نورالدين عرفاوي ولد الحراك الشعبي الذي يشهده المغرب حاليا، من خلال الفعل النضالي لحركة 20 فبراير، سجالا سياسيا بين أطراف الحركة فيما بينها من جهة، و بينها و بين الدولة من جهة أخرى. و من بين مستويات هذا السجال، ما يطرح من نقاش حول طبيعة النظام المأمول و شكل الدولة الذي يمكن أن يوحد كل فرقائها، و بالنظر إلى اختلاف الفاعلين في الحركة من حيث المنطلقات السياسية و الفكرية، إلى حد التناقض الجذري، كان من الطبيعي أن يستأثر مفهوم الدولة المدنية بحظه من النقاش، باعتباره واحدا من حزمة المفاهيم الإستراتيجية للفكر السياسي المعاصر.
لقد سعت كل الحساسيات في هذه اللحظة السياسية، أن تتناسى اختلافاتها وتناقضاتها المرجعية و أن تبحث أكثر على ما يجمع بينها، و اقتضى إيجاد الحد الأدنى من القواسم المشتركة بين أطياف حركة 20 فبراير، أن تعلن جماعة العدل والإحسان بشكل صريح- باعتبارها رقما وازنا ضمن الحركة، تبنيها لمفهوم’ الدولة المدنية’ و ذلك من أجل، طمأنة باقي الفاعلين السياسيين المتوجسين من أية أجندة مفترضة للجماعة من أجل الانتقال بالبلاد نحو الدولة الدينية. غير أن هذا الإعلان لن يجد فيه الكثيرون بما في ذلك الخطاب الرسمي، سوى بعض تكتيك الجماعة في صراعها مع الدولة و باقي تشكيلة الطبقة السياسية. فأن تتبنى جماعة شكلت لزمن طويل الممثل الوازن للإسلام السياسي بالمغرب، مفهوما متأصلا في الفكر الليبرالي، الذي مثل على الدوام نقيضا مرجعيا لأدبيات الدولة لدى الحركات الإسلامية، فهذا يدعو، في نظر المتوجسين، إلى افتراض مبدأ التقية عند الجماعة أكثر من افتراض صيرورة الفكر السياسي لدى أي تنظيم. فلن نجازف بترك هذا الموقف مؤقتا، مهما بلغت حاجته للمراجعة أو عدمها، لنطرح السؤال في الاتجاه الآخر، إلى أي حد يمكن أن يمثل النظام الحالي بالمغرب نموذجا للدولة المدنية؟ و انطلاقا من ذلك ما مدى استحقاقه لموقع المزايدة في هذا الباب؟
لم يعد من طريف القول: استناد الدولة في المغرب على شرعيتين مرتبطتين بالمؤسسة الملكية، الشرعية التاريخية و الشرعية الدينية، حيث ظلت الثانية مرافقة و حاسمة في استمرار الدولة المغربية منذ نشأتها، إلى غاية أن المرينيين استدركوا استغفالهم لهذا العنصر من خلال احتفالهم لأول مرة بعيد المولد النبوي، إعلانا عن سيرورة سلطة مستمدة من السماء. و هذا ما تستمر عليه السلطة السياسية في المغرب و تزكيه و توفر له شروط السيادة و الاستمرار، من خلال تمتع الملك بسلطة دينية في إطار إمارة المؤمنين. و بغض النظر عن الجوانب الروحية لهذه السلطة، فهي تضفي سمة خاصة على الطابع التنفيذي للملكية و تكون مبررا في أحايين كثيرة للعلاقة العمودية بين’ الراعي والرعية ‘. إن هذا الإطار المرجعي العام، لا يمكن أن يكون إلا موازيا للنسق الذي تحيى فيه الدولة المدنية، نسق الدولة الحديثة، بمقومات لن تجدها في الإطار التقليدي السالف، نسق بجهاز مفهومي آخر، بحزمة مفاهيم أخرى (المجتمع المدني، التعاقد، العلمانية، المواطنة….) . يقودنا هذا الكلام إلى تسجيل الوضع المزدوج و المفارق للدولة بين الخطاب و الممارسة، فهي إذ تحاول تسويق خطاب المجتمع الحداثي الديمقراطي لا تستطيع أجرأء ذلك على صعيد الواقع. لن نذهب بعيدا لنقف على طريقة تدبير الدولة للتعبئة من أجل التصويت لصالح الدستور، حيث لم تدخر سلطتها الدينية فجندت المساجد التي تحتكر الدولة سلطة تدبيرها، فأمرت الخطباء و الأئمة بتلاوة خطبة معدة سلفا من قبل وزارة الأوقاف إحدى وزارات السيادة- . عملت الدولة أيضا في السياق نفسه على حشد الزوايا، في إخراج للصوفية من جبة الدروشة إلى الممارسة السياسية، والحال أن هذا الأسلوب قديم في تعامل الدولة مع مؤسسة الزاوية فهي توظف في تليين جذرية الإسلام الراديكالي، وتقوم أيضا بدور مباركة الشرعية الدينية للسلاطين كدور فوق روحي للزاوية، فضلا عن مشايعتها للعزلة عن السياسة النقدية. و هي بذلك تكون محط عطف من قبل السلطة السياسية.
