د. حسين مجدوبي
يعيش المغرب يوم الجمعة من الأسبوع الجاري انتخابات تشريعية تأتي في سياق مختلف بسبب تزامنها والربيع العربي ودستور جديد مثير للجدل وبروز حركة 20 فبراير الداعية للمقاطعة والدور الذي تكتسبه كفاعل سياسي من الدرجة الأولى. وكل هذه التطورات تجعلنا نطرح تساؤلا عريضا: هل ستكون هذه الاستحقاقات مقدمة لاستقرار سياسي أم مقدمة لتوتر سياسي واجتماعي؟
وكباقي الدول العربية، يعيش المغرب ربيعه العربي بشكل مكثف ومحتقن سياسيا ولكن في إطار من الهدوء النسبي مقارنة مع دول أخرى، ولا نعني الأنظمة الجمهورية مثل سورية واليمن وليبيا ومصر بقدر ما نعني الأنظمة الملكية مثل البحرين والأردن والكويت. فالنظام يتجنب استعمال القوة وحركة 20 فبراير تتظاهر محترمة الأعراف الدولية الخاصة بالتظاهر السلمي. وفي الوقت ذاته، يسجل هذا البلد مفارقة سياسية مقلقة، فبينما ترحب الدول الأوروبية بالإصلاحات السياسية التي أقدم عليها النظام وعلى رأسها تعديل الدستور، تتعمق الهوة السياسية بين أغلبية الشعب ومكونات المشهد السياسي الرسمي من نظام وأحزاب مشاركة في المؤسسات بسبب رفض هذا الدستور الذي يقترب باحتشام من مفهوم الملكية البرلمانية التي ينادي بها الكثيرون.
وبعيدا عن التشاؤم المطلق أو الفكر العدمي، فعمليا، تفيد عدد من المؤشرات السياسية والاجتماعية باستحالة مساهمة هذه الانتخابات في استقرار حقيقي في البلاد مستقبلا نظرا لحجم التطورات التي تتبلور في المجتمع المغربي وتفرز عوامل جديدة لا تأخذها السلطة الحاكمة بعين الاعتبار. ومن أبرز هذه التطورات نجد:
شعور بخيبة الأمل لدى جزء لا بأس به من الشعب المغربي بعدم قطف أي ثمار سياسية من الربيع العربي في وقت أصبحت دول كانت غارقة في الدكتاتورية تسير نحو ديمقراطية حقيقية وعلى رأسها تونس، بينما في المغرب يستمر اللاعبون السياسيون أنفسهم وتستمر أجواء الفساد صارخة. فتونس تحاكم زين الرئيس المخلوع العابدين بن علي وتحاكم مصر حسني مبارك بينما في المغرب المتورطون في الفساد في المغرب ابتداء من أصغر البلديات وحتى المحيط الملكي ومسؤولين في المؤسسة العسكرية بدون عقاب رغم الفضائح التي يعرفها الجميع ونشرتها وثائق ويكليكس. ومن باب المقارنة، حطم التونسيون رقما قياسيا عالميا في المشاركة في الانتخابات الأخيرة بنسبة قاربت 90′ وتهافت المصريون على صناديق الاقتراع لتعديل الدستور بنسبة فاقت 70′ ورأينا صفوفا امتدت لمئات الأمتار للناخبين في البلدين من أجل التصويت، بينما نجد في المغرب غلبة دعوات مقاطعة الانتخابات التشريعية أكثر من المشاركة فيها ونفتقر لصور مشاهد لصفوف تمتد فقط لعشرين مترا للمصوتين على الدستور في تموز/يوليو الماضي، ونتفاجأ بنسبة 73′ وكأن الناخبين كانوا يلبسون طاقية الإخفاء.
