المغرب في عيون باريسية
فاطمة ناعوتالمغرب في عيون باريسيةالمغربُ العربيُّ (شرقٌ). علي الرغم من اسمه النسبيّ . كونه (غربًا) بالنسبة إلي المشرق العربي، و(شرقًا) بالنسبة إلي الغرب. فكيف ترسمه الريشةُ الغربية؟ الباريسية تحديدا. رواية محمد يحبُّني للفرنسية ألينا رييس الصادرة مؤخرًا عن دار أزمنة ترجمها الشاعر المغربي محمود عبد الغني، الذي تخصص مجالُه البحثيّ في أدب السير ـ ذاتيّ وعالجت رسالته للدكتوراه السيرة الذاتية عند ابن خلدون. وصلتني الرواية مشفوعة بإهداء يقول: أتمني أن تقرئي المغرب في 90 صفحة. والحق أنني من الذاهبين إلي أن قراءة بلد بعيون أجنبية غالبًا ما يكون أكثر شعرية وأخصب خيالا من قراءته بعيون محليّة متورطة فاعلة. أليست المعاصرةُ حجابًا؟ العيون الجديدة بوسعها أن تري ما يغيّبه التراكمُ البصري عن العيون التي نشأت ونمت وتفاعلت مع عمق المكان. وهذا سر ولعنا بالسفر كوننا نري في الأمكنة الجديدة السطحَ القشريّ وليس الجوهر الموّار بالجمال وبالمشكلات في آن. نري أحلامَنا أو الصورة التي رسمناها سلفا للمكان.الزمنُ مهشّمٌ في البنية الكلية ومحترَمٌ في البني الجزئية. المسافة التي سنقطعها 3000 كم لنسيان كلِّ شيء أو تذكّر كلِّ شيء. هكذا بدأت الراوية (التي لم يظهر لها اسمٌ ما يؤكد أنها سيرة ذاتية) من لحظة العودة للوطن فرنسا بالسيارة عن طريق إسبانيا. ثم سرد لقطات متشظية مما يراد له أن يُنسي أو يُتذكّر . تيمتا الفلاش باك وتشظي الحدث تعطيان الرواية فنيّتها وتخرجان بها من أفقية حكائية السيرة الذاتية التي أخرجها النقاد من دائرة الفن. لن يعرف القارئ، إلا بعد منتصف الرواية، سبب سفر هذه الأسرة الصغيرة، المكونة من الذات الراوية والزوج وطفلين، من فرنسا إلي أحد سواحل المغرب الفقيرة. سافرنا إلي المغرب لأننا كنا نحتاج إلي مغادرة فرنسا، وذلك الطقس السيء، وبغرض الحاجة إلي العزلة أيضًا . وتقصد الطقس السياسي والاجتماعي وليس المُناخي: نقرأ الصحف بخوف وغضب. الطقس الرديء يمسُّ أصدقاءنا أيضًا، لكن حياتهم تصنع لهم أحسن ثياب للوقاية منه، أما نحن فكنا شبه عراة وقابلين جدا للاختراق وفجأة رغبنا في السفر. أما محمد فصيّاد تعرفت عليه تلك الأسرة ورافقته في الإقامة علي الساحل. وأما يحبُّني ، فلون من الحب فريد لن نجد خلاله أيًّا من التجليّات التي ألفناها. هو توقُ باريسيةٍ متحررة لرجل يمثل النموذج الشرقي الخشن في صورته الفطرية الرعوية العارية من غلالات المدنية التي تتكاثف فوق سكان الحضر فتنأي بهم عن جوهر الإنسان الأول. ورغم كونه حبًّا للـ ضد كما يبدو، إلا أن محمد لم يكن سوي أنا أخري للراوية. ولا عجب، ألسنا نعشق في المرآة صورتنا المعكوسة التي تجعل اليسارَ يمينًا؟ ينجذب الموجب للسالب ليتماهيا في كلٍّ واحدٍ متعادلٍ ومتزن. ذاك أن الجملة الأولي في الرواية: هذا هو موحي نفسه ، و موحي هو النطق الأمازيغي لمحمد، وفي الهامش ينبئنا المترجم أن الأصل الفرنسي هو :Moha m’aime ، وأنها تتشابه في النطق الفرنسي مع جملة: Moi-meme يعني أنا نفسي . وإذًا تقرُّ الساردة أن محمد هو هي: وعندما أكتبُ عنه أنتبه إلي أنني أحبه مثل شبيهي، توأمي الذي أتمني أن يكون لي وأن يكون أنا نفسي، وليس لي غير أن أمنحه نفسي: الكتابة. أكتب عنه كتابا يشبه الجسد . وفي موضع آخر: خرج من البحر مثل فينوس ذكر، يبتسم إلي نفسه وحدها أو إلي الحياة . وصفته براقص الماء، وإشارات تشي بغرامها بجسده الممشوق الأسمر، علي أننا لن نجد أية إشارة لتفاعل جسدي بينهما، بل لن نجد إلماحا لاعتراف أحدهما للآخر بمشاعر الحب. سيبقي حبًّا فلسفيًّا إنسانيًّا دالا علي إمكانية حدوثه بين البشر. حبٌّ أنثرو-إثني إن جاز الوصف. حبُّ عِرقٍ لعِرقٍ مختلف عنه جينيًّا وحضاريًّا وثقافيًّا. تحكي بافتتان عن طقوس مغربية ستكون مفاجئة لنا نحن المشارقة: الحمّام المغربي ـ الشاي المغربي طهوًا وتقديما ـ طجين السمك علي شاطئ البحر ـ تنظيم البيت المغربي التقليدي بوسائده وسجاجيده وجلوده. بل طريقة المصافحة بين الرجال والنساء بوضع اليد فوق القلب. حتي القيم التي يتبناها أبناء مهنة الصيد: يعرف محمد كيف ينتظر . فالزمن هو العملة التي ينفقها الصياد في مهنته. مَنْ عندنا في فرنسا يعرف كيف ينتظر؟ . ورغم نزعة نقد الذات علي لسان الروائية لمجتمعها الفرنسي، سيما في غياب الديمقراطية حال التعامل مع العرب بطبقية، ورغم محاولتها أن تبدو موضوعية ومُحبّة في انتقادها سلبيات مجتمعاتنا العربية، إلا أننا كقراء لن نغفل الحس المتعالي الذي شاب السرد، مهما حاولت إخفاءه. الدرهم بمثابة الملك في المغرب، حاضرٌ في كل المناقشات، انتبه ابني الصغير إلي ذلك بسرعة، المرأة العجوز التي تقبلك أنت وأطفالك في الشارع، الطفل الرائع الذي يتبعك، كلهم ينتهون بابتزاز بعض الدراهم منك. ثم تعاود النكوص علي الفكرة، أو الالتفاف حولها، بعد التعميم السابق: الدرهم هنا يتجول دون عقدة. ليس للمحتاج مظهر من يتسول، وليس للمانح مظهر من يعطي، يجب أن ترنو جيدا للمشهد لتري قطعة نقدية تمر من يد إلي أخري. وكأن المالَ ليس الركيزة الأساس في بلاد الغرب! ثم السخرية لأن أحدا من سكان هذا الساحل لم يفهم معني الرمز البريدي حين سألت عنه. انتقادات كثيرة للعرب وإن بلهجة المحبّ، أو لنقل الماكر، ربما لأنها تعرف أن المغاربة يقرأون الفرنسية بيسر، عبر تيمة الكر والفر. تحكي عن عصابة لصوص يهددون ويبتزون، ولو التقوا بك ولم يجدوا معك شيئا يربتون علي كتفك وقد يعطونك مالا! الكلام بالنفي في الأدب قد يعني الإثبات لو اعتمدنا مكر الأدباء في طرائق الصوغ: هنا في هذه المنطقة لا وجود لأناس يجلبون الزبائن، ولا تجار سمجين، ولا مرشدين سياحيين مزيفين، ولا الشحاذون يخدعونك بكلام منمق، الناس هنا لا يعتبرونك حمامةً يجب نتف ريشها . كل هذه اللاءات النافية تعني إثبات كل ما سبقها من مثالب في بقعة أخري من المغرب. تمتلك الروائية حسًّا لغويا وبلاغيًّا رفيعًا، ومقدرة علي تطويع الجملة. يتجلي ذلك في رشاقتها الأسلوبية ووثباتها بين مستويات الحقل اللغوي والدلالي. تجد جملةً طويلة، من حيث طول زمن الحدث وعدد الكلمات، تعقبها جملة مبتسرة من كلمة واحدة، ما يخلق لونا من الديناميكية الإيقاعية: سنبحث عن الحضانة لطفلنا الصغير. وجدناها. . نلمس العديد من الإسقاطات الفلسفية ما يصبغ الرواية بالثراء والكثافة علي صغرها. ألينا رييس لا تدع أي حدث يمر دون أن تتأمله، وهكذا الإنسان حين يسافر من أجل المعرفة. ينظّر في كل شيء ولا يأخذ الأمور بمسلماتها. كذلك لم يغب النفس الشعري رغم كونها سيرة ذاتية. فنجد العديد من الصور التي لا يرسمها إلا شاعر. وهذا يشير بإصبع اتهام إلي المترجم، كونه شاعرًا، لاحتمال تدخله في الرسم. والحق أنني أميل إلي هذه الخيانات وأجدها مشروعةً في الترجمة كونها تمثل الجريمة الكاملة (النبيلة) والخيانات الكبري (الحلال) حال اضطلاعنا بترجمة الأدب. بل إن الحَرفيةَ والأمانة المطلقة والعبودية الكاملة للنص الأصل حال ترجمة الشعر والأدب هي الخيانة الحقيقية للنص الأصل وللمترجم وللقارئ علي السواء.شاعرة من مصرQMK0