المغرب: غليان في البرلمان وفي المجتمع بسبب مشروع قانون يفرض تدريس العلوم باللغة الفرنسية

الطاهر الطويل
حجم الخط
1

الرباط ـ “القدس العربي”: ما زال مشروع قانون التعليم الذي ينصّ على اعتماد اللغة الفرنسية في تدريس بعض المواد العلمية في المدارس المغربية، يثير العديد من ردود الفعل بين الأوساط السياسية والفكرية والمجتمعية. فبينما خاب سعي أحزاب الأغلبية الحكومية للوصول إلى توافق من أجل تمرير ذلك القانون، يشهد المجتمع المدني حركية قوية تطالب برفض إقرار الفرنسية في تدريس المواد العلمية.

الوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، مصطفى الخلفي، حاول التقليل من حدة الخلاف بين مكونات الأغلبية الحكومية، حيث قال: “القانون الإطار كان موضوع مناقشة مستفيضة داخل مجلس الحكومة بعد إفادة من وزير التربية الوطنية. النقاش كان واضحا وصريحا، الرأي منعقد على ضرورة الوصول إلى توافق، لأن الأمر يتعلق بإصلاح كبير يهم بلدنا ومستقبل أجيالنا، الموضوع سيتم تدريبه على مستوى الأغلبية، إذا كانت هناك صعوبات سيتم تجاوزها”.

بيد أن المراقبين يسجلون التذبذب في الموقف الذي أبان عنه حزب “العدالة والتنمية” قائد الأغلبية الحكومية، فبعدما رشحت أخبار حول موافقته على تمرير قانون التعليم بالصيغة الموجودة، ظهرت أصوات داخل الحزب نفسه، لا سيما في اجتماع لجنة التعليم والثقافة والاتصال في مجلس النواب، تتمسك باعتماد اللغة العربية في تدريس العلوم، وهو ما أربك عملية التصويت التي كانت مقررة الأربعاء 3 من الشهر الجاري.

وأفادت صحيفة “الأحداث المغربية” أن جلسة الأربعاء بدت بمثابة محاكمة لغياب تماسك الأغلبية وانقلاب بعض مكوناتها على التوافق الذي حصل بشأن القانون، وذهب فريق حزب الاستقلال (معارضة) إلى حد المطالبة بإعادة مسار المشروع إلى نقطة الصفر بناء على قاعدة التوافق الشامل أو الإلغاء الشامل، وهو ما سيترجمه الأمين العام لحزب الاستقلال لاحقا بالدعوة إلى تفعيل مقتضيات الفصل 103 من الدستور المغربي، من خلال ربط طلب الموافقة على مشروع القانون المذكور، لدى مجلس النواب، بتصويت منح الثقة للحكومة حتى تواصل تحمل مسؤوليتها.

وينص الفصل المشار إليه على أنه “يمكن لرئيس الحكومة أن يربط، لدى مجلس النواب، مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها بتصويت يمنح الثقة بشأن تصريح يدلي به في موضوع السياسة العامة، أو بشأن نص يطلب الموافقة عليه. لا يمكن سحب الثقة من الحكومة، أو رفض النص، إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب، ولا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على تاريخ طرح مسألة الثقة. يؤدي سحب الثقة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية”.

تحول دراماتيكي

عادل بنحمزة، أحد وجوه حزب “الاستقلال” رأى أنه بدل ربط المصادقة على المشروع بتجديد منح الثقة للحكومة، كان من الواجب استعمال الفصل 105 من الدستور، وتقديم ملتمس رقابة بكل شجاعة وجرأة سياسيتين.

وكتب في تدوينة في صفحته الافتراضية: “ما يهم أكثر في بلاغ حزب الاستقلال، هو الموقف الضمني للحزب والمؤيد للصيغة التوافقية/التلفيقية الخاصة بلغة التدريس، ولو أنها إلى اليوم لم تكتس صبغة إلزامية لجميع الفرق، وهو ما يجعل عمليا “العدالة والتنمية” الحزب الوحيد الذي تمرد على صيغة التوافق”.

ويرى بنحمزة أن “تغيير الموقف من قانون الإطار بالنسبة لحزب الاستقلال، كان يستدعي دعوة المجلس الوطني في دورة استثنائية كأعلى سلطة تقريرية بعد المؤتمر، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بتغيير موقف ثابت للحزب في الموضوع”.

وأضاف: “هناك تحول دراماتيكي في مواقف الحزب بخصوص قانون الإطار سواء ما عبر عنه الأمين العام شخصيا، وبلغ حد وصفه لمقتضيات القانون المتعلقة باللغة على أنها جريمة في حق المدرسة المغربية، وما عبّر عنه أعضاء الفريق الاستقلالي في اجتماعات اللجنة المختصة عند دراسة القانون”.