إن استثمار الدولة أيضا لجزء من الطبقة السياسية، يوصف في التداول السياسي المغربي ‘ بإسلاميي المخزن’، من أجل الإلحاح وبشكل قريب من الصدامية على بنية الدولة المحافظة، لا ينسجم مع الحدود الدنيا للدولة المدنية، خاصة إذا كانت غايته تسويق الشعور بالحاجة إلى الأب الحامي من رفاق قدماء الشبيبة الإسلامية، فعندما يتعلق الأمر بحرية الاعتقاد، من اللازم أن يتكرر تدخل الحكامة، كما وقع إبان نزول الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية.
و كما ذكرنا سالفا فمفهوم الدولة المدنية، لا ينفصل عن مفاهيم أخرى تشكل نسقا متكاملا، يمثل مفهوم التعاقد خيطه الناظم، ذلك أنه لا يمكن الحديث عن الدولة المدنية إلا داخل دولة التعاقد، أو بالأحرى فهما وجهان لعملة واحدة. إننا للأسف لم نراكم في تاريخ الفكر السياسي العربي إضافات حاسمة لنظرية العقد، كما رسخها الإرث الأنواري في زمن النهضة الأوربي، اللهم النزر القليل من القراءات المسترجعة لهذا الإرث نفسه، وبما أن الطامع في تبني خطاب المجتمع الحداثي الديمقراطي، عليه أن يلزم التفاعل مع هذا الخطاب في كونيته و شموليته، نستحضر عن التعاقد في أصوله ما قاله روسو: ‘ إن السلطة الشرعية الوحيدة التي يجب أن نعترف بها، هي تلك التي تقوم على أساس عقد يبرمه بينهم الأطراف المتعاقدة. إن الأمر يتعلق بعقد اتحاد فقط، و لا يلزم عنه أية طاعة لأي كان. ذلك لان الشعب المتعاقد هو وحده مصدر السلطة و هو وحده الذي يمارسها. ‘( أنظر المقال 79 لعابد الجابري ضمن الكتاب 35 من مواقف ص63 ) فمن خلال التعاقد الندي بين الطرفين، الحاكم و الشعب، فقط تتحقق سيادة هذا الأخير، حيث يكون له الحق في تدبير شأنه العام، من خلال الآليات الحديثة وتعتبر الانتخابات الآلية الأكثر إجرائية لحد الآن في فرز من يمثل الشعب وتطبيق اختياراته و تنفيذ البرنامج الذي تعاقد مع الشعب عليه. على أساس أن تكون هذه الانتخابات حرة و نزيهة و بإشراف جهة محايدة. إن المؤطر لهذا التعاقد هو الدستور ( الذي ينتمي، باعتباره مفهوما، إلى النسق النظري نفسه). فل يطرح كل منا السؤال الآتي، إلى أي حد تستطيع الوثيقة الدستورية الآنية للمغرب، أن تتفاعل مع ثورية هذا الحراك النظري، هل تعبر هذه الوثيقة فعلا عن نموذج الدولة المدنية؟ إننا لا نريد من خلال السؤالين السالفين أن نقيس درجة المحافظة أو الثورية في النص الدستوري المغربي، لأن ذلك قيل فيه الكثير و لازال باب القول فيه مشروع أيضا، ولكن لنقيس مدى ازدواجية خطاب الدولة و الطبقة السياسية التقليدية التي تدور في فلكها، عندما يتعلق الأمر بمحاجة الخصوم السياسيين.’ كاتب مغربي