطية، التي تحكم المؤسسات الكبرى أو العميقة في الدولة؛ ولهذا فهي عاجزة عن إيجاد حلول (بحثية أو إدارية) مبتكرة يمكن أن تسهم في تمكين الفائدة النفعية، لتعود على ذاتها ومجتمعها، وهنا ربما نتأمل نماذج بعض الدول التي تستثمر في التعليم، لا على مستوى البحوث والإنتاج المعرفي من حيث المبتكرات والحلول، ولاسيما العلاقة المتصلة بالمنتج الصناعي، كما سياسات الدولة، لكن يُقصد من ذلك أمر آخر، ونعني كيف يمكن أن تتحول المؤسسات الأكاديمية العربية إلى منتج؟ وهنا تكمن المشكلة، وأهمها عدم تحقيق فاعلية بحثية، أو خلق سمعة أكاديمية تجعلها في مركز استقطاب معرفي عالمي، فإذا نظرنا إلى العديد من الدول المتقدمة، فإننا سنجد أن مؤسساتها تستقطب الطلاب بناء على معايير عملية، وهذا يتسبب بتحقيق دخل أو عائد للجامعة، وهذا لا ينتج عن مستوى تقاضي الرسوم، أو استجلاب عملات أجنبية نتيجة إقامة العديد من الطلاب في تلك البلدان، لكنها تفيد حقيقة من المنتج المعرفي القائم بداعي الحراك القائم على التعدد، حيث تُستثمر تلك البحوث والعقول من خلال تسهيل مجال البحث والابتكار، كما تتولى رعاية الدارسين ضمن عقل منفتح، يتوجه للقيمة المضافة، وليس للنظم البيروقراطية.
هناك العديد من الدول التي شكلت مركز استقطاب للطلبة من جميع أنحاء العالم، ولاسيما في إنكلترا والولايات المتحدة، والعديد من الدول الأوروبية، بما في ذلك تركيا في السنوات الأخيرة، فضلاً عن دول في آسيا، ومنها ماليزيا التي بدأت جامعاتها تتقدم في هذا المجال، وغير ذلك من الدول التي أصبحت مؤسساتها الأكاديمية مركز استقطاب للطلبة، ومنهم الطلاب العرب الذي يمموا شطرها بحثاً عن تمايز، أو جودة، أو ربما لأن بعضهم يواجه إشكاليات في الالتحاق بالجامعات العربية، نظراً لأنماط القبول ذات الطابع البيروقراطي، أو النخبوي، فضلاً عن عدم النظر إلى الإنسان بوصفه قادراً على أن يكون منتجاً ضمن سياق تحولي مرن، تحول دون تحققه في معظم الأحيان معايير بيروقراطية شكلية، إذ ينبغي أن يعطى كل إنسان فرصة لإظهار قدراته على مستوى التطبيق، ويضاف إلى ما سبق افتقار بعض المؤسسات لسياسة قبول واضحة تتسم بالواقعية، فهنالك الكثير من النخب المعرفية الذين نبذتهم مؤسسات أكاديمية عربية، بناء على معايير متصلبة، في حين أنهم كانوا مبدعين في الدول التي احتضنتهم، وشكلوا إضافة نوعية.
تتقن المؤسسات الغربية ترويج ذاتها لتمسي مركزاً يحقق عوائد معرفية/مادية، مقابل تشكل قناعات لدى المتعلمين في مجتمعاتنا، تخلص إلى أن المؤسسات المحلية لا تقدم معرفة أو تمكيناً علمياً مضموناً يتيح إمكانيات وظيفية مستقبلية، بالتوازي مع ضعف أسواق العمل في العالم العربي، وانتشار البطالة، في حين أن هنالك معضلة أخرى تتصل بإشكالية تقدير الذات، فالمؤسسات العربية تمارس هذا التغاضي عن الاعتراف بجدارتها إزاء الجامعات الغربية، وهنا ثمة فقدان للإيمان بالذات الثقافية، حيث تنظر بعض تلك المؤسسات لخريجي الدول الغربية بتقدير يفوق تقدير خريجيها أو خريجي مثيلاتها من الجامعات الغربية، في حين أن محدودية التنوع، والتثاقف، وتقبل التغاير القائم على الاحتكاك قد يحول دون نمو الجدل المعرفي الناتج عن صراع الأفكار.
وفي الختام لا بد من أن تتولى المؤسسة الأكاديمية نهجا آخر يتجنب الجمود، كونها تعدّ مصدر المعرفة القائمة على التخطيط، وبأن تسارع إلى تبني أدوات البناء المعرفي من منطلق، أنه لا يمكن لأي أمة أن تنهض قبل أن تنهض مؤسساتها الأكاديمية، كونها تشكل النواة الحقيقية لأي نهضة.
كاتب أردني فلسطيني