الرباط ـ “القدس العربي” ـ من محمود معروف: اكدت نتائج الانتخابات التشريعية المغربية التي جرت الجمعة ان التغيير في الخارطة السياسية للبلاد لا زال بعيدا وان الصيغة التي اخذتها منذ منتصف التسعينات، من تركيبة برلمانية وتحالفات، ستبقي هي المهيمنة علي الاقل حتي 2012 موعد الاستحقاق التشريعي القادم، وذلك ليس فقط ارادة الناخب المغربي الذي جدد الثقة بالاغلبية البرلمانية بل ايضا ارادة صانع القرار الذي يري في هذه الاغلبية ضمانة عدم المشاكسة والتشويش علي رؤيته لمستقبل البلاد.
النتائج شبه الرسمية المعلن عنها اول امس السبت اعطت الاغلبية البرلمانية المكونة من خمسة احزاب (حزب الاستقلال، اتحاد الحركات الشعبية، والتجمع الوطني للاحرار، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية) 183 مقعدا من 325 هي مقاعد مجلس النواب، لكن زعامتها انتقلت من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الي حزب الاستقلال الذي احتل المرتبة الاولي في مجلس النواب.
واذا اعتمدت الالتزامات المتبادلة بين مكونات الاغلبية وتحديدا بين مكونات الكتلة الديمقراطية (الاستقلال والاتحاد وحزب التقدم والاشتراكية) قبل اجراء الانتخابات بالتعاطي المشترك مع نتائج الانتخابات والاشارات الاولية التي اعطيت بوسائل الاعلام الرسمية وتصريحات قادة الاحزاب، فإن التشكيلة السياسية للحكومة القادمة ستكون نسخة من الحكومات المتعاقبة منذ انطلاق ما عرف بمرحلة التناوب مع تغييرات بنصيب كل حزب وتعديلات في الحقائب الموزعة.
وتشكيل هذه الحكومة يحتاج الي اختيار العاهل المغربي الملك محمد السادس لوزير اول من الاغلبية رغم ان الدستور لا يلزمه بذلك حيث اشار الفصل 24 من الدستور الي ان الملك يعين الوزير الاول دون ان يضع اية اشتراطات علي هذا التعيين لكن العاهل المغربي الملك اكد في خطاب سابق له انه سيختار وزيره الاول بعد الانتخابات من احزاب الاغلبية.
واذا كان التفكير سيذهب مباشرة لاختيار عباس الفاسي الامين العام لحزب الاستقلال فإن احتمالات اخري تبقي مطروحة وهي احتمالات تنسجم مع الفصل 24 من الدستور ومع الالتزام الملكي.
ومن بين هذه الاحتمالات اختيار شخصية تقنية من حزب الاستقلال او شخصية من احزاب الاغلبية الاخري تكون في تقدير القصر الاقدر علي ادارة الحكومة وتطبيق الرؤية الملكية للسنوات الخمس القادمة.
واذا كان الاحتمال الاول يخلق ازمة داخل حزب الاستقلال فإن الاحتمال الثاني يخلق ازمة بين حزب الاستقلال والقصر وازمة بين حزب الاستقلال وشركائه بالاغلبية. وسيصعب علي اعرق الاحزاب المغربية (تأسس في 1944 واعتبر اطار الوطنيين المغاربة وحقق استقلال البلاد) ان يقبل حرمانه من تشكيل اول حكومة منبثقة من برلمان يحتل فيه المرتبة الاولي.. فحكومات حزب الاستقلال احمد بلفريج (1956) وعبد الله ابراهيم (1958) لم تنبثق من برلمان منتخب ومشاركاته في الحكومات التي تلت تلك المرحلة كانت تمثل ثقله السياسي وليس ثقله البرلماني فرغم انه كان الحزب الاول في حكومة المعطي بوعبيد (1981) فإنه لم يكن الحزب الاول في البرلمان. لكن الصعوبة الرئيسية امام الحكومة القادمة للاغلبية الحالية هي الاوضاع الداخلية لمكون اساسي من مكوناتها وهو الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي قاد انتقال البلاد من مرحلة التنافر السياسي بين القصر والقوي الديمقراطية (1961 الي 1998) الي مرحلة التوافق التي انطلقت مع حكومة التناوب التي شكلها عبد الرحمن اليوسفي زعيم الحزب انذاك ودفع الحزب ثمن هذه القيادة باهظا (من الحزب الاول في برلمان 1997 و2002 الي المرتبة الخامسة في برلمان 2007) حيث حمل كل شوائب الحكومة وعجزها وتقصيرها حيث اعتبر هناك عجزا وتقصيرا رغم انه لم يكن منذ 2002 الا شريكا من بين خمسة شركاء في حكومة ترأسها شخصية تقنية مستقلة اختارها القصر بل من المفارقات ان خصوم الاتحاد الاشتراكي يحملونه مسؤولية الشوائب والعجز والتقصير دون ان يسجلوا للحكومات المتعاقبة منذ 1998 انجازات حقيقية ملموسة لدي كل من يعرف البلاد وحالتها التي كانت عليها في ميدان الحريات العامة والتخليق والتنمية ويجيرون هذه الانجازات للقصر لان الحكومة الرسمية لم تكن اكثر من واجهة وان الوزراء ليسوا اكثر من موظفين كبار لحكومة حقيقية تدير البلاد من خلف اسوار القصر الملكي.