ونتساءل هنا: هل المواطن المغربي عدمي مقارنة مع التونسي والمصري؟ الجواب لا، التونسي يرى في صناديق الاقتراع مخرجا للأزمة والانتقال نحو الديمقراطية والمغربي يرى في صناديق الاقتراع مهما كانت شفافية زجاجها تكريسا لواقع فاسد لا يكاد يتغير. استمرار النظام القائم في التعامل حصريا مع أطراف سياسية لم تعد فاعلة بالقدر الكافي في الحقل السياسي وعاجزة عن إقناع المواطن المغربي بالتوجه الى صناديق الاقتراع، ويكفي الاستدلال بأن جميع الأحزاب المشاركة في انتخابات يوم الجمعة لم تلّح على إصلاح الدستور بل كان مطلبا لقوى سياسية وحركات مدنية تقاطع الآن هذه الانتخابات. فبعض الأحزاب التاريخية مثل الاستقلال والاتحاد الاشتراكي فقدت الكثير من بريقها بسبب الممارسة الحكومية، كما سيكون من الخطأ السياسي اعتبار حزب العدالة والتنمية المشارك في مؤسسات الدولة منذ قرابة 15 سنة بمثابة ‘حزب النهضة’ التونسي.
استمرار معارضة أطراف أمنية وسط المؤسسة الحاكمة لأي محاولة لنسج جسور الحوار السياسي مع بعض مكونات حركة 20 فبراير مثل النهج الديمقراطي وحركة العدل والإحسان وعدد من جمعيات المجتمع المدني التي أصبحت فاعلا سياسيا بامتياز. ورغم اتهام حركة 20 فبراير بالتطرف في بعض الأحيان اعتمادا على انفلاتات محدودة من خلال ترديد شعار ‘الشعب بريد إسقاط النظام’، فهذه الحركة يحسب لها أنها جعلت تنظيما ماركسيا لينينيا ‘النهج الديمقراطي’ وحركة إسلامية جذرية مثل ‘العدل والإحسان’ تنادي بالملكية البرلمانية بدل الجمهورية التي نادت بها دائما. في هذا الصدد، تفتقر الدولة لرؤية استراتيجية للتعامل مع القوى السياسية، وكان أكثر من معلق ومحلل سياسي مغربي قد صرح خلال الأسابيع الماضية بما يلي: ‘لو كان الحسن الثاني حيا لقام بالتحاور مع حركة 20 فبراير’. ويتساءل الكثيرون: كيف يمكن للمؤسسة الحاكمة في المغرب استيعاب البوليساريو مستقبلا في وقت عجزت فيه عن خلق حوار مع حركات سياسية تقيم في المغرب؟
ويبقى المعطى الأساسي وربما الحاسم مستقبلا هو تبلور ثقافة سياسية جديدة وسط المجتمع المغربي. فرغم تمتع المواطن المغربي بوعي سياسي قوي إلا أنه كان حتى الأمس ينهج اللامبالاة في رؤيته للتسيير الحكومي والممارسة السياسية وهو ما يفسر المشاركة الضعيفة في الانتخابات التي أجريت خلال الأربعين سنة الأخيرة ولاسيما خلال العشر سنوات الأخيرة التي توصف بالعهد الجديد، أي منذ مجيء العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى الحكم. لكن التصور السياسي لدى المواطن المغربي تغير مع انفجار الربيع العربي وسياسة ‘الاحتقار’ التي تمارسها الدولة. فأصبحت تلك الأغلبية من المواطنين اللامبالين والصامتين تطالب بإصلاح حقيقي وجذري بعيدا عن ‘مفهوم خصوصيات المغرب’ التي وظفت لتبرير ممارسات الفساد. وانتشرت ثقافة الاحتجاج بشكل لم يعهده المغرب خلال الخمسين سنة الأخيرة. وتتمظهر الثقافة السياسية الجديدة في استمرار تظاهرات حركة 20 فبراير وارتفاع نسبة الاحتجاجات في مختلف مناطق المغرب بما فيها القروية التي كان سكانها حتى الأمس القريب يفضلون الصبر والمعاناة على الاحتجاج ضد ‘المخزن’. كما تتميز الثقافة الجديدة بالتركيز مباشرة على مسؤولية المؤسسة الملكية التي كان قليل من المغاربة ينتقدونها حتى الأمس القريب ويركزون على حاشيتها. ودائما في إطار التساؤلات، كيف أمكن للأجهزة الأمنية والاستخبارتية والقضائية في اعتقال قرابة ثمانية آلاف شخص بتهمة الإرهاب ولم تنجح في اعتقال ومحاكمة مئات من الفاسدين الذين حولوا المغرب إلى مزرعة خاصة؟
المعادلة السياسية في المغرب تتغير بوتيرة سريعة، فحتى الأمس كانت السلطة القائمة تتستر بل وشجعت على الفساد المالي والسياسي وسط الفاعلين السياسيين. ويتذكر الجميع مقولة الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1972 عندما خاطب الضباط العسكريين إثر الانقلاب الفاشل الذي نفذه الجنرال محمد أوفقير ‘اتركوا السياسة واهتموا بالمال والأعمال’، ووقتها تحول بعض الضباط الكبار إلى رجال أعمال على الطريقة الحزب الحاكم سابقا في مصر. الخطاب نفسه وجهه الحسن الثاني بطريقة غير مباشرة الى الطبقة السياسية التي قام بإنشائها، حيث سمح للبرلمانيين والوزراء والمستشارين في البلديات بالنهب المطلق، منهم من خاف ربه واحترم ممتلكات الشعب وهم الأقلية بينما أصبحت الأغلبية عضوا في نادي ‘علي بابا والأربعين حرامي’. ومن لم يصدق، فلينجز دراسة سوسيولوجية لنوعية الطبقة السياسية في المغرب منذ أواسط السبعينات وحتى يومنا هذا ليرى كيف راكم عدد من السياسيين المال بطريقة النهب. هذه السياسة سمحت للنظام بالتوفر على الأغلبية في طبقة سياسية يتلاعب بها كما يشاء، ومن تجرأ، فملف اختلاساته يحال بسرعة البرق على القضاء. والجديد، هو استحالة استمرار اعتماد المؤسسة الحاكمة على هذه النوعية من السياسيين لأن سياسة شراء الذمم لم تعد تنفع مع شعب استيقظ فجأة ويطالب بالإنصاف.
في الوقت ذاته، لا يتوفر أي حزب على حظوظ للفوز بأكثر من 15′ من الأصوات ولا يوجد أي سياسي يحظى باحترام كاف من طرف الرأي العام يؤهله لتولي مسؤولية رئاسة الحكومة. فالمغرب يفتقر لسياسيين مخضرمين من طينة المرحومين عبد الرحيم بوعبيد (يساري) وعلال الفاسي وعبد الخالق الطريس (محافظين) الذين لم يكونوا يحظون فقط باحترام المغاربة سواء كانوا من اليسار أو اليمين بل كانوا من أعمدة الاستقرار السياسي وساهموا في توازن سياسي في مواجهة الملكية.
وعودة الى انتخابات يوم الجمعة، ونظرا للسياق الذي تجري فيه، الربيع العربي، والتطورات التي يشهدها المغرب من فقدان الطبقة السياسية الكلاسيكية لأي مصداقية من جهة، وبروز وانتشار ثقافة الاحتجاج والرفض وظهور لاعبين سياسيين جدد من جهة أخرى، يبقى من باب المنطق الاعتراف بصعوبة مساهمة هذه الاستحقاقات في استقرار سياسي واجتماعي في مغرب الغد. فكما لم يرض تعديل الدستور الكثير من المغاربة وإن كان قد صفق له الخارج، لن تجد هذه الانتخابات استجابة من طرفهم.’ صحافي من المغرب يقيم في اسبانيا