المغرب: قانون الأسرة يثير جدلا بين الأحزاب حول تعدد الزوجات والإرث وزواج القاصرات

حجم الخط
0

الرباط-«القدس العربي»: تستمر الأحزاب المغربية على اختلاف توجهاتها وإيديولوجياتها في تقديم المقترحات والتوصيات التي تهم مختلف الجوانب بخصوص تعديل قانون الأسرة، بما يرفع الاختلالات التي يتضمنها القانون الحالي، والذي جاوزت صيغته الحالي عشرين سنة منذ آخر تعديل لها سنة 2004.
قدم حزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” اليساري، تصوُّره حول تعديل مدونة الأسرة أمام الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، داعيا إلى منع وتجريم زواج القاصرات وتوقيع العقوبات على من يُسهِّله، بالإضافة إلى اعتماد الخبرة الجينية ADN لإثبات النسب، إلى جانب إقرار الأب المفترض بالبنوة وأن يتمتع الأبناء المولودون من علاقة خارج إطار الزواج الشرعي، بكل حقوق الأبناء المولودين في إطار مؤسسة الزواج، انطلاقا من القاعدة الربانية الكبرى: “لا تزر وازرة وزر أخرى” وأن يتم بحكم هذا المقتضى حذف أي إجراءات تمييزية قد تلحق ضررا نفسيا أو قانونيا أو ماديا بهؤلاء الأبناء.
ودعا حزب “الاتحاد الاشتراكي” إلى تثمين العمل المنزلي عند احتساب الممتلكات المتحصلة أثناء الزواج، على اعتبار أنه إذا كانت رعاية الأبناء مسؤولية مشتركة بين الأب والأم، فحتى مسؤولية الإنفاق يجب أن تكون مشتركة إذا كان كلا الطرفين لهما مداخيل شخصية، وهو ما يجب أن ينسحب حتى على النفقة بعد إيقاع الطلاق، بحيث يجب تقدير النفقة على حسب احتياجات الأبناء وإمكانات كل من الأب والأم.
واقترح الحزب أن لا تبقى الولاية حصرا بيد الأب، حيث أبانت التجربة أن الأبناء يكونون ضحايا هذا الإجراء، وبالتالي يجب أن تكون الولاية مشتركة بين الأم والأب، بل إنه لا يجب حرمان الحاضن منها، لأن الحاضن والحاضنة هو الذي يقوم عادة بالإجراءات المتعلقة بدراسة الأبناء، أو وثائقهم الإدارية وغيرها من المعاملات، ولا يجب أن تسقط الولاية إلا بحكم قضائي يستند على الإخلال بمقتضياتها وواجباتها.
كما اعتبر الحزب أن بعض أحكام الإرث لا تستند على نصوص دينية قطعية الثبوت، وقطعية الدلالة، بل هي من الظنيات، وهي اجتهادات بشرية اكتسبت بمرور الزمن رغم تغير السياقات ما يشبه الإطلاقية، داعيا إلى إعادة النظر في بعضها بما ينسجم مع روح الإسلام وسياقات العصر وغايات الإنصاف، وعلى رأس تلك الأحكام ما ارتبط بالتعصيب، والتي تنطوي على ظلم في حق زوجة المتوفى وبناته في حال لم يكن لهن ولد.

رفض «التعصيب» و«المساواة»

من جانبه، عبَّر حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي عن آرائه ومقترحاته حول تعديل مدونة الأسرة، مؤكدا على ضرورة أن تلتزم التعديلات المرتقبة بالمرجعية الإسلامية، لأن المغرب دولة إسلامية، والإسلام دين الدولة، والهوية المغربية تتميز بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها. وكذلك الالتزام بالمقتضيات الدستورية، والتي قالت بالأسرة القائمة على علاقة الزواج الشرعي، وبوأها مكانة الخلية الأساسية للمجتمع، وأوجب على الدولة أن تعمل على ضمان الحماية الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية للأسرة.
وعدَّد الحزب الإسلامي جملة من المطالب المرفوضة من لدنه، ويتعلق الأمر بكل ما فيه “مساس بالمرجعية الإسلامية لمدونة الأسرة، والرفض التام لفصل مدونة الأسرة عن أحكام الفقه المالكي المكتوبة والمتواترة والمعلومة في مصادرها فيما لا نص فيه، وعليه رفض حذف المادة 400 من المدونة”.
كما أعلن الحزب رفضه التام لمطالب المساواة في الإرث، ورفض حذف التعصيب، وتحصين الحكم الشرعي في منع زواج المسلمة بغير المسلم، ورفض أن لا يكون اختلاف الدين مانعا في الإرث.
ورفض الحزب تجريم الاستثناء المتمثل في الإذن القضائي بالزواج دون سن الأهلية، ورفض المنع التام لتعدد الزوجات، ورفض المساواة الميكانيكية المطلقة بين الرجال والنساء في الزواج وأثناء عقده وفسخه، فضلا عن رفض إلغاء تجريم العلاقات الجنسية الرضائية خارج الزواج، وكذا رفض رفع التجريم عن الإجهاض وقتل الجنين بغير حق.

منع تعدد الزوجات

من جهة أخرى، اعتبر حزب “التقدم والاشتراكية”، ضمن مذكرته الاقتراحية أن “تعدد الزوجات يشكل أحد مكامن الخلل الواجب تجاوزها عبر إلغائه ومنعه منعا نهائيا ومطلقا، لأنه يجسد أحد أسوأ أشكال التمييز والعنف القانوني ضد المرأة، ويحط من كرامتها وإنسانيتها”.
واعتبر الحزب التقدمي أن تعدد الزوجات “يكرس مظهرًا من مظاهر الاستعباد في صيغه الجديدة، ويضرب في العمق كل المقتضيات المتعلقة بالمساواة بين الرجل والمرأة. فضلا عما يترتب عنه من شعورٍ بالغبن والظلم والإهانة لدى المرأة وما ينتج عنه من آثار سلبية ووضعيات وعلاقات أسرية وعائلية غير سوية”.
وبالنسبة للتعصيب في الإرث، أكد حزب “التقدم والاشتراكية”، أنه يُقارب قضايا الإرث، من حيث المبدأ، من منطلق قناعةٍ راسخة بالمساواة التامة بين المرأة والرجل. غير أنه وفي الوقت نفسه، يستحضر الإكراهات المحيطة بالموضوع، من جَرَّاءِ التأويل الجامد لبعض النصوص، دون انفتاحٍ على الاجتهادات المتنورة بهذا الصدد.
واقترح الحزب الإلغاءَ التام للتعصيب، بالنظر للآثار والإشكاليات التي يُخَلِّفُهَا على مستوى الواقع، وحصر الورثة في الفروع والأصول في حال وجودهم دون غيرهم.
أما بالنسبة للوصية، فيجب توسيعها وعدم إقصاء الورثة من مال مورثهم، مع ضرورة تحصينها من الطعن، وعدم اشتراط ترخيص باقي الورثة لها، مع إيجاد الصيغ القانونية المناسبة لضمان حقوق الأطفال المكفولين في التركة.
وتابع “التقدم والاشتراكية” اقتراحاته: “في ما يخص التوارث بين المسلم وغير المسلم، وفي إطار مكافحة كل أشكال التمييز، بما في ذلك التمييز القائم على أساس المعتقد، يقترح الحزب إسقاط اختلاف الدين كمانع من موانع الإرث بين الأزواج وبين الفروع والأصول، لتفادي إرغام المعنيين بالأمر وإكراههم على اللجوء إلى التحايل والإعلان الكاذب عن اعتناق الإسلام”.
وحمايةً لحقوق الزوجين، وصيانة لكرامتهما وكرامة الأبناء، يقترح الحزبُ، في حالة وفاة أحد الزوجين، تمكينَ من تبقى منهما على قيد الحياة من الانتفاع الحصري من بيت الزوجية بكافة تجهيزاته.

لا «بكر» ولا «ثيب»

أما حزب “فيدرالية اليسار الديمقراطي”، فقد طالب بحذف لفظتي كون المرأة “بكرًا” أو “ثيبا” في مدونة الأسرة الجديدة لارتباط اللفظتين بـ”البكارة”.
واقترح خلال تقديم مذكرته حول تعديل مدونة الأسرة أمام الهيئة المكلفة بمراجعة المدونة، تعويض هاتين اللفظتين بالإشارة إلى وضعية كل من طرفي عقد الزواج باستعمال عبارة أعزب أو أرمل أو مطلق.
كما اقترح تعويض لفظي الخاطب والمخطوبة بلفظي “الخطيب والخطيبة” وتعويض لفظ الأبوين بلفظ “الوالدين”.
وكان العاهل محمد السادس أكد في رسالة وجهها لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، على ضرورة إعادة النظر في مدونة الأسرة، التي مكنت من إفراز دينامية تغيير إيجابي، من خلال منظورها للمساواة والتوازن الأسري وما أتاحته من تقدم اجتماعي كبير، وذلك بهدف تجاوز بعض العيوب والاختلالات، التي ظهرت عند تطبيقها القضائي.
وأشار إلى ضرورة أن تتواءم مقتضيات مدونة الأسرة مع “تطور المجتمع المغربي ومتطلبات التنمية المستدامة، وتأمين انسجامها مع التقدم الحاصل في التشريع الوطني المغربي”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية