توفيق رباحي
مرت سبعة شهور علي اطلاق النشرة المغاربية بقناة الجزيرة القطرية. هي النشرة الوحيدة في القنوات الفضائية العربية التي تدّعي انها لا يمكن ان تفرّط في هذه المنطقة. هل المدة كافية للحكم علي نشرة الجزيرة بالرباط. ربما لا، لكنها قد تكفي للقول انها لم تتطور منذ يومها الاول، وان الفرق بين الجزيرة والفضائيات العربية الاخري في الموضوع المغاربي ليس هو نفسه الفرق بينها وتلك القنوات في قضايا مشرقية او دولية.
بتعبير آخر، اذا كانت الجزيرة قد صنعت لنفسها هوية مثيرة للجدل في المشرق العربي والاخبار الدولية، فهي لم تفعل كذلك في المغرب العربي. واذ نجحت في تشكيل قائمة من المتحدثين في المشرق (بمن فيهم المتطفلون)، ففي المغرب العربي لم توفق بعد في التوصل الي تثبيت هذه القائمة ولا يمكن القول ان لديها عارفين ومتحدثين جيدين. طبعا لا يجب اهمال ان العمل في الدول المغاربية ليس بالسهولة التي نتصور لان الجزائر وتونس مغلقتان، وليبيا نصف مفتوحة، فلم يبق هناك الا المغرب وموريتانيا. لكن لا يجب ان ننسي ايضا ان الجزيرة ممنوعة في اكثر من مكان، بما في ذلك الصومال، ناهيك عن بلدان مثل العراق والسعودية والبحرين وايران، ورغم ذلك يبدو عملها هناك افضل من عملها المغاربي.
علي سبيل المثال، ليس تميزا ان تتناول قناة بحجم الجزيرة خبر اعتصام مهاجرين افارقة امام مفوضية اللاجئين بالرباط (الجمعة قبل الماضي) متأخرا ثلاثة ايام. لا اعرف سبب التأخر، لكن اذكر ان الاثنين هو اليوم الذي وزعت فيه وكالة فرانس برس الخبر.
وليس تميزا ان تتعاطي مع الاخبار الامنية في الجزائر من خلال اعادة تسويق تقارير الصحف المحلية و تحليلات من نصبّوا انفسهم خبراء في الامن. اقول هذا لان التقارير الامنية التي تصدر في 99% من الصحف الجزائرية غير دقيقة ولا موثوق فيها ولا في مصادرها، لاسباب عدة احدها ان الحكومة والجيش يجهلان فن التبليغ الاعلامي. يمكنني ان اسرد عشرات الامثلة عن الانتكاسات المهنية التي وقعت بها هذه الصحف في موضوع الامن، آخرها ما تعلق بـ عملية تمشيط واسعة بجبال بجاية الشهر الماضي، ظلت الصحف تقول وتعيد ان الاف الجنود والآليات شاركت بها (بحثا عن القاعدة ) حتي خلناه انزال النورمندي، ثم فجأة اختفي كل شيء وحل صمت غريب كأن شخصا بيده زر فكبسه. شخصيا لم افاجأ نظرا لمعرفتي بهذه النوعية من التقارير ومصادرها وكيفية استعمالها، مثلها مثل التقارير التي لا تنتهي عن النزيف والانشقاقات داخل الجماعات المسلحة. فهل سألت الجزيرة (المغاربية) نفسها اين وصلت الامور وهي التي كانت تتغذي من هذه التقارير؟
امام الضيق والتضييق المغاربي، سيكون من المفيد التطلع شمالا، الي جنوب القارة الاوروبية من اجل التميز عن القنوات التي تعلن عن برامجها بتوقيت الجزائر والرباط وتوهم الناس بانها اولت اهتماما بمشاهدي المغرب العربي (ام بي سي مثلا) بينما كل مضمونها مثلث الاضلاع لبناني ـ مصري ـ سعودي. لن يكون ضم دول جنوب اوروبا الي النشرة المغاربية ترفا اعلاميا، فاقتصادات وسياسات الدول المغاربية اكثر ارتباطا باسبانيا وفرنسا وايطاليا من اي منطقة اخري. يكفي القول ان ما يربو عن سبعة ملايين مواطن مغاربي يعيشون باوروبا، وعندما تقول اوروبا فالمقصود جنوبها بالاساس. والعلاقات بين المنطقتين هي من نوع الحب والكراهية، ويكفي النظر الي المطبات التي تعترض مسيرة علاقات الجزائر بفرنسا، والمغرب باسبانيا، وليبيا بايطاليا، للتأكد. كنت الخميس الماضي في نقاش مع الزميل حسين مجدوبي مراسل “القدس العربي” بمدريد، حول النشرة المغاربية موضوع هذا الحديث.
هو من انصار الرأي القائل انها نشرة سطحية لم ترق الي مستوي يمكّنها من ان توصف بانها نشرة مغاربية حقيقية. ثم راح يعدد اخفاقاتها والموضوعات التي فاتتها. وبما انني لا اتابع هذه النشرة الا في ما ندر، سألته هل يذكر ان تطرقت لازمة الغاز بين الجزائر واسبانيا، وهي ازمة كانت مؤجلة منذ شهور لكنها خرجت عن السيطرة ـ الاعلامية علي الاقل ـ في الاسابيع القليلة الماضية، فاجاب بالنفي.
في نشرة المساء اياها، شاهدته يحلل، برفقة آخرين، ازمة الغاز بالذات.
في اليوم الموالي مازحته قائلا اذا كان توارد الافكار يفيد بهذه السرعة، فلدي اكثر من فكرة مستعد للحديث فيها علّها تحظي بقليل من الاهتمام والمتابعة. خصوصا تلك الافكار وعناوين القضايا التي تكتفي القناة بذكر عناوينها مثلما ترد في شريط وكالات الانباء العالمية، وفي احسن الاحوال، تجري متابعتها بمقابلة سطحية مع خبير او محلل من عاصمة مغاربية عبر الهاتف.
من هذه القضايا مشكلة الهجرة التي تحوّلت الي مشكلة بين الدول المغاربية، رغم انها مشكلة اوروبية ـ افريقية بالاساس. بسبب غباء الحكام هنا وهناك، تسمم الهجرة العلاقات الجزائرية ـ المغربية بدرجة ثانية بعد موضوع الصحراء الغربية، لكنها لا تزال مجرد اخبار تتبختر في شريط اسفل الشاشة بنفس عناوينها في شريط وكالات الانباء العالمية. وتسمم علاقات الدول المغاربية مع دول جنوب اوروبا، لكن الاعلام ككل لا ينظر الي هذا الموضوع الا من خلال قوارب المهاجرين رغم ان هجرة القوارب لا تشكل الا خمسة في المئة من الهجرة الوافدة الي اسبانيا، ورغم الضجة التي تشبّه الحال بغزو افريقي لاسبانيا، لا يتجاوز عدد الافارقة في هذا البلد بضعة الاف. لكن بما ان تركيز الاعلام الاسباني ووكالتي فرانس برس ورويترز مشدود الي القوارب، صدّقنا جميعا، ومعنا الجزيرة، ان الافارقة اخذوا اسبانيا وان الهجرة هي القوارب المطاطية العابرة لمضيق جبل طارق او المحيط الاطلسي نحو جزر الخالدات، ولا شيء غيرها.
ومن هذه القضايا ايضا قضية الصحراء الغربية التي تعرف تطورات مهمة منذ صدور قرار مجلس الامن رقم 1754 الذي قد يعيد صياغة جغرافيا وتاريخ ومستقبل المنطقة.
ومنها الفكرة التي اقترحها الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي عن الاتحاد المتوسطي، رغم انها قديمة عمرها نحو 40 سنة، نُظر اليها بطرق مختلفة مع مرور الزمن.. ومنها ومنها.
ليس مطلوبا ان تتحول اية قناة تلفزيونية الي مركز ابحاث، لان العمل التلفزيوني اصلا يقوم علي السطحية (حتي لا اقول الكسل) و مداعبة الاخبار بدل التطرق اليها. لكن ليس محبذا ان تبقي الجزيرة المغاربية بنفس هذا المستوي، لانها في هذه الحالة ستكون نشرة الرباط مجرد تغيير جغرافي وبيروقراطي لا غير.
رغم كل ما قيل، ما تزال المنطقة المغاربية سوقا عذراء تلفزيونيا تنتظر من يعرف كيف يصل اليها. الي حد الآن هناك من اجتهد، وهم قلة، ولا اري ان هناك من اصاب. حكومة المذيع عتقدت دائما ان وليد جنبلاط بك يمكن ان يكون كوميديا مسرحيا ناجحا. ربما كوميديا سياسيا لا يستسيغه الشيخ حسن نصر الله زعيم حزب الله، لكنه كان سيجد حتما انصارا ومعجبين يملأون صالات العرض.
وتعزز لدي هذا الاعتقاد عندما سمعته، في احدي نشرات الاخبار الاسبوع الماضي، يخاطب بحدة مذيع الجزيرة، عبد الصمد ناصر، بـ حكومتك رغم انه (المذيع) قادم من ابعد نقطة في هذا الوطن العربي المسكين ولا يربطه بقطر سوي الخبزة.
تشبه ورطة عبد الصمد ناصر مع وليد بك ورطة رئيس الوزراء الجزائري الاسبق، سيد احمد غزالي، مع مواطن جزائري مقيم بفرنسا في احد مطارات باريس. حدث ذلك اواخر التسعينات، بعد سبع او ثمان سنوات من انهاء مهام غزالي علي رأس الحكومة. كان الاثنان ضمن جمهور من المسافرين من باريس الي الجزائر، اغلبه من العائلات. تأخرت طائرة الخطوط الجزائرية، كعادتها، تأخرا لم يعد محتملا فبدأ التململ في صفوف المسافرين الذين لم يجدوا من يخفف معاناتهم. تعالي الضجيج والاحتجاج هنا وهناك، وفجأة اكتشف المسافر الذي تجاوز الخمسين، ان بين المسافرين رئيس الوزراء الاسبق، فاشتبك معه صارخا في وجهه يلعن التأخير والمسؤولين عنه. حتما اعتقد المسافر المسكين انه امام مسؤول كبير فقرر الانتقام لنفسه بطريقته. لا شك ان هذا الرجل الذي تصرف بعفوية، شعر بحرج كبير، عندما علم او قيل له ان غزالي لم يعد دولة منذ صيف 1991. ربما هو نفس الحرج الذي يكون قد شعر به وليد بك عندما رد عبد الصمد ناصر بهدوء كبير: انا حكومتي مغربية، منهيا الكلام بابتسامة قالت كل شيء وربما اخفت الله يهديك.
سيكون من الغباء تصديق ان جنبلاط لا يدرك ان الجزيرة شركة متعددة الجنسيات رأسمالها قطري. كل ما في الامر، علي ما يبدو، ان تصرفه كشف مدي الحنق والغضب المخزّن ازاء قناة الجزيرة مقابل الرضي عن العربية. هكذا اصبحت الامور تقاس بين القناتين: موقف هؤلاء من هذه القناة، يشرح تلقائيا موقف اولئك من الاخري.
كاتب من اسرة “القدس العربي” [email protected]