الرباط – الأناضول: في ظل معطيات رسمية تشير إلى تراجع مقلق في حصة الفرد السنوية من المياه في المغرب، تسعى المملكة إلى تحقيق «الأمن المائي».
ويحظى ملف تدبير الموارد المائية باهتمام خاص من الملك المغربي محمد السادس الذي اجتمع أكثر من مرة خلال السنوات الأربع الماضية بمسؤولين كبار لبحث الأمر، كان آخرها في 7 يناير/كانون الثاني 2020.
وأقرت الحكومة في وقت سابق برنامجاً وطنياً للتزود بالمياه لأغراض الشرب والري للفترة 2020 ـ 2027، باستثمارات تبلغ 115 مليار درهم (حوالي 12 مليار دولار).
وتراجعت حصة الفرد المغربي من الماء إلى أقل من 650 متراً مكعباً سنوياً، مقابل 2500 عام 1960، ومن المتوقع أن تقل هذه الكمية عن 500 متر مكعب بحلول سنة 2030، حسب تقرير سابق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي في المغرب.
وتقول السلطات أن نسبة الأسر التي تملك ربطا بالشبكة المائية لا تتعدى 65 في المئة.
وفي مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قال وزير التجهيز والماء نزار بركة أن المغرب من الدول التي تتسم بمحدودية الموارد المائية وهشاشتها، بسبب مناخه الجاف وشبه الجاف، مع تباين كبير في التساقطات المائية في المكان والزمان.
ويصل تزويد السكان بالماء الصالح للشرب إلى 100 في المئة داخل المدن، و94 في المئة في الأرياف، ولكن التزود بمياه الري أقل بكثير.
والتوجه الذي سارت عليه السلطات في إطار «مخطط المغرب الأخضر» وهو برنامج لتطوير القطاع الزراعي أطلقته وزارة الفلاحة في أبريل/ نيسان 2008، استنزف الموارد المائية.
وما عقد مشكلة ندرة المياه في البلدتشجيع الزراعات التي تستهلك الماء بشكل كبير، خصوصا البطيخ الأحمر، إذ انتقلت المساحة المزروعة من 2000 هكتار عام 2008 إلى 10 آلاف هكتار حاليا.
ومنذ سبعينيات القرن الماضي، اعتمد المغرب في سياسته المائية على إنشاء السدود لضمان تزويد السكان وتلبية الحاجات الفلاحية.
ويوجد في المملكة 149 سداً كبيراً حدها الأقصى 19 مليون متر مكعب من الماء.
وحسب تقرير ميزانية وزارة التجهيز والماء لعام 2022، بلغ حجم المياه المخزنة في السدود حتى 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي 5.8 مليار متر مكعب، أي ما يعادل 36.1 في المئة كنسبة ملء إجمالي صافي من طاقة السدود، مقابل 36.5 في المئة في اليوم ذاته من العام الماضي.
وخلال 2021، أنهى المغرب أشغال بناء 4 سدود كبرى بكلفة إجمالية بلغت 3 مليارات و580 مليون درهم (344 مليون دولار).
وسيواصل تشييد 15 سداً كبيراً في 2022 بكلفة تصل إلى 21 مليارا و460 مليون درهم (2.07 مليار دولار) بسعة تخزين تبلغ نحو 5 مليارات متر مكعب.
وبموازاة سياسة إنشاء سدود جديدة، توجه المغرب في السنوات الأخيرة بقوة إلى تحلية مياه البحر لتعزيز إمداداته المائية، خصوصا بعد اندلاع احتجاجات في مناطق تشهد نقصاً حاداً في المياه.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017، شهدت مدينة زاكورة (جنوب شرق) احتجاجات للمطالبة بتزويد السكان بماء الشرب، عرفت إعلاميا بـ «احتجاجات العطش». وتدخلت السلطات الأمنية حينها لفض الاحتجاجات السلمية، واعتقلت 21 شخصاً معظمهم من الشباب.
وإثر ذلك، أمر العاهل المغربي بتشكيل لجنة يترأسها رئيس الحكومة، آنذاك، سعد الدين العثماني، لإيجاد حل لمشكلة ندرة الماء في عدد من مناطق البلد، وخصوصا في إقليم زاكورة.
وتضم المملكة تسع محطات تحلية لمياه البحر تنتج 147 مليون متر مكعب في السنة، وآلاف الآبار الجوفية، ما يضمن توفير مياه الشرب للمواطنين، وتلبية حاجات الفلاحة، والسقي، والصناعة، والطاقة.
وفي الثامن من الشهرالماضي، أعلنت الحكومة أنها ستشرع في مطلع العام المقبل في استغلال محطة لتحلية مياه البحر في محافظة اشتوكة آيت بها» (وسط غرب) وهي إحدى أكبر محطات تحلية مياه البحر في منطقة المتوسط وافريقيا.
وتبلغ سعة محطة التحلية في المحافظة، في المرحلة أولى، 275 ألف متر مكعب في اليوم، منها 150 ألفا موجهة للمياه الصالحة للشرب، ويمكن لمليون و600 ألف نسمة الحصول عليها في جهة أكادير.
وأضاف الوزير «نتوقع زراعة 15 ألف هكتار بداية عام 2022، بمنطقة اشتوكة آيت بها، كما ستُستعمل مياه المحطة في تزويد السكان بالمياه الصالحة للشرب».
وأنشأ المغرب أول محطة لتحلية مياه البحر عام 1976 في طرفاية (جنوب) بطاقة إنتاجية متواضعة جداً تبلغ 70 متراً مكعباً في اليوم، أتبعها بمحطات في مدن أخرى بينها بوجدور وأغادير.
وشرع البلد في تشييد أكبر محطة لتحلية مياه البحر في القارة الافريقية في مدينة الدار البيضاء.
وتشير معطيات رسمية إلى أن سعتها ستبلغ 300 مليون متر مكعب، بكلفة إجمالية قدرها 10 مليارات درهم (1.1 مليار دولار).
يذكر أن معدل المياه الجوفية التي يمكن استخدامها سنوياً يبلغ 4 مليارات متر مكعب، ولكن يتم استهلاك نحو 5 مليارات متر مكعب، وهو ما يهدد بمشكلة حتمياً مستقبلاً إذا بقي الأمر على هذه الحال، بفعل استنزاف الآبار.
ولفت تقرير لـ»المجلس الاقتصادي والاجتماعي» عام 2014 إلى المخاطر التي تهدد جودة واستمرارية الموارد المائية بسبب النشاطات البشرية، إذ بلغت مستويات «مقلقة» مثل الاستخراج المفرط والتلوث.
وقال التقرير إنه يتم استخراج أكثر من 900 مليون متر مكعب سنوياً من المخزونات غير القابلة للتجدد في الفرش المائية بالبلاد.
والفرش المائية (مياه جوفية) مياه توجد في خزانات تحت الأرض تتكون من التساقطات المطرية، ويتم استعمالها انطلاقاً من الآبار في الري والزراعة.
ويعزو المغرب ندرة المياه إلى تراجع الأمطار خلال السنوات الماضية، إذ بلغ العجز السنوي مليار متر مكعب.
ودقت بعض المؤشرات ناقوس الخطر، مثل نهر ملوية، أحد أكبر أنهار البلاد، والذي بات عاجزا عن الوصول إلى مصبه للمرة الأولى في تاريخه بسبب الجفاف الشديد وكثرة الاستهلاك.