الرباط-“القدس العربي”: مع قرب نهاية السنة المالية 2018 يسود في المغرب نقاش سياسي واقتصادي حول مشروع قانون المالية لسنة 2019 الذي بموجبه يتم تحديد نفقات الدولة ومداخليها ورسم السياسة المالية والاقتصادية والاجتماعية في مختلف القطاعات. واتسم النقاش هذه السنة بتزامنه مع خطاب للعاهل المغربي محمد السادس الذي انتقد فيه النموذج التنموي المعمول به ودعا إلى رسم نموذج تنموي جديد، وسيرا على ذلك ساد في نقاشات المسؤولين الحكوميين أن مشروع قانون المالية لهاته السنة هو مشروع “استثنائي” يندرج في إطار “نموذج تنموي جديد” وميزته أنه سيخلق نوعا من التوازن الاقتصادي وسيتجه لدعم المقاولات الصغرى والمتوسطة وهناك من وصفه بأنه قانون اجتماعي بامتياز يركز على الجانب الاجتماعي من أجل النهوض أساسا بقطاع التعليم والصحة والتشغيل. هذه بعض ملامح الخطاب الرسمي والحكومي الذي يرى في المشروع طفرة في المستوى الاجتماعي، وعلى نقيضه يرى فاعلون سياسيون وخبراء اقتصاد أن المشروع لا يرقى لطموحات المغاربة الذين يطالبون بتحسين مستوى عيشهم وبأنه سيفاقم العجز ويغرق البلاد في مزيد من المديونية الداخلية والخارجية ولا يتوفر على سمات نموذج تنموي جديد مختلف عن سابقه.
وفي سياق يتسم بتنامي الاحتجاجات في مناطق عدة بالمغرب تطالب بتحسين الوضعية الاجتماعية خاصة التعليم والصحة وبتوفير مناصب شغل للشباب الذي تتفشى في صفوفه البطالة وأصبح يرى في الهجرة إلى الضفة الأخرى من المتوسط ملاذا اجتماعيا، صادق مجلس الحكومة منتصف الشهر المنصرم على مشروع قانون المالية الذي تقدم به وزير الاقتصاد والمالية والذي وعد بتحقيق معدل نمو للناتج الداخلي الخام بنسبة 3,2 ومعدل عجز 3,3 في المئة، مع احتساب مداخيل الخوصصة.
وأعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى الخلفي، أن مشروع القانون يرتكز على التوجهات المصادق عليها في المجلس الوزاري المنعقد في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2018 والتوجيهات الملكية التي صدرت في كل من خطاب العرش وذكرى ثورة الملك والشعب وهي توجيهات ذات بعد اقتصادي واجتماعي اتخذت من دعم التعليم والصحة والتشغيل ومحاربة الفوارق الاجتماعية ودعم المقاولة والاستثمار أولويات.
وحسب نص البلاغ الذي تلاه الناطق الرسمي بعد نهاية المجلس الحكومي، فالمشروع ينبني على أربعة محاور، أولها إعطاء الأولوية للسياسات الاجتماعية، خاصة في مجالات التعليم والصحة والتشغيل، وتسريع مسلسل الحوار الاجتماعي ، ولا سيما فيما يخص تقوية دور المنظومة التعليمية في التكوين والإدماج الاجتماعي والاقتصادي للشباب، وتحسين شروط ولوج المواطنين للخدمات الصحية، والمساهمة في إعادة هيكلة سياسة الدعم والحماية الاجتماعية، والعمل على تقليص الفوارق بين الفئات والجهات، والمحور الثاني يهم تحفيز الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال ودعم المقاولات خاصة الصغرى والمتوسطة. المحور الثاني يتعلق بمتابعة الإصلاحات المؤسساتية والهيكلية الكبرى خاصة استكمال إصلاح العدالة وتفعيل الجهوية المتقدمة ومواصلة إصلاح الإدارة، أما المحور الرابع فيركز على الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية من خلال متابعة تخفيض نسبة العجز في الميزانية وتدبير المديونية، حسب الخلفي.
إكراهات الاستثمار الخاص
وخلال عرض لوزير الاقتصاد والمالية أمام مجلس البرلمان خصصه لمشروع قانون المالية للسنة المالية 2019 قال الوزير، إن المشروع يأتي في سياق يتسم بتزايد النزاعات الحمائية على مستوى الاقتصاد العالمي وارتفاع أسعار النفط، وأيضا في سياق تحديات وانتظار الأوساط الاقتصادية محليا في ظل إكراهات مرتبطة بالاستثمار الخاص. وأوضح أن هذه الإكراهات تتجلى في الإشكالات المرتبطة بالمداخيل الجبائية، فضلا عن ارتفاع الانتظارات الاجتماعية الخاصة بتحسين الخدمات ورفع القدرة الشرائية.
في الجانب الاجتماعي “مشروع قانون المالية أتى بمقتضيات مهمة لها علاقة بالتعليم والصحة والشغل، فهناك طفرة من ناحية الميزانية حيث وصلت 68 مليار درهم (6 مليار يورو) بالنسبة للتعليم، وبالنسبة للصحة بلغت 16 مليار و300 مليون بزيادة بلغت 10 في المئة وهو مبلغ مهم” يقول مصطفى الإبراهيمي، نائب رئيس لجنة القطاعات الاجتماعية، وهو برلماني عن حزب العدالة والتنمية، الحزب الذي يقود الحكومة، مضيفا في تصريحه لـ”القدس العربي” أنه “بالنسبة للموارد البشرية فالمشروع خصص 15000 منصب شغل للتعليم و 4000 للصحة”. موضحا أن في قطاع التعليم هناك جزء من الميزانية مخصص لبرنامج “تيسير” الذي تم تعميمه على العالم القروي لفائدة الأسر الفقيرة والهدف منه الحد من الهدر المدرسي، بحكم أن العامل الاقتصادي كان حاجزا أمام مواصلة تعليمهم، يقول الإبراهيمي مردفا هناك أيضا برنامج “مليون محفظة” وصل هذه السنة 4000 محفظة لفائدة الأسر المعوزة. أما بالنسبة لبرنامج الأرامل، يقول الإبراهيمي أنه تم توسيع البرنامج ليعم النساء في وضعية صعبة وأطفالهن وليس فقط الأرامل، والشيء نفسه بالنسبة للإعاقة من خلال صندوق التماسك الاجتماعي. وبالنسبة لـ”الرميد” (نظام التغطية الصحية لفائدة ذوي الدخل المحدود) الذي يدخل في إطار صندوق التماسك الاجتماعي، أكد الإبراهيمي أنه انتقل من مليار و300 مليون إلى مليار و 600 مليون لمواجهة نفقات هذا النظام، حيث بلغ 12 مليون و44 ألف نسمة مسجلة ضمنه.
وبالنسبة للتشغيل يرى الإبراهيمي أن المشروع يتضمن “استراتيجية للتشغيل مهمة حيث سيتم خلق حوالي 50000 منصب شغل تتضمن العمل بنظام التعاقد والمناصب المالية والتي استفاد منها التعليم والداخلية وباقي القطاعات وهذا مؤشر كبير على الإنجاز المحقق في الجانب الاجتماعي بهذا المشروع” مستدركا أنه إذا تمت مقارنة هذا الرقم مع الحاجيات فليس في المستوى المطلوب، يقول الإبراهيمي مؤكدا أن “الحل هو التوظيف في القطاع الخاص” مشيرا إلى مجموعة من التدابير في هذا الباب منها “مقولتي” وهناك أيضا برنامج “تأهيل” و”إدماج” قائلا أنه فيما يخص الاستثمار فمشروع المالية خصص 197 مليار درهم للاستثمار و”حينما نتكلم عن استثمار الدولة فنقصد الأوراش الكبرى البنيات التحتية وهي التي تخلق مناصب شغل وليس الإدارة”.
زيادة محتشمة
وعلى عكس الطريقة التي تم بها تقديم مشروع قانون المالية على المستوى الرسمي بأنه “استثنائي” وذو بعد “اجتماعي” يرى البرلماني المعارض عمر بلافريج عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، أن “هذا غير صحيح” وأن المشروع ليس فعلا مشروعا اجتماعيا كما يروج له، قائلا لـ”القدس العربي” أنه “في قطاع التعليم فعلا تمت الزيادة في الميزانية المخصصة لهذا القطاع كباقي القطاعات، لكن ليس بالشكل الذي يمكن من القول أنه فعلا أولوية كما تدعي الحكومة في خطابها” مضيفا “أن تعميم برنامج تيسير، الذي خصص لكل طفل في العالم القروي منحة قدرها 60 درهما شهريا هو أمر إيجابي، لكن حينما يقال أولوية فهذا غير صحيح لأنه ليس هناك شيء استثنائي بل هناك زيادة محتشمة”.
الأولوية “الحقيقية” عوض قطاع التعليم يرى بلافريج أن المشروع أولاها للأمن قائلا: “الأولية التي كرسها قانون الميزانية هي الأمن، فخلال ثلاث سنوات ازدادت ميزانية وزارة الداخلية 30 في المئة وعلى مستوى مناصب الشغل خصص المشروع 8000 منصب لوزارة الداخلية و900 للقوات المسلحة” موضحا أن المناصب التي تم خلقها في قطاع التعليم وهي 15000 لا يتم التنبيه أن 13000 سيحالون على التقاعد، مشيرا إلى أن تقارير المجلس الأعلى للتعليم تتحدث عن كون تجربة المدارس الجمعاتية هي تجربة ناجحة، وبأن المجلس خرج بتوصية خلق 1000 مدرسة في حين يتم خلق عشر مدارس في السنة بما يعني أنه يلزمنا قرن لتحقيق ذلك، ليست هناك إرادة سياسية فعلية لجعل قطاع التعليم أولوية” يقول بلافريج مؤكدا أنه على المستوى الاقتصادي فالمشروع يكرس “دعم الريع” فيما يخص القطاع البنكي ثم الدعم لقطاع المحروقات “فالجميع اعترف بأن الشركات راكمت ربحا غير أخلاقي بقدر 17 مليار درهم من كانون الأول/ديسمبر 2015 إلى اذار/مارس 2018 ولم تقم الحكومة بإجراءات لاستردادها” ويخلص إلى أن المشروع يكرس النموذج التنموي نفسه رغم أن الملك قال أنه يجب إعادة النظر فيه.
تفاقم العجز الاقتصادي
“المديونية أصبحت حلا عضويا” يقول الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي موضحا لـ”القدس العربي” أن الالتزام الذي تعهدت به الدولة مع المنظمات الدولية هو أن يصير العجز أقل من 3 في المئة من الناتج الداخلي الخام منذ سنة 2012 لكنه تفاقم، ففي السنة الماضية بلغ 3,2 في المئة وهذه السنة سيتفاقم إلى 3,7 في المئة حسب الأرقام المعلنة” مؤكدا أن طريقة حساب العجز هي طريقة “مغلوطة” وهو ما كشف عنه تقرير للمجلس الأعلى للحسابات يقول أنه بالنسبة لسنتي 2017 و2018 فالعجز الذي تقدره الحكومة لا تدرج فيه الديون التي عليها تجاه بعض المؤسسات العمومية وبعض الشركات الخاصة. وأكد أقصبي أنه إذا تم احتساب دين الدولة تجاه مؤسسات عمومية أو خاصة فسيرتفع العجز إلى حوالي 7 في المئة، مشددا على أن مشروع قانون المالية سيعمق العجز أي اللاتوازن الاقتصادي والمقلق على حد تعبيره أنه “لا توازن بنيوي، ليس ظرفيا مرتبطا بعدم سقوط الأمطار لأن الموارد الطبيعية أي الجبائية التي يجب أن تغطي 90 إلى 80 في المئة من نفقاتنا، أصبحت غير قادرة على تزويد الميزانية وأصبحت غير مجدية لأن النظام الجبائي غير عادل، والمتوقع في مشروع قانون المالية أن هذه الموارد الجبائية ستغطي 64 في المئة من نفقات الدولة، وهذا يعني اللجوء للمديونية لسد 36 في المئة الباقية”.
لكن للمديونية حدودا يقول أقصبي، وهذه السنة بعد أن توقفت الدولة عشر سنوات، فقد لجأت مجددا إلى الخوصصة، وهذا يدل في نظره على أن مستوى العجز وصل مستويات متقدمة حيث تم استنفاد الإمكانيات الأخرى.
“خاصية” مشروع قانون المالية هذه السنة هو إضافة رسم على التبغ وهذا سيوفر موارد تقدر بمليار و 200 مليون درهم، حسب الإبراهيمي، غير أن الإشكال المطروح هو بخصوص التعديل الذي قام به مجلس النواب حيث أضاف ضريبة على المشروبات التي فيها سكر سواء غازية أو العصائر أو الحليب ومشتقات الحليب الذي فيه سكر، الحكومة وافقت على الضريبة فيما يخص المشروبات الغازية والعصائر وبالنسبة للحليب تم تأجيل ذلك إلى السنة المقبلة وتم التصويت بالإجماع على الضريبة على الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة بالنسبة لهذه المنتجات، إلا أن “الشركات رفضت وقامت بضغط رهيب على الغرفة الثانية بالبرلمان المغربي” هذه الغرفة هي مجلس المستشارين وستقوم بالتصويت يوم الاثنين المقبل وفي الغالب ستتراجع عن هذه الضريبة خاصة على القيمة المضافة حسب الإبراهيمي، الذي قال أن التعديل المطروح في مجلس النواب جاء بناء على مشكل في الصحة العمومية، فالمندوبية السامية للتخطيط قالت أن ثلث الساكنة المغربية يعاني إما من السمنة أو قريب من السمنة والمنظمة العالمية للصحة تقول أن 14 في المئة من المغاربة يعانون السمنة، وتقرير “ماكينزي” قال أن السمنة تكلف 24 مليار درهم كل سنة وهو ضعف الميزانية المخصصة للصحة في المغرب، من خلال هذا أقتنع مجلس النواب كما مجموعة من الدول الأخرى بضرورة فرض ضريبة على نسبة السكر في هذه المشروبات، إلا أن لوبي الشركات يمارس ضغطه وهو ما من المنتظر أن يؤدي بمجلس المستشارين إلى التراجع عن هذه الضريبة.