وحمل الاتحاد الاشتراكي مسؤولية الحكومة وتدبير الشأن العام لانه الحزب الوحيد في الاغلبية الحكومية الذي تماهي مع الحكومة ودافع عن ادائها ومسارها وبرنامجها وحرص رسميا علي تجاهل أي من سلبياتها او سلبيات شركائه بها.
وامام تحمل الاتحاد الاشتراكي وحده عقوبة اداء الحكومات السابقة ستجد قيادته صعوبة في التعاطي الايجابي مع دعوة مشاركتها في الحكومة القادمة واقناع اطره وكوادره وقواعده بأن يكون جزءا من اغلبية يحتل فيها المرتبة الرابعة.
وقد تستنسخ للاتحاد الاشتراكي تجربة مشاركة حزب الاستقلال مع حكومة عبد الرحمن اليوسفي الاولي 1998 حين احتل حزب الاستقلال المرتبة السادسة في برلمان 1997 وحمل عدد حقائب مماثلا لحقائب التجمع الوطني للاحرار الذي احتل المرتبة الثانية لان مشاركة الاتحاد الاشتراكي بالحكومة ضرورة سياسية للقصر والاغلبية لمواصلة تدبير الشأن العام بنفس الصيغة التي دبرته علي مدي السنوات العشر الماضية وتنفيذ البرامج والاصلاحات والمشاريع التنموية التي خطط لها وبعضها في طور التنفيذ والاهم عدم دفع الاتحاد الاشتراكي نحو المعارضة لما يمكن ان تشكل معارضته ضغوطات علي الحكومة القادمة.
واحتلال مقاعد المعارضة مطلب اطر وقواعد حزبية، لان هذه المعارضة، التي يكتسب فيها الحزب خبرة اربعة عقود محفوفة بالمواجهات الدموية مع القصر في كثير من الاحيان، ضرورة لاعادة بناء الحزب وهيكلته وتفعيله بعد وهن اصاب بنياته وخروج العشرات من كوادره ليكونوا خصومه والسكاكين التي يجرح بها قبل الانتخابات وبعدها وفتور طبع نشاط قواعده وتنافر مع شركاء له بالفكر والتوجه النظري نتيجة العمل الحكومي.
لكن هذا المطلب يصطدم بعدة حواجز منها فئة استفادت من المشاركة الحكومية واعتادت امتيازاته وايضا سيجد الحزب ان مقاعده بالمعارضة ستكون الي جوار مقاعد حزب العدالة والتنمية الحزب الاصولي الذي اختاره خصما فكريا وسياسيا وقد يكون اختيار المعارضة بداية مرحلة احتكاك سلبي مع القصر الملكي قد يؤدي بالبلاد الي مرحلة مشابهة لمرحلة سنوات الرصاص مع تغيير في تفاصيل المشهد.
وبالتأكيد ليس في العمل السياسي فقط لوني الابيض والاسود والاتحاد الاشتراكي ليس امام خيارات حدية اما واما فالعمل السياسي يحتمل كل الالوان وفي الحياة السياسية ما يمكن ان تجمع فيها بين خيارات متناقضة ومتنافرة وهي الخيارات التي سيجد حزب العدالة والتنمية الاصولي نفسه امام مثلها بل اصعب منها اذ كان الاتحاد الاشتراكي يضع في حسابه تراجعا قد يلحق به وان كان ليس بهذه الحدة (36 مقعدا بدل 50 في انتخابات 2002) لكن حزب العدالة والتنمية اصيب بخيبة امل مما منحته له صناديق الاقتراع واحتلاله المرتبة الثانية في عدد المقاعد بعد ان مني النفس بالمرتبة الاولي واخذ من استطلاعات رأي وتحليلات وتقديرات حزبية ومحلية ودولية اعطته فوزا كاسحا، حقائق لم يرها يوم 7 ايلول/سبتمبر الجاري وبدل الـ80 مقعدا التي قال انه سينالها لم يحصل الا علي 47 مقعدا.
كانت قيادة حزب العدالة والتنمية قبل اعلان نتائج الاقتراع تتحدث عن التحالفات وعن برنامجها الحكومي بعد فوزها بل ذهب بعض اطرها ليتحدث عن نظام ضريبي جديد وبعد اعلان النتائج ذهبت بردة فعلها الي الاقصي الذي يشير الي انها لن تكون في الاغلبية الحكومية القادمة واتهام الاحزاب بالفساد واستعمال المال لشراء الاصوات وقالت صراحة انها لا يمكن ان تتحالف مع احزاب فاسدة.
لا تختلف الملامح الاساسية لمغرب ما قبل 7 ايلول/سبتمبر عن مغرب ما بعده، ولعله هو هذا المغرب الذي لا يحتمل التغييرات الصادمة او الانقلابية التي تخفي فجأة ملامح تكونت علي مدي سنوات. فالتغيير فـي المغرب ينحت نحتا وعنــدما تظــهر مــلامح جديدة تكون طبيعية اعتاد الناس عليها رويدا رويدا.