وشدد على أن “تغيير الموقف اليوم من مسألة اللغة من قبل حزب الاستقلال يعتبر اعترافا واضحا بأنه فعلا خرب المدرسة المغربية، منذ أزيد من ثلاثين سنة، وذلك عندما قام بتعريب المدرسة المغربية، كما يقول البعض”.

وقال أيضا: “العيب والعار هو الانبطاح وفقدان استقلالية القرار والعجز عن الدفاع عن القناعات الثابتة، بل وحرمان المناضلات والمناضلين من التعبير عن مواقفهم بكل حرية داخل برلمان الحزب”.

وختم قائلا: “حذرت سابقا من أن أخطر ما يواجهه الحزب اليوم، هو تحول هويته، وهي مع الأسف عملية جارية ومستمرة إلى الحد الذي سيصبح فيه فقاعة فارغة بدون ملامح ولا هوية ولا بصمة تميزه، سيفتقد مشيته ولن يكتسب مشية أخرى، إنها حصيلة تنميط الأحزاب السياسية وتهجين النخب الحزبية، والمؤسف أكثر اليوم أن بعض حماة الثوابت لم نسمع لهم صوت فيما يحدث”.

وأعلن الأمين العالم لحزب الأصالة والمعاصرة حكيم بن شماش، رفضه لما سماه “أدلجة لغة التدريس” في سياق النقاشات التي واكبت مشروع قانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين، داعيا نواب الحزب إلى التصويت على المشروع، مشيرا إلى رفضه لـ”أي تسويف أو مماطلة في البت في هذا النص التأسيسي الهام”.

وقال بن شماش، عقب اجتماعه بفريق الحزب بمجلس النواب، إن منظومة التربية والتكوين “ينبغي أن تبقى بمنأى عن الحسابات السياسية الضيقة والصراعات الإيديولوجية، لأنه يهم المصلحة العليا للوطن ويهم أجيالا من المتعلمين الذين ينبغي أن يتعلموا في كنف منظومة تعليمية متطورة وناجعة ومثمرة”.

عريضة شعبية

وتتواصل حاليا في مختلف شبكات التواصل الاجتماعي “العريضة الشعبية” التي أطلقها “الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية” حيث استقطبت العديد من الشخصيات الفكرية والسياسية والتعليمية والإعلامية وغيرها التي سارعت بالتوقيع عليها، وفاقت التوقيعات إلى حدود صباح الجمعة 300 توقيع.

واعتبر الائتلاف أن مشروع قانون التعليم يعد انقلابا على روح الدستور وتأويلا سقيما لما جاءت به الرؤية الاستراتيجية 2015 – 2030 بخصوص لغة التدريس. وأوضح في العريضة المتداولة أنه “عوض الاحتكام للدستور الذي ينص على رسمية اللغتين العربية والأمازيغية، والتنصيص صراحة وبدون أي لبس بأن لغة التدريس هي العربية بالأساس، نص مشروع القانون على تدريس بعض المواد باللغة الفرنسية”.

ومما جاء في العريضة الحاملة لعنوان “من أجل عدالة لغوية” أن اعتماد اللغة العربية، وكذلك الأمازيغية حين تأهيلها، لغة تدريس هو الأمر الذي يفرض نفسه والذي ينسجم مع منطوق الدستور، والمشاريع الإصلاحية المقترحة منذ “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” واختيارات المجتمع، ووفق الدراسات والأبحاث العلمية التي قدمها أهل المعرفة والخبرة الموثقة في مجال تدبير التعدد اللغوي والتخطيط وبناء السياسات اللغوية الناجعة وفق الخريطة اللغوية المغربية. واللغة العربية قادرة على القيام بوظائفها العليا، واتهامها بكونها ليست لغة علم هو مجرد تخرس وتنجيم لا يصمد أمام حقائق العلم والواقع، حيث نوقشت أطروحات بالعربية في الرياضيات والطب والإحصاء والاقتصاد وكتب مختصون مؤلفات عديدة في الفيزياء.

وانطلاقا من المادة 15 من الدستور المغربي الذي يخول للمواطنات والمواطنين الحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية؛ وعلى الفصل الخامس منه الذي أكد على دور الدولة في حماية اللغة العربية والاشراف على تطويرها وتنميتها، أعلن الموقعون على العريضة رفضهم لمشروع القانون بصيغته المعروضة على البرلمان وضرورة تعديله بما يتوافق مع النص الدستوري ومكانة العربية في المنظومة التربوية. كما حثوا على ضرورة التراجع عن فرنسة البكالوريا (الثانوية العامة) المغربية، والتخلي عن القرار المفاجئ القاضي بتدريس المواد العلمية بالفرنسية في المستويات الثلاثة، نظرا لما خلقه وما سيخلقه من ارتباك وتعثرات وتأثير على مستوى التعلم.

ودعا الموقعون على الوثيقة أيضا إلى احترام منطوق الدستور المغربي، مؤكدين رفضهم المطلق لضرب اللغتين الدستوريتين، وللهيمنة الفرنكوفونية التي يمثلها نص مشروع قانون التعليم، كما اقترحوا فتح حوار وطني موسع حول المسألة اللغوية في المدرسة المغربية، وإشراك المختصين والمجتمع المدني في ذلك، بعيدا عن التشنجات والصراعات المفتعلة، وتغليب مصلحة الوطن والمواطنين على مصلحة فئة قليلة تدافع عن السلطة والثروة وتحتكر المعرفة، عن طريق توظيف اللغة الفرنسية كحصان طراودة.

وأكد “الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية” أنه سيوجه هذه العريضة الشعبية، بعد انتهاء التوقيعات، إلى كل من رئيس الحكومة ورئيسي مجلس النواب ومجلس المستشارين وإلى وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، من أجل العمل على رفض هذا المشروع ومراجعته بما يتناسب مع روح الدستور.

مشروع غير دستوري

وفي السياق نفسه، نظم ائتلاف العربية مؤتمرا صحافيا في مقر النقابة الوطنية للصحافة المغربية، شارك فيه المحامي والحقوقي النقيب عبد الرحمن بن عمرو وامحمد الخليفة البرلماني والوزير السابق وأحد وجوه حزب “الاستقلال” والباحث الأكاديمي الدكتور عبد العالي الودغيري الفائز أخيرا بجائزة “الفيصل” في صنف اللغة العربية والأدب.

ودعا الودغيري حزبي “العدالة والتنمية” و”الاستقلال” إلى رفض مقتضيات مشروع القانون المتعلق بإصلاح منظومة التعليم، محذرا الحزبين من غضب الشعب المغربي بالتصويت عليه. ونبه إلى أنه قد يتم تمرر مشروع القانون الإطار، ولكنه شدد على أن إرادة الشعب فوق كل شيء. وحذر الحزبين المذكورين من “حساب عسير من الشعب المغربي” قائلا: “لتذهب المناصب والحكومات إلى الجحيم، ولكن ليبق الشعب وهويته”، محذرا من التواطؤ في صيغة التوافق. ووجه الودغيري كلمة إلى حزب الاستقلال باعتباره من مناضليه السابقين، قائلا: “إن لم تتراجعوا عن المصادقة على القانون، فعليكم أن تنزعوا صور الزعيم علال الفاسي من مقراتكم فهذه خيانة له” داعيا المشرع إلى صياغة القانون بشكل يحمي هوية المغرب ولغته. من جهة أخرى، طالب الودغيري حزب العدالة والتنمية برفض الصيغة التوافقية، قائلا “صوتنا عليكم لصون الهوية وليس لضربها” معتبرا تمرير مشروع القانون الإطار “خيانة” للدستور وللأصوات التي منحها الشعب للأحزاب، متهما الحكومة بزرع القنابل والمتفجرات عوض السعي لتقديم الحلول.

وأفاد المحامي عبد الرحمن بن عمرو أنه سيطعن في دستورية القانون موضوع الجدل إذا مرره البرلمان، وطالب بمتابعة وملاحقة الواقفين وراء مشروع القانون، بالمقتضيات القانونية لفصول القانون الجنائي التي تنص على معاقبة كل من يمس بالحقوق الوطنية. واعتبر مشروع القانون “غير قانوني وغير دستوري”. ونبه الناشط الحقوقي أن المغرب “لا يتوفر على قانون لحماية اللغة العربية، كما هو الشأن في الجزائر ومجموعة من الدول العربية الأخرى” موضحا أن المعركة حول اللغة ستستمر خصوصا مع صدور القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين، قائلا إن “الشعب قال كلمته”.

وقال فؤاد بوعلي، رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، في المؤتمر الصحافي إن “مشروع القانون الإطار لإصلاح منظومة التربية والتكوين المعروض على البرلمان هو شَرعنة سياسية واقتصادية لهيْمنة اللوبي الفرنسي الذي يحاول السيطرة على مقدرات الوطن”. مؤكدا أنه قانون “غير دستوري، لأنه يمنع المغاربة من الإبداع بلغتهم الرسمية وبالتعلم باللغات العالمية الأكثر تداولا، كما تنص على ذلك الوثيقة الدستورية” مضيفا أن “الدستور جزء من السيادة الوطنية واعتماد فرنْسة التعليم هو مغامرة بسيادة البلد”.

وطالب بفتح تحقيق حول “التدليس” الذي طال نسخة مشروع القانون الإطار المعروضة على البرلمان، مقارنة مع النسخة المعروضة أمام الملك في المجلس الوزاري، مضيفا أن “ما يحدث في البرلمان جريمة مكتملة التوصيف في حق المغاربة، ونحن نقول للأحزاب إن مصادقتكم على هذا المشروع خيانة لتاريخكم ولرموزكم، ونقول للحكومة إن أيام الكراسي زائلة لكن التاريخ لن يرحمكم أبدا”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية