المغرب: جهود لتخفيف معاناة سكان الجبال والأرياف والأشخاص بدون مأوى مع موجة البارد القارس

حجم الخط
2

الرباط ـ «القدس العربي»: تعيش مجموعة من المناطق بالمملكة المغربية على وقع انخفاض كبير في درجات الحرارة، تصل في بعض المرتفعات إلى ناقص 8 تحت الصفر مصحوبة بتساقطات ثلجية مهمة؛ ما يضاعف من معاناة سكان الجبال والأرياف والأشخاص بدون مأوى. وتحاول السلطات المحلية تكثيف جهودها من أجل تقديم المساعدات للمتضررين من صعوبة الأحوال الجوية.

وتتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية (مؤسسة رسمية تابعة لوزارة التجهيز والماء) أن يستمر الطقس البارد والذي سيكون مصحوبا بالصقيع أو بالجليد فوق كل من المرتفعات والمناطق المجاورة لها، لمناطق الجنوب الشرقي للبلاد، والمنطقة الشرقية والسهول الداخلية. كما يُتوقع نزول أمطار ضعيفة ومتفرقة فوق سواحل البحر الأبيض المتوسط، والشمال-الغربي للأقاليم الجنوبية، والريف والأطلسين الكبير والصغير.
وستتراوح درجات الحرارة الدنيا، ما بين ناقص 08 وناقص 02 درجات بالأطلس، وما بين ناقص 02 و03 درجات بالريف، السفوح الجنوبية-الشرقية والهضاب العليا الشرقية، وما بين 03 و07 درجات بمنطقة السايس، هضاب الفوسفات والماس، السهول الواقعة غرب الأطلس، الشمال-الشرقي للأقاليم الجنوبية والسواحل الشمالية والوسطى، وستكون ما بين 08 و13 درجة فيما تبقى من ربوع المملكة المغربية، فيما ستكون درجات الحرارة خلال النهار في انخفاض.
الحسين يوعابد، رئيس مصلحة الشراكة والتواصل بالمديرية العامة للأرصاد الجوية، أكد أن موجة البرد ستستمر الفترة المقبلة، وستهُم معظم مناطق المملكة نتيجة تمركز منخفض جوي غرب البحر الأبيض المتوسط والذي يسمح بهبوط هواء بارد قادم من شمال أوروبا ما نتج عنه انخفاض ملموس في درجات الحرارة تتراوح ما بين 5 إلى 8 درجات تحت المعدل في هذا الوقت من السنة.
من جانبه، قال محمد بنعبو، الخبير في المناخ والبيئة، إن درجات الحرارة المنخفضة التي تشهدها المملكة «استثنائية ويمكن أن نقول إنها قياسية» بالنظر إلى درجات الحرارة التي عادة ما يشهدها المغرب خلال نفس الفترة من السنة.
درجات الحرارة المنخفضة راجعة بالأساس، وفق تصريح الخبير المغربي لـ «القدس العربي» إلى التيارات الباردة القادمة من شمال الكرة الأرضية والتي يطغى عليها المناخ القطبي، حيث جلبت معها المناخ البارد والتساقطات الثلجية التي شهدتها الجبال والمرتفعات ومن المتوقع أن تستمر الأيام المقبلة.
محمد بنعبو أكد أن التساقطات الثلجية ستُنعش الفُرشة المائية والسدود وتضمن خزانا مائيا، وتمنح الاستدامة المائية على طول الأسابيع المقبلة، أما بالنسبة للمجال الفلاحي والزراعة فهي على عكس الصقيع أو الظواهر الطبيعية الأخرى التي يمكن أن تؤثر سلبا على نمو النباتات والأشجار المثمرة، لافتا أن «البرد القارس صحي بالنسبة للمنظومة البيئية سواء تعلق الأمر بالنباتات أو الحيوانات».
وأبرز المتحدث أن من شأن ارتفاع درجات الحرارة خلال هذه الفترة من السنة، التأثير سلبا على إزهار مجموعة من النباتات والأشجار المثمرة، «الأثر السلبي هو ما لاحظناه السنة الفارطة حيث تأذَّت أشجار الزيتون واللوز على الأخص من ارتفاع درجات الحرارة خلال نهاية كانون الثاني/يناير وبداية شباط/ فبراير».
ويرى الخبير البيئي أن انخفاض درجات الحرارة إيجابي جدا لمجموعة من المزروعات، قد يكون تأثيرها سلبيا على بعض الخضراوات كالبطاطس مثلا، لكنها بالنسبة لإزهار الأشجار المثمرة كالحوامض والبواكر مفيدة جدا.
إلى ذلك، يبقى المتضرر الأول من البرد القارس بالمغرب، هم ساكنة الجبال والمناطق الريفية النائية، حيث انطلق برنامج مساعدات إنسانية ابتداء من الأربعاء 25 كانون الثاني/ يناير الماضي، بتعليمات من الملك محمد السادس، إذ جرى الإطلاق الفوري للمبادرة التضامنية الرامية لمواجهة موجة البرد، لفائدة الساكنة القروية المتضررة من الانخفاض الكبير لدرجات الحرارة بأقاليم الأطلس الكبير والأطلس المتوسط.
وأوضح بلاغ لمؤسسة محمد الخامس للتضامن، أنه ستتم تعبئة أطقم بشرية وآليات لوجستية هامة، بتنسيق مع وزارة الداخلية والسلطات المحلية، من أجل إيصال المساعدات الإنسانية للعديد من الأسر المنحدرة من القرى والمناطق النائية.
وأضاف المصدر ذاته أن هذه العملية ستستهدف، في شطرها الأول، العديد من الأسر بأربعة أقاليم، هي ميدلت وخنيفرة وأزيلال والحوز، مشيرا إلى أن كل أسرة ستستفيد من رزمة من المواد الغذائية والأغطية وغيرها. ولاحظت مصادر إعلامية محلية أن موجة البرد شديدة القساوة التي يشهدها المغرب منذ بضعة أسابيع يرافقها انتشار سريع للفيروسات التعفنية، سواء تعلق الأمر بالأنفلونزا الموسمية أو متحورات كوفيد 19 من دلتا وأوميكرون وغيرهما، الأمر الذي يهدد صحة المواطنين ويعرضهم للإصابة بالعدوى، مع ما يعنيه ذلك من احتمال حدوث انتكاسة صحية، قد لا تقف عند حدود الأعراض البسيطة التي تتطلب الراحة بضعة أيام والانقطاع عن العمل أو التعليم، بل قد ترسل الكثيرين إلى مصالح الإنعاش والعناية المركزة، لاسيما في ظل تشابه الأعراض المرضية المختلفة.
وسجلت صحيفة «الاتحاد الاشتراكي» أن هذه الظرفية الصعبة يعاني منها بشكل كبير الأشخاص الذين بدون مأوى، ممن يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، إذ في كل موسم شتاء يفارق الحياة عدد منهم، يتم العثور عليهم في هذا الركن أو الناصية عبارة عن جثث هامدة بعد أن غادرت أرواحهم أجسادهم المعتلة، لا سيما منهم الذين يستعينون بالكحول الحارقة وغيرها من المواد الضارة، لمحاولة اتقاء قساوة الطقس، مما يعمق من أمراضهم ويزيدهم عللا على علل.
هذه المعاناة التي تتكرر كل سنة تدفع بمصالح وزارة الداخلية، بتنسيق مع باقي الشركاء المعنيين، إلى تنظيم حملات لجمع هذه الفئة من الشارع العام، وإيوائها بمراكز للاستقبال تخصص لهذه الغاية، سعيا من الإدارات المختصة لحمايتهم، إذ وجهت مؤخرا العديد من محافظات الأقاليم والمقاطعات في هذا الصدد، تعليمات لمسؤولي الإدارة الترابية محليا، لمباشرة هذه الحملات بشكل استباقي، والعمل على مصاحبة الفئات الهشة التي هي بدون مأوى، لنقلها إلى هذه المراكز، في حين لا يزال عدد كبير منهم، خاصة في مدن كالدار البيضاء، يؤثثون الشوارع والأزقة ومجموعة من الفضاءات، حيث يمكن للجميع معاينتهم صباحا، لاسيما بسبب الساعة الإضافية التي تطيل أمد الظلام، وحتى مساء، يتكدّسون في مجموعات بشرية، إناثا وذكورا، أطفالا ويافعين وشيبا، وهو ما يستوجب تدخلا عاجلا، لا سيما في ظل هذه الظرفية الوبائية العسيرة، وذلك للمساهمة في إنقاذ أرواحهم وتجنيبهم وقع البرد وتبعاته المرضية الثقيلